هل توصل مقاطعو الانتخابات الماضية الى الاهداف التي كانوا يريدونها ؟

سعد السعيدي
2019 / 10 / 21

بعد الانتخابات النيابية الاخيرة فوجيء الكثيرين بتضخم نسبة المقاطعين لها بشكل كبير جدا وغير مسبوق مما اثر على النتائج بشكل كبير. وقد ادت نسبة المقاطعين هؤلاء الى تطهير وتنظيف مجلس النواب السابق من اكثر من ثلثي وساخاته. ربما كان لهذه النتائج المتحصلة ان تصيب مقاطعي الانتخابات بالغبطة والسرور لهذا "الانتصار". بيد انها كان لا بد ان تضعهم بنفس الوقت في خانة طرح الاسئلة فيما اذا كانوا قد توصلوا الى اهدافهم المرجوة من هذه المقاطعة. فهل كان هذا هو ما حصل ؟

كانت هذه المقاطعة هي رد فعل شعبي عفوي غير منظم يشير الى الاستياء والامتعاض الكبيرين حول المنحى العام الذي تسير به البلاد. وبشكلها هذا لم تكن هذه المقاطعة تستطيع لوحدها بشكلها غير المنظم ان تؤدي الى نتيجة ذات فائدة بعيدا عن هدف واضح. وقد اكدت النتائج التي ادت اليها حركة المقاطعة العفوية هذا الاستنتاج. إذ انها لم تؤد إلا الى خسارة غالبية الوجوه المتصدرة للمشهد السياسي العراقي منذ بداية العهد الجديد لمقاعدها النيابية فقط ، لتستبدل بوجوه جديدة حلت مكانها معظمها لنفس الاحزاب الخاسرة في المجلس. اي ان جل التغيير كان شكليا. وهذا التغيير الشكلي قد ادى بالمحصلة الى حدوث تأثير شكلي ايضا على موازين القوى القائمة في مجلس النواب.

من ملاحظة نسب المشاركة يكون من الواضح بان الناخبين كانوا مجموعتين : تلك التي خرجت للتظاهر على مدى سنوات شارك معظمها بالانتخابات ، واخرى خارجها قاطعتها. والاخيرة كانت جمهور كبير جدا شكل الغالبية لكن عفوي وغير منظم كما اسلفت. وقد بلغ حجم هذا الجمهور العفوي المقاطع اكثر من 80% من اعداد الناخبين (من نسبة 21% في الانتخابات الاولى قبل 14 عاما). وهو بسبب هذه العفوية ربما كان يعرف قيمة صوته لكن لم يعرف كيف التهيئة للحصول على ما يريد من اهداف مع مقاطعته. والمقاطعة الانتخابية هي وسيلة للوصول الى اهداف محددة مسبقا. وتكرار المقاطعة بلا هدف سيؤدي الى نتائج شبيهة بالحالية.

هناك اسبابا لغياب التهيئة لما بعد المقاطعة وهو نفاق وانتهازية قيادات التظاهرات السابقة للانتخابات. فهذه قد استخدمت على مدى سنوات شعارات عامة من غير الممكن معها إحداث تغيير على الارض. وكان عليها تجاوز هذه العموميات وتسمية اصناف الفساد باسمائها وتحريك الاجهزة الرقابية عليها لاحالة الفاسدين الى القضاء ، إلا انها لم تفعل. ولو انها قد فعلت لكانت قد جعلت عملية الفرز اوضح ولسدت الطريق امام محاولات ركوب الموجة مع طرح اهداف واضحة للتصويت الانتخابي لاحقا. ومع وضوح الاهداف لكان الالتزام بالدستور اقوى بالتوازي مع اختيار رئيس الحكومة. لهذا السبب نرى هذه الايام اننا لم نقترب حتى ولو بقيد انملة من شعارات الدولة المدنية ولا من محاربة الفساد.

ان مقاطعة الانتخابات هو احتجاج مشروع لكنه ناقص التأثير إن لم يرافقه نشاط آخر موازٍ يضع الامور في نصابها. وكان يمكن لهذا النشاط الموازي ان يكون بدل المقاطعة المشاركة عن طريق تهيئة مرشحين موثوقين مع برنامج انتخابي متفق عليه لايصال صوت المواطن الى مجلس النواب. اي المشاركة بهدف بدل المقاطعة بلا هدف. ولو انه قد جرت الامور بهذا الشكل فلربما كانت الاوضاع في العراق غير ما نراه الآن. فمقاطعة الانتخابات دون تهيئة البديل لا يختلف عن ترك الفاسدين حيث هم بعد ايصالهم.

إن من دواعي سرور الفاسدين ابتعاد الناس عن المشاركة باتجاه التغيير واقتصارها فقط على مبادرات محدودة التأثير دون تطوير الفعل الى نشاط ضدهم. لذلك ففي المرة القادمة لا بد ان يكون العمل الموازي هو تهيئة البديل من مرشحين موثوقين مع برنامج انتخابي واضح.