نقض حدوث العالم لدى الكندي

هيبت بافي حلبجة
2019 / 10 / 17

بعدما أنتقدناه في أجمل مقولة فلسفية لديه ( نقض الفلسفة الإلهية لدى الكندي ) نود أن ننتقده في موضوعة فلسفية أربكت معظم الفلاسفة المسلمين ، ألا وهي قدم العالم أم حدوثه ، وسواء مال الفيلسوف المسلم إلى إختيار حدوث العالم أم قدمه ، وتذرع بهذه الحجة أم بذلك البرهان المزعوم ، فإن الكارثة ، على الصعيد الفكر والمنطق ، هي هي ، فسواء كان العالم قديماٌ أم محدثاٌ فإنه يناقض الوجود المفترض لإله ( أو آلهة ) يتغنى به البشر وهو مقذوف في اللاشيء ، على الأقل على صعيد تلك الحجج التافهة الهزيلة التي يتقوى بها كل طرف في دعم وجهة نظره ، وفي تفنيد ودحض الوجهة المعاكسة لوجهته ، والأجمل غرابة هو محاولة بعضهم إيجاد مخرج فلسفي فكري للجمع مابين قدم العالم ومابين حدوثه .
والفيلسوف العربي الكندي إستفاد ، من جهة أولى ، من بعض مصطلحات اللغة الكوردية الزرادشتية القديمة ( الأيس هو الوجود ، المائية هي الماهية ، جرم هو الجرم ، والبدن هو الجسد ، ونفس هي النفس ، وروح هي الروح ) ، ومن جهة أخرى ، من معاني المفاهيم الفلسفية لدى أرسطو( قدم العالم ، الزمن ، الحركة ، المادة ) ، ليقول إن الله ( عز وجل ) هو مؤيس الإيسات عن ليس ، أي إن الله تعالى قد خلق ـ أوجد ـ الموجودات عن العدم . ولولم بكن الكندي مسلماٌ لما قال مطلقاٌ بحدوث العالم إنما لأكد على قدم العالم مثل معلمه أرسطو .
إلى ذلك ، فإن الكندي الفيلسوف العربي الأول ، ومن خلال مؤلفه رسالة إلى المعتصم بالله ( في الفلسفة الأولى ) ومؤلفه ( في تناهي جرم العالم ) ومؤلفه ( في مائية مالايمكن أن يكون لانهاية له ) وكذلك ( في وحدانية الله وتناهي جرم العالم ) يقدم تصوراٌ أرسطوياٌ بإمتياز ولايخالفه أبداٌ إلا في حدود مخالفة الشريعة الإسلامية لإطروحات أرسطو الأصيلة :
القضية الأولى : يمايز الكندي مابين العلم الإلهي ومابين المعرفة البشرية ، فالأول ، من زاوية ، هو خارج حدود المعرفة البشرية ، خارج حدود العقل البشري ، خارج قدرته ، بمعنى إن العلم الإلهي هو مجال مجهول للطاقة البشرية ولايمكن أن تدرك ( بضم التاء ) إلا إذا أخبر الله ( عز وجل ) ( إله الإسلام ) البشر بذلك من خلال الرسل والأنبياء ، ومن زاوية أخرى ، هو يجسد قضايا إلهية بحتة ، أي هو من أسرار الله مع الله ، لذلك فإن العقل البشري قاصر بطبيعته عن إدراك هذه القضايا ، والثاني ، أي المعرفة البشرية هي معرفة حسية عقلية تنمو وتتطور وتأخذ أبعادها الفعلية من ذاتيتها الأصلية دون أن تدنو مطلقاٌ من العلم الإلهي ، والمعرفة البشرية ـ لدى الكندي ـ هي المعرفة الفلسفية بإمتياز وتعتمد في أصولها على مرتكزين أثنين :
المرتكز الأول : هو علم الرياضيات الذي بدونه لن يكون ثمة فيلسوف حقيقي ولا فلسفة حقيقية ، لإنه هو الثابت المحدد في كافة عملياته ، فتلك العمليات هي شمولية عالمية كلية غير متجزئة ولامتغيرة ، فالرياضيات هي ، إذن ، علم المعادلات ، علم الثوابت ، علم المنهج الذي لايتغير ، علم النتائج الأكيدة والقويمة والمنضبطة .
المرتكز الثاني : هو علم المنطق الذي هو علم الإستنباط ، علم الإستدلال ، علم المقدمات التي تؤدي بالضرورة إلى إستنتاجات صائبة ، هو العلم الذي لايقبل التناقض ولا أي حالة تبعثر في علاقة الممكنات مع بعضها البعض ، لذلك فإن علم المنطق وعلم الرياضيات هما القاعدة الجوهرية والفعلية لعملية التفلسف والفلسفة ، والنسق الفكري الفلسفي .
القضية الثانية : هي العلاقة الجوهرية ، لدى أرسطو : أولاٌ مابين اللامتناهي ومابين مفهوم الوجود بالفعل ، وثانياٌ مابين هذه المقولات الثلاثة ، المادة والحركة والزمن ، فالأول هو مبدأ إن اللامتناهي لايمكنه مطلقاٌ إن يوجد كله بالفعل ، أي ( لايمكنه أبداٌ أن يتحقق كله بالفعل ، أي لايمكن أن يخرج كله إلى الوجود ) ، والثاني هو مبدأ التزامن الوجودي مابين تلك المقولات الثلاثة ، فلا مادة بدون حركة وزمن ، ولا مادة سابقة للحركة وللزمن ، ولا حركة بدون مادة وزمن ، ولاحركة سابقة للمادة وللزمن ، ولازمن بدون مادة وحركة ، ولازمن سابق للمادة وللحركة ، وهي جميعها قديمة أزلية ، قدم العالم المكون لها ، فالعالم قديم غير حادث ، ومكوناته ( المادة والحركة والزمن ) قديمة مثله غير حادثة .
وأما الفيلسوف العربي الأول ، الكندي ، فقد أخذ جوهر هذه العلاقة ( أولاٌ وثانياٌ ) كما هي لكن نفى عن المقولات الثلاثة ، الجرم والحركة والزمن ، قدمها لإنها لاتنسجم ـ حسبه ـ مع وجود الله الباريء ـ مصطلحه الخاص به ـ ومع مفهوم الخلق الإلهي للعالم ، وأكد على مفهوم دقيق وهو إذا إن دخل منطوق الحدوث على واحدة من تلك المفاهيم فإن المفاهيم الأخرى تكون حادثة بالضرورة ، وبالتالي يكون العالم حادثاٌ أيضاٌ .
وينطلق الكندي من مفهوم التبضيع والمقدار والكم ويؤكد على إن القديم هو لامتناهي بالحتمية في حين إن الجرم والزمن والحركة تقبل جميعها إضافة أو نقصان المقدار والكم ومحتوى التبضيع وهي متناهية بطبيعتها ، فالزمن الماضي يتناهى في حد الزمن الحاضر ، كما إن الحركة السابقة تتناهى في حد الحركة الحالية ، والجرم يقبل بالضرورة حدود ذاته ، وبالتالي فإن هذه المفاهيم هي متناهية ، وطالما هي متناهية فإن العالم المكون لها متناه أيضاٌ .
وبهذا الخصوص يؤكد الكندي إن هذه المقولات الثلاثة تنقص وتزيد حسب مقدمات أولية ثمانية نذكر منها ثلاثة لتوضيح حدود فكر الكندي نفسه : أولاٌ إن كل الأجرام التي ليس منها شيء أعظم من شيء هي متساوية . ثانياٌ الأجرام المتساوية أبعاد مابين نهاياتها واحدة بالفعل وبالقوة . ثالثاٌ الجرم ذو النهاية ليس لانهاية له ، فما كان محصوراٌ في المتناهي هو متناه بتناهي حاصره ضرورة .
وفي الحقيقة يعتقد الكندي إن هذه المقولات هي حالات واقعية مشخصة كما لو إن هناك شجرة معينة ، صخرة معينة ، إنسان معين ، فهو يجزؤها أصلاٌ في دماغه وفي فكره ، وهاهو يؤكد إن أي جرم هو ، من جهة ، محدد بصرياٌ من قبل الرائي أي إنه محصور بحدوده وبالمكان المتمكن فيه ، كما إنه ، من جهة ثانية ، لايوجد بدون حركة فالطبيعة هي حركة الأجرام السماوية ، كما إن الزمن ، من جهة ثالثة ، ليس إلا عدد حركة الجرم ، أي إن الكندي لاينظر إلى ( الحركة والجرم والزمن ) بصورة موضوعية ومفاهيم راديكالية خارج حدود ماهو هذا الشيء ، فهذا الشيء هو هذا الجرم وهذه هي حركته وهذا هو زمنه ، وهي لايمكن أن تكون لامتناهية ، فهي متناهية بالضرورة وبالتالي فإن العالم متناهي مثلها وهو حادث بالشرطية.
القضية الثالثة : في إثبات وجود إلإله ( الله : إله المسلمين ) يورد الكندي مايطلق عليه ثلاثة براهين هي دليل النظام والتدبير ، دليل الوحدة ، دليل الحدوث والذي يهمنا هنا هو هذا الأخير ، وبصدده يقول الكندي هل يمكن ان يكون الشيء علة كون ذاته أم لايمكن ذلك ؟ فيجيب مباشرة إن ذلك غير ممكن ، لذلك إن العالم حادث ، أي له أول وله بداية في الزمن ، فهو متناه ، ومن ثم فلابد له من محدث .
وهنا لابد من إيراد الإنتقادات التالية على هذا التصور الباهت المشوه :
النقد الأول : في علاقة اللامتناهي مع المتناهي فإن القديم ـ حسب الكندي ـ هو لامتناهي ضرورة ، فلامناص من أن ينطبق ذلك على الوجود الإلهي ، الذي هو قديم وأزلي ، وبالتالي لا متناهي ، هذا يعني عدم إمكانية أي وجود آخر سواء كان متناهياٌ أم لامتناهياٌ ، لإن الكندي نفسه ينظر إلى مفهوم الوجود من خلال محتوى الأبعاد ، ولو زعم إنه لاينظر إلى المسألة من هذه الزاوية ، فلسوف تنهار كل إطروحاته عن المادة والجرم والزمن والحركة .
النقد الثاني : في علاقة الحادث بالمحدث أي علاقة العلة بالمعلول وهي علة عقلية ـ وفقاٌ لمبدأ العلة الكافية وطبقاٌ لمبدأ التضايف المنطقي ـ فإن ذلك لايستقيم مع مفهومه إن الإله قد خلق الموجودات عن عدم ( هو مؤيس الإيسات عن ليس ) ، لإن هذا المفهوم الأخير يقتضي مفهومين إختيارين هما مفهوم القدرة ومفهوم الإرادة ، وهذان المفهومان ـ حتى لو كانا مرتبطان بإله ـ لاعلاقة بهما بأي محتوى العلة مع المعلول ، لإنهما قد يحدثان وقد لايحدثان ، فهل الإله القادر على كل شيء يحقق كل شيء ، وهل الإله يريد ، فإن كان يريد فهذا نقص في إرادته ذاتها ، ويريد هنا إما ماهو زائداٌ عن وجوده ، وهذا العبث عينه ، وإما ماهو ناقص لديه وهذا ينفي ألوهيته الكلية المطلقة .
النقد الثالث : في علاقة المادة والحركة والزمن ، وبغض النظر عن رأينا في مفهوم المادة لإننا من أنصار مفهوم المادة المدركة الواعية ، فإن الحركة والزمن هما من خصائص المادة ، ولايجوز بالمطلق أن نذهب من المحتوى ( الحركة والزمن ) إلى مسألة أنطولوجية الأصل ( المادة ) ، مع العلم إن حديثه عن الزمن والحركة يدلل على عدم إدراكه لحقيقتها الموضوعية لإنها مرتبطة بموضوعية المادة نفسها ، فلازمن قد مضى ولاحركة سابقة ، بل هي تعابير بشرية مرتبطة بالحس والشعور .
النقد الرابع : في مفهوم الحدوث نفسه ، فإنه بالضرورة قد حدث بعد الوجود الإله ( مؤيس الإيسات عن ليس ) وهذا يفرض علينا قضية متناقضة ، فهل الحدوث ضرورة أم لا ؟ فإذا كان ضرورة فإنها ضرورة إلهية ، وهذا ينفي الوجود الإلهي ، وإذا كان ( ليس ضرورة ) فهذا لا يليق بالوجود الإلهي ويتهمه بالعبثية . وإلى اللقاء في الحلقة الحادية والثمانين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول