بحث في العدالة

أيمن الساسي
2019 / 10 / 17

بحث في العدالة
العدالة كقيمة و مبدأ أخلاقي تعاني من نفس ما تعاني منه الأخلاق، فما يميز عصرنا الحاضر هو تراجع الأسئلة و الحساسية الأخلاقية، سواء بين الناس العاديين أو المثقفين، و حتى أغلب الحوارات الأخلاقية الدائرة لا تعدوا حسب رأيي سوى نوعا من الفانتازيا بين مجموعة من المثقفين أو الدول خصوصا تلك الدول صاحبة المطامح الاستعمارية التي تبحث عما يبرر تدخلها في الدول الأخرى.

إن سبب هذا التراجع ليست الصعوبات المتعلقة بالمباحث الأخلاقية من حيث المفهوم، المعايير... بل أهم الأسباب هو إنتشار الأديان الخلاصية، سواء السماوية أو الأرضية، و التي تمنح معتنقيها شهادة استقالة أخلاقية، فالمهم هو نيل الخلاص.
أكثر دين خلاصي منتشر اليوم هو دين اللذة و الاستهلاك، حيث يتم خلاله اختزال الإنسان إلى مجموعة من الذرات الصماء التي لا هدف لها سوى اللذة و لا شيء غيرها، أشير هنا أني لست ضد اللذة كمطلب طبيعي للإنسان و لكني ضد إعتبارها هدف الحياة. و مع اللذة تتقوى النزعات الاستهلاكية، ليتبدى الإنسان ككائن شره.

شره للأكل، للعنف، للجنس... كائن محاط بعالم من الأشياء، و تدريجيا تحول هو إلى شيء من جملة الأشياء، فتتحول قيمته من ذاته إلى الأشياء، و كلما زادت الأشياء في عالمه زادت قيمته، و كلما انخفضت انخفض قيمته معها.
ما يميز الأديان الخلاصية كونها لا تصرح علانية بعدائها للقيم الأخلاقية، كونها تضع حدودا لها و تسعى لعقلنتها و أخلقتها، و لكنها تندس داخل تلك القيم و تفرغها من مضمونها و تضخ فيها مضامين جديدة تتماشى معها. فالإنسان الخطاء هو الذي لا يسعى لجمع أكبر قدر من الأشياء حوله بأي الطرق و لا يفني حياته بحثا عن اللذة و اللذة القصوى.

و حسب رأيي أهم مصطلحين لعب بهما الدين الخلاصي هما الحرية و الملكية.

في الغالب يقع التعامل مع المصطلحين بطريقة سطحية اعتباطية، دون إدراك حجم تأثيرهما على الفرد و المجتمع و الحياة عموما. طرح يبدو غريبا للكثيرين كونهم تعودوا أخذهما كما هما من المجتمع دون تفكير أو تمحيص.
ماذا تعني الحرية عند الكثير غير " أفعل ما أشاء "، لكن ماذا يعني هذا غير محاولة للتملص من كل قيد، و هل توجد حرية من هذا النوع؟ لنتصور مثلا أن دولة ما في هذا العالم أرادت إفناء نفسها بقنبلة ذرية، هل نتركهم و حالهم و نكتفي بالقول، هم أحرار، ألا يعني هذا إفناء للكثيرين من جيرانهم و حتى البعيدين عنهم، ألا يعني تأثيرا بالسلب على كوكب يعيش عليه أناس، حيوانات، غابات... كذلك الفرد فلا يحق له فعل ما يشاء، فبقية الأفراد، المجتمع من حقه الدفاع عن نفسه أمام أي خطر يهدد وجوده... بالابتعاد عن القنابل و الحروب، فإن الخطر الحقيقي الذي يهدد اليوم العالم هو جنون الاستهلاك و دينه الخلاصي...

بفضل جنون الاستهلاك أصبح اليوم العالم كله على شفى الهاوية، تبذير الموارد و استغلالها بطرق لا عقلانية... و كل هذا الجنون لا يكفي أنه أصبح يشعل الحروب هنا و هناك، لأجل دولة تسرق موارد دولة أخرى، أو فرد، شركة تنهب و تسرق البقية... قلت بفضل هذا الجنون أصبح العالم كله مهدد بسبب التلوث، تلوث الهواء، تلوث الماء، و حتى اليوم أصبحنا نعاني من تلوث الجينات... الانحباس الحراري و ارتفاع درجات الحرارة، زحف الصحراء، انقراض عديد الحيوانات، و اقتلاع عديد الغابات... و في غمرة كل هذا الجنون تنسى الناس أن تسأل تلك الأسئلة البسيطة، لماذا لدينا مئات شركات الشامبو في حين بإمكان شركتان مثلا أن تكفيا كل سكان العالم؟ لماذا نستهلك كل تلك العصائر و المشروبات الغازية؟ و نحن في عالم يعاني من شح المياه العذبة في الكثير من مناطقه.... لماذا كل تلك الأطنان من نفايات البلاستيك و المعادن... و التي توظف في أشياء بلا قيمة... الأسئلة البسيطة تحت حرب اللذة و الاستهلاك.

و ككل دين خلاصي لديه كهنته و وجوهه، فهذا الدين لديه كهنته من أصحاب شركات و السياسيين، و كل من لا ضمير له... و وجوه من ممثلين، رياضيين، علماء... و إن كان القدماء اعتمدوا على وسائل قهر من السوط، السيف، الشرطة، السجون، البنادق... و كل تلك الوسائل التي تحول الناس إلى مجرد آلات عند السيد... فالكهنة الجدد يمارسون القهر، لكنه قهر ناعم... فالوسائل الإعلامية، و الشبكات العنكبوتية... و الدراسات العلمية المتعلقة بالإنسان، وفرت الأساس لتستغله الشركات أو السياسيين... للسيطرة على الناس و دفعهم حيث يحبون... فأصبحت الرغبة تزرع في الناس و تلبيها الشركات. عموما برمجة الإنسان تطورت و تتطور مع التقدم العلمي و التراجع الأخلاقي.

و أصبحت مواقف من قبيل، " هذا قراري "، " هذه رغبتي "... لا دليل على كونها رغبة أو إرادة حقيقية، فأغلب الظن أنها رغبة شركة تتمعش بك من خلالها، أو سياسي يمارس لذة سلطته من خلالك، و تعريف الحرية كونها " أفعل ما أريد " تعريف ساقط من زوايا كثيرة، و إن اكتفيت بذكر جانب السيطرة الناعمة و التلاعب بالإنسان و استغلاله، علينا أن نذكر التعريفات البسيطة للإنسان ككائن اجتماعي، فللجماعة حق على الفرد كما أن للفرد حق على الجماعة....

أخيرا أود الإشارة كون لا وعي الإنسان كما يمكن ملؤه بالثقوب السوداء للشركات و التي تجلب الناس لها من دون أن يعوا ذلك، توجد فيه ثقوب سوداء للغرائز، الثقافة، و ما يخلفه المجتمع فيه... و إن لم يستطع الإنسان السيطرة عليها، رجع إلى حيوانيته الأولى و فقد إنسانيته...
هل يعني هذا أن لا حرية؟ لا، و لكن للحرية في المجتمع العادل زاوية أخرى أكثر عقلانية، فالحرية فيه تعني جملة أفعالنا التي لا تخضع للقهر سواء خارجيا أو داخليا... فأما القهر الخارجي فيتمكن المجتمع من تجاوزه من خلال تعاونه على ضمان الحدود الدنيا من الحياة الكريمة، حتى لا توجد سلطة تتحكم بالناس... أما القهر الداخلي فذلك متروك للفرد ليبحث داخل نفسه. فالمجتمع العادل لا تسعى الجماعة فيه للسيطرة على الفرد، و لا يتغول الفرد على الجماعة، فالمجتمع هو مجتمع حر...
أما المصطلح الثاني الذي وقع التلاعب به، و أصبح ركيزة لهذا الدين ألخلاصي، فهي الملكية، و التي أصبحت في هذا الدين مجرد مراكمة، راكم ملكيتك و على قدر ملكيتك تكون قيمتك، مراكمة أموال في البنوك، مراكمة عقارات.... هذا السباق لمراكمة الملكية، جنون آخر لا أخلاقي، لا عقلاني.... نهش يشارك الخوف فيه، خوف من المستقبل، خوف من أن لا تملك شيئا يسندك حال سقوطك مريضا، مفلسا، عاطلا/معطلا عن العمل....

كلنا نتفق على كون الملكية الخاصة للفرد أو لجماعة ما، ركيزة أساسية لاستقلاليتها و لكينونتها، كما أنها حماية للفرد و الجماعة و ضمان لحريتها... لكن علينا عدم فهم الملكية بطريقة مطلقة و كأنها لا تخضع لقيد، و لأكون مباشرا هنا و صريحا، علينا التمييز بين نوعين من الملكية، الأولى هي الملكية الوظيفية، أما الثانية فهي الملكية الفائضة.

الإنسان في كينونته بحاجة للملكية الوظيفية، فهي التي تساعده على أداء دوره في الحياة في كنف الاحترام لغيره من الأفراد أو الجماعات، فالإنسان في حياته بحاجة لمنزل لا منزلان مثلا...

أما الملكية الفائضة فهي في الكثير منها سرقة، و اعتداء على الآخرين، أفرادا أو جماعات، فهي تنتج مجتمعا مقسوما إلى طبقتين واحدة فقيرة لا تملك ما يحقق كينونتها فتدفع لبيع نفسها لطبقة فاحشة الثراء تمتلك من الثروة ما تشتري به الفقراء... إن هذا المجتمع التملكى تنتشر به العبودية سرا و علانية، أشهرها اليوم الدعارة التي أصبحت تعامل بطريقة عادية، و أغلب من يتوجه إليها هم من الباحثين عن الثراء السريع، و الهاربين من الفقر... كذلك تنتشر الأمراض الاجتماعية من فقر، إجرام، حقد... مجتمع مفتت، متناحر...
ربما هناك من يعترض على رأيي بالملكية، لكني أود الإشارة في الختام كونه ما من مذهب أو ثائر أراد إصلاح المجتمعات البشرية نحو الإنسانية، إلا و راجع الملكية خصوصا و وضع عليها قيود أخلاقية، سواء كان ثائرا سماوي أو أرضي، و حتى الرأسمالية راجعت الملكية و لم تعترف بإطلاقها و إن كان بطريقة مموهة وما الحملات الاستعمارية إلا خير دليل على هاته المراجعة، و الاعتداء على الجماعات... نهاية أشير أن هناك خطرا آخر يهدد العدالة و هو اختزالها في تطبيق القانون، دون النظر في مدى عدالة القانون...