بيض الغربان

ساطع هاشم
2019 / 10 / 15

انتهت مؤقتا ثورة الشباب العراقي الاعزل، انتهت الى حين، انتهت بأكثر من مئتين شهيد لم يمتلكوا في حياتهم القصيرة سوى الجلد والعظام، والارقام في ازدياد بسبب الإصابات الخطيرة للمئات منهم، وقرابة الخمسة الاف جريح والاف السجناء، وتم اخماد ثورة الشبيبة العاطلة والفقيرة بالسلاح الفتاك والقمع الوحشي المنظم وتبليد الادمغة، وبدا فصل اخر من فصول الظلم واراقة الدماء
كان قدماء اليونان يعتقدون بأن طلاء شعر رأس العجائز ببيض الغربان سيعيد لهم سواده ونضارته، ولكن ماذا عن هؤلاء المجرمين رجال الدين عندنا؟ من سيسلمهم الى الغربان لتلتهمهم قبل ان تطلى رؤوسهم واجسادهم العفنة ببيض الغربان وتعاد جريمتهم من جديد، فأفضل اللبس لهؤلاء السفاحين فيما أعلمُ الاكفان البيضاء، وأحسن المساكن لهم قبورا يُطمَرون بها الى الابدِ
فهل كان ينبغي ان يَقتلون هذا العدد من الطاقات الشابة الخلاقة الواعدة؟
هل كان لزاما على الفقراء دفع هذا الثمن الغالي؟ وهل كان يمكن تجنب ما حدث؟
هل مازال هناك من يبحث عن السلام، او الهدوء؟ وماذا سيفعلون بالوجوه الباكية؟
المبادئ والأفكار العلمية التي يسترشد بها التقدميون حول العالم تقول، لا يجب دعم أحزاب او حكومات دينية رجعية، لان رجال الدين بالعالم مع بقائهم رجال دين لا يستطيعون التخلي عن أهدافهم الرجعية الهدامة هذه تجارتهم أينما وجدوا.
والإسلاميون عندنا ورجال الدين عموماً ليسوا استثناءاً من هذا المبدأ الدولي، ثم انهم في بلادنا لا يحددون اهدافهم هم وحدهم فقط وإنما يحددها لهم اسيادهم الأجانب من كل جانب، إيرانيين خمينيين، وهابيين، خليجيين، اتراك وغيرهم.

ولكن للأسف فقد استسلم الكثير من العلمانيين والتقدميين كما هو واضح، لموجة المد الديني التي اجتاحت العراق بعد التاسع من نيسان وانهيار دولة البعثيين، ولم يتمكنوا من التغلب عليها ومقاومتها او على الأقل التحصن ضدها، وهم بسبب من هذا الاستسلام والرضوخ للرجعية الدينية السافرة، بدو وكأنهم يتفرجون على هذه المهازل دون ان يكون لهم أي دور في الوقوف ضدها وفضحها.
فقد لاذ الكثيرون بالصمت عن إيضاح حقيقة هذه الأحزاب الدينية وأيديولوجيتها الرجعية وجرائمها وبرلمانها التافه للشعب، الذين يستعملون الديمقراطية كلافتة جميلة تستر فسادهم واستعبادهم للشعب المنكوب، وعلى مدى سنوات طويلة وبسبب من انهيار الصناعة وتعطل الإنتاج وتوقف التنمية ونقص العمال عددياً وعدم كفاية وعيها وتنظيمها وقيادتها للعمل السياسي، فقد تخدرت الجماهير وهمدت همتها لمواجهة المد الديني والإيمان الأعمى برجال الدين ألد أعداء السلام والحرية، فهذا ما اتصفت به الجماهير العراقية حتى الأول من تشرين.
وقد وجد الإسلاميون وعموم رجال الدين في هذا الضعف موطئ قدم لهم داخل المنظمات المدنية والتقدمية، وهذا معروف منذ زمن طويل، وخطرهم واضح الان للمبصر والبصير ولا أمل بإزالته قريباً، وهذا يطرح على من له علاقة لا تطبيق نظريات بل تطبيق تدابير عملية ممكنة التحقيق لإزالة هذا الخطر
فلا بد من وجود أقلية منظمة تنظيماً جيداً ومتوحدة بفكر ومبادئ واهداف سياسية تقدمية بعيدة المدى بدل هذا التخبط والعشوائية والفوضى التي تتحكم بعمل قسماً منها، بسبب الانجرار وراء طبقة رجال الدين الفاسدة والمفسدة والتضحية بإلفكر وبالمد الثوري التقدمي القادم في سبيل إنجازات إصلاحية واهية غير ممكنة التحقيق

ويبدو انه قد حان الوقت الان للدفع الى الامام بانتفاضة جديدة ناجحة تعبيراً عن رغبة الجماهير بالانعتاق من رجس هذا النظام الفاسد، بسبب من تراجع إيمان الجماهير الأعمى بالدعايات والإعلام التخديري لرجال الدين وأحزاب الإسلاميين وهراطقتهم.
فهل سيتعزز في الجمهور الوعي والشجاعة والبطولة بما يكفي لمقاومة النظام القائم وطبقته رجال الدين الفاسدة؟ فكل ذلك لايتم بدون فكر ديمقراطي واستمرارية بالنضال وحماسة ثورية حقيقية ويبدو انها في نمو واتساع لدى الشبيبة الصاعدة وفي ظل الوضع القائم.
ولابد الان من تفهم وإفهام وتثقيف منهجي واضح يروَّج له من قبل التقدميين لايضاح الفرق الطبقي والأيديولوجي بين الفقراء وأعدائهم هؤلاء في الأدب السياسي المنشور، والأمل في ان ينعكس شيئاً ما من هذا الجهد عملياً في النضال والممارسة التطبيقية السياسية اليومية للثوار الجدد.

انتهت انتفاضة الأول من تشرين لسنة 2019 بهزيمة مؤقتة جارحة، موجعة، تعلَّم خلالها المحرومين الفقراء درسا جديدا سيساعدهم على النجاح في الجولة القادمة، ليس مهما متى ولا اين، يقينا انها قادمة في سبيل هزيمة الفقر والحرمان والقتل والاذلال الوحشي، جولة قادمة ضد اللصوص القتلة المتدينين وامتهان كرامة الانسان، جولة نضالية جديدة ستبدأ بروح وبعقل جديد، وبأس اشد، لإنهاء حكم الروزخونية رجال الدين الانذال.
أنا بانتظار مجدكم القادم دائما وابداً