تونس:بعض الاستنتاجات حتى نفهم لماذا صوتت الأغلبية بتلك النسب المرتفعة الكاسحة لقيس سعيد

بشير الحامدي
2019 / 10 / 14

انتخاب قيس سعيد وبتلك النسبة المرتفعة الكاسحة أثبت:
ـ 1 ـ سقوط مقولات ترددت كثيرا وراجت من قبيل "شعب جاهل" "شعب بهيم" "شعب يصوت ضد نفسه" كما أثبت سقوط زاعميها من اليسار الذي استبدل أطروحة الثورة بالدفاع عن الدولة المدنية والدستور والبحث له عن مكان لتقاسم النفوذ مع بقايا البورقيبية حاملة لواء هذه الأطروحات التي مثل 17 ديسمبر بدء سيرورة تفككها واندثارها ولكنه أثبت في نفس الوقت وهذا أخطر ما هناك أطروحة استجلبها ما سمي بمسار الانتقال الديمقراطي وهي أطروحة أن التغيير لصالح الأغلبية ممكن بالصناديق والانتخابات والتداول على السلطة.
ـ 2 ـ الكتلة الجماهيرية التي انتخبت قيس سعيد لرئاسة الجمهورية كتلة تذكرنا كثيرا بالكتلة التي أنتجها 17 ديسمبر وعرفت أكبر تعبئة لها يوم 14 جانفي 2011 وهي هي نفسها تلك التي توحدت على مهمة واحدة اختزلها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ولكنها هذه المرة قضمت هذا الشعار وحولته لـ "الشعب يريد" والذي يعني الشعب يريد انتخاب قيس سعيد ولن ينتخب غيره والفرق شاسع بين الشعارين فقد تحولت المهمة إلى مهمة انتخابية بينما كانت في 17 ديسمبر2010 و14 جانفي 2011 مهمة جذرية لاسقاط النظام وهذا يؤكد استنتاجنا الأول المتعلق بخطورة أطروحة التغيير عبر الصناديق التي استجلبها الانقلاب على 17 ديسمبر.
ـ 3 ـ الكتلة الجماهيرية التي توحدت على شعار "الشعب يريد" هي الكتلة التي تضررت أكثر من غيرها من سياسات الانتقال الديمقراطي وتناقضها مع النظام الذي ورث الدولة والسلطة والثروة عن نظام بن علي ليس حول طبيعة الدولة ولا حول الهوية ولا حول الدين والسياسة ولا حول الانتقال الديمقراطي كانقلاب على مسار 17 ديسمبر بل حول تواصل سياسات التفقير وعدم قدرة هذه الكتلة الجماهيرية على مواصلة العيش في ظل الحيف الطبقي القائم إنه بتعبير آخر التناقض الذي يعني رفض الطبقة الوسطى وجموع المفقرين والمعطلين لمواصلة العيش في ظل المنظومة السائدة وصرختهم في وجه المتسببين في تدهور أوضاعهم التي أصبحت في الحضيض.
ـ 4 ـ مثل هذه الجموع لا تبحث عن أكثر ممن يعيد إليها الأمل في حياة أفضل إنها الكتلة التي يفزعها انحدارها في السلم الطبقي أكثر من أي شيء آخر. إنها تلك الكتلة التي يمكن تعبئتها وتجنيدها وتحشيدها حتى بالأوهام فهي في الأخير تبحث عمن يخلصها من أوضاع البؤس الذي تردت فيه وليكن من يكون لأنها في الأخير لا تبحث سوى عن مصلحتها ولا يعنيها كثيرا من يحقق لها هذه المصلحة.
ـ 5 ـ الكتلة التي انتخبت قيس سعيد لم تضع في اعتبارها سوى أمر واحد وهو أنها أمام إمكانية حقيقية للحسم مع منظومة حكم الانقلاب ورموزها لا يجب أن تفلت منها ولم يكن يعنيها كثيرا طبيعة مشروع قيس سعيد ولا الآليات التي يطرحها لتحقيقه ولا محدودية مؤسسة الرئاسة في فرض أي تغيير بل كانت فقط تبحث عن إمكانية تغيير حتى وإن كانت غامضة هلامية ومحدودة لعلها تجلب معها إمكانية تحسين أوضاعها خصوصا والامكانية هذه تتزعمها وتطرحها شخصية نظيفة وقريبة منهم وليست متحزبة ولا شبهة فساد حولها.
ـ 6 ـ مثل هذه الميول السياسية لدى الطبقة الوسطى وعموم الأغلبية في تونس لم نشهدها سابقا لا أثناء حكم بورقيبة ولا أثناء حكم بن علي ولا أثناء السنوات الأولى من مسار الانتقال الديمقراطي. فالدولة البورقيبية يمكن القول أن أحد أهم أسس سيطرتها كانت الامتيازات التي منحتها لهذه الطبقة فقد مكنتها الدولة البورقيبية من التعليم ومن الصحة ومن ترق اجتماعي كان ضروريا لإنجاح المشروع البورقيبي وعلى نسبية هذه الامتيازات مقارنة بما تمتعت به الطبقة البرجوازية فقد مثلت درعا واقيا للدولة البورقيبية من الهزات الطبقية العنيفة والتي لم نشهدها إلا بعد عشريتين من حكم بورقيبة حين لم يعد ممكنا تفادي احتدا التناقضات بين الأغلبية والطبقة البرجوازية التي لم يعد بمستطاعها منح المزيد من هذه الامتيازات. أما أثناء حكم بن علي فقد ازدادت التناقضات بن الأغلبية وعلى رأسها الطبقة الوسطى والبرجوازية المهيمنة احتداد ولئن حاول نظامه طمس هذه التناقضات وتأخير انفجارها بالقمع حينا وبمنح الفتات حينا آخر (صندوق 26/26 الزيادات الاتفاقيات في الزيادة في الأجور الترفيع الهزيل في الأجر الأدنى ...إلخ) إلا أنها انفجرت أولا في شكل معارك جزئية ومناطقية سنة 2017 (انتفاضة المناجم خصوصا) لتتحول لانتفاضة وثورة عارمة في 17 ديسمبر 2010 وتتوج بإسقاطه وتفجير منظومة حكمه. وعلى نفس أسلوب بن علي واصلت القوى السياسية التي حكمت باسم الانتقال الديمقراطي نفس سياساته فالطبقة الوسطى والأغلبية عموما والتي ثارت من أجل تغيير النظام تجد نفسها وبعد سنوات في أوضاع أشد بؤسا من الأوضاع التي كانت عليها أثناء حكم الديكتاتور ومدفوعة في صراع هووي ثقافوي حقوقي حزبي لم تغنم منه شيئا فتتهاوى كل آمالها في أوضاع أفضل وهو ما ولدّ داخل صفوفها وعيا بضرورة الحسم في كل هذا الفوق الفاسد عبر الانخراط في الممكن المتاح (الانتخابات الرئاسية) ولو كان هذا الممكن مشروعا بمثل هلامية مشروع قيس سعيد وتناقضاته وانعدام آليات تنفيذه.
إننا لأول مرة بعد 17 ديسمبر نشهد توحد القاع الطبقي على هدف ممكن التحقيق بغض النظر عن جزئيته تحت زعامة الطبقة الوسطى وبما يلائم طبيعة ورؤية هذه الطبقة للتغيير ولتحقيق مطالبها.
ـ 7 ـ هذا التغير في وعي الأغلبية وعلى رأسها الطبقة الوسطى لم يكن ممكنا لليسار أو لأحزاب التي تقول عن نفسها أنها أحزاب الوسط الاجتماعي التي ليست في الحكم أن تستثمره فانخراطها في صراعات الفوق الفاسد أعماها عنها ذلك إضافة إلى أنه كان ينظر إليها وبصفة إجمالية على أنها قوى لا تختلف عن المنظومة الحاكمة بل هي جزء منها وموقعها كمعارضة برلمانية لا ينفي عنها ذلك بقدر ما يؤكده فهي وفي كل الأحوال قوى لا تطرح بدائل عن منظومة الحكم بل هي متماهية معها وتريد أن تحكم بنفس آلياتها الدستورية والقانونية و أقصى ما يمكن أن تكونه هي أن ترفع شعار الرعاية الاجتماعية الذي لم يعد يعني في ظل المديونية المرتفعة وفي ظل هيمنة المافيا الاقتصادية والسياسية سوى المواصلة على نفس نهج السياسات القائمة.
أكبر المتضررين من وعي الأغلبية هذا كان اليسار اللبرالي الذي انتهى إلى ما انتهت إليه الأحزاب التي تقول عن نفسها أنها حامية الدولة البورقيبية والنمط المجتمعي الحداثي ووو.
ـ 8 ـ الكتلة التي انتخبت قيس سعيد هي تعبيرة القاع الاجتماعي الذي ظل طيلة سنوات الانقلاب على 17ديسمبر مجردا من كل إمكانية لفرض رؤيته للتغيير الاجتماعي والتحول إلى قوة سياسية مستقلة عن قوى الانتقال الديمقراطي قوة على الأرض لها مشروعها البديل وتقاوم بشكل منظم لفرضه قوة تبارت كل قوى الانتقال الديمقراطي على تفكيكها وإلحاقها بتنظيماتها الحزبية والجمعياتية ولئن نجحت هذه القوى في عملية التفتيت نجاحا نسبيا وهو ما تعكسه إلا حدّ ما نتائج الانتخابات التشريعية إلا أن هذا التفتيت والنجاح ليس إلا وضعا مؤقتا فحالما تتوفر شروط توحيد هذا القاع الاجتماعي سيعبر عن نفسه باستقلال هذه الجموع عن هيئات الضبط التقليدية الأحزاب والجمعيات وعن برامجها وسياساتها والذهاب بعيدا في المعركة ضد النظام.
ـ 9 ـ الكتلة التي انتخبت قيس سعيد هي الخزان الجماهيري الذي بقي بعد كل سنوات الانقلاب يحمل مشروع التغيير وتفكيك منظومة الحكم التي بنت شرعيتها على الانقلاب على 17 ديسمبر ولكنه خزان بتناقضات كثيرة متعلقة بتصورات الكتل والفئات التي تشكل هذا الخزان حول بطبيعة التغيير المنشود وحول استراتيجيات مقاومة منظومة الانتقال الديمقراطي.
كذلك لا يجب أن نغفل على ما يشق هذا الخزان من اختلافات حزبية وتناقضات أيديولوجية يمكن أن تمثل عائقا في مقاومة إمكانية توحد هذا الخزان مستقبلا على مشروع جذري مقاوم ولكن وفي كل الحالات يمكن القول أن النواة الأولى لهكذا مشروع أمامها ما يكفي من الوقت لصهر هذه القوة الطبقية أو جزء كبير منها في مشروع جذري مشترك جامع للمقامة يتأسس على الاستقلال التنظيمي والسياسي عن السيستام وقواه من أجل فرض سيادتها على قرارها وسيادتها على الثروات والموارد ووسائل الإنتاج.