هل من يقاوم السلطان يقاوم الله : رداً على الأب مكارى يونان .

منسى موريس
2019 / 10 / 13

شاهدت مثل الكثير تصريح الأب الشهير " مكارى يونان " بخصوص تأييده لنظام الحكم فى مصر وكان تعليله فى ذلك لايرجع لأسباب سياسية أو وجهة نظر شخصية بل لأسباب لاهوتية بحتة , ويرى الأب " مكارى يونان " أن الذى يجعله مؤيد للنظام السياسى فى مصر هو " الله " فالله حسب فكر هذا " الأب " هو الذى يُعين الرؤساء والحُكام والسلاطين وليس" الإنتخابات " وعلى المؤمنين طاعة الله من خلال طاعة " النظام السياسى " ومن يخالف هذا النظام كأنه يقف ضد الإرادة الإلهية ومصيره على حد تعبير الأب " مكارى يونان " "جهنم "‍‍ (1)

وهذا التصريح كان له ردود أفعال مختلفة بين الناس فهناك من يرى أن كلامة صحيح من الناحية اللاهوتية وهناك من يرى أن هذا الأب مضغوط عليه كى يقول مثل هذا الكلام وهناك من يقول هذا خلط بين الدين والسياسة , وهناك أيضاً من يقول أنه يجامل النظام السياسى وإختلفت الأقوال وتضاربت بخصوص هذا التصريح .
فى البداية يجب أن أوضح شىء هام جداً بخصوص هذا التصريح هذا التصريح لايُمثل رأي شخصى للأب " مكارى يونان " بل يُمثل وجهة نظر لاهوتية عند أغلبية رجال الدين بمختلف طوائفهم فهذا الإعتقاد الشائع أن" الأنظمة السياسية " فى كل العصور وليست فقط الأنظمة وليدة هذه اللحظة مرتبة من قبل الله فهذا شبه إعتقاد لاهوتى عند مُعظم الكنائس وكونى مسيحى فأنا أعرف هذا جيداً وإلا لماذا لم يعترض " البابا " على هذا التصريح؟ أو باقى الطوائف المسيحية؟؟ لوكان هذا التصريح يُخالف وجهة نظرهم اللاهوتية ؟ والإجابة لأنهم ببساطة مؤمنين بهذا الإعتقاد أيضأً.

والهدف من هذا المقال " ليس سياسى ولاتحريض على أى ثورات بل لاهوتى ومحاولة لفك الترابط بين اللاهوت والسياسة ولو علمى بخطورة هذا الموضوع وإدراكى له وكيف يعمل هذا الفكر على تشويه صورة الله ويكون سبباً قوياً فى إلحاد الكثير من الشباب ماكنت كتبت فيه "
والنقد هنا فى هذا المقال مبنى على قاعدتين الأولى نقد الدليل اللاهوتى المبنى عليه هذا الإعتقاد والثانية قاعدة عقلية .
ونبدأ بقاعدة نقد الدليل اللاهوتى المبنى عليه هذا الإعتقاد.
يعتمد المؤمنين بهذا الإعتقاد على النص الكتابى الموجود فى (رسالة بولس إلى أهل رومية الأصحاح 13) و إعتمد الأب " مكارى يونان " على هذا النص أيضاً.
(1- لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله
2حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة)
ويقولون أن ظاهر النص معناه أن كل حاكم ورئيس هو من الله ومن يقاومة يقاوم الله نفسه ومصيره " جهنم "
النقد الأول : قصة " موسى " تكشف لنا زيف هذا المنطق فموسى حرر " شعب إسرائيل" من قبضة فرعون " الذى كان يُمثل السُلطة الحاكمة و الذى إستعبد العبرانيين والله ساعد "موسى " فى عمليه التحرير بأمر منه فهل موسى يستحق دينونة لأنه قاوم فرعون لأن فرعون تم تعيينه من الله حسب فكر هؤلاء؟ أم يستحق تكريم لأنه أطاع الله وحرر العبرانيين من " فرعون " ؟ فهل الله أمر موسى بأن يقاوم فرعون؟ أم أن الله هو الذى عين فرعون؟ وموسى خالف وصايا وأوامر الله فى مقاومتة لفرعون ؟ طبعاً هذه إشكالية لن يستطيع أى شخص مؤمن بهذا الإعتقاد حلها على المؤمنين بهذا الإعتقاد الرد عليها والتى تكشف خطأ هذا الإعتقاد .

النقد الثانى : ولكن التأمل البسيط فى هذا النص يكشف شىء هام جداً وهو أن النص لايتحدث عن أشخاص بل عن " السلطان والترتيب " فالله خلق هذا الوجود من خلال القوانين والترتيب ولايمكن أن يسير هذا الوجود بشكل عشوائى ففى هذا النص يقول " بولس الرسول " يجب أن لا نقاوم الترتيب ولانكون عشوائيين بل يجب الخضوع للسُلطة لأن السُلطة هى التى تنظم الحياة فى المجتمع فبدون هذا الترتيب تحدث الدينونة التى هى عواقب الفوضى فالرسول " بولس " يتكلم عن " النظام " وضرورة أن نسير فى نظام لأن النظام هو قانون الله فى الخلق والوجود , والخضوع هنا المبنى على علاقة الحب والعدل وليس الخضوع فى الظلم والخراب وحتى لايقول قائل انى أُفسر النصوص من رأسى هذا تفسير أحد أهم الأباء الأوائل وهو " القديس يوحنا ذهبى الفم نقلاً عن موقع الأنبا تكلاهيمانوت(2)
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم فى هذا النص (هذه العبارة موضحًا إننا نلتزم بالخضوع للرؤساء والحكام، لأن هذا التدبير هو من الله، لا بمعنى كل ملك أو مسئول أقيم من عند الله، وإنما التدبير ذاته هو من الله، إذ يقول: [ماذا تقول؟ هل كل حاكم اختاره الله؟ نجيب: لست أقول هذا، فإنني لا أتحدث عن أفراد وإنما عن المركز نفسه، إذ يجب أن يوجد حكام ومحكومين، حتى لا تسير كل الأمور في ارتباك، فيصير الناس كالأمواج يتخبطون من هنا وهناك، هذا ما أقول عنه إنه حكمة الله. لذلك لم يقل: "لأنه ليس حاكم إلا من الله" وإنما يقول: "ليس سلطان إلا من الله". وذلك كما يقول الحكيم: "زواج الرجل بامرأة من عند الرب" (أم 19: 14 الترجمة السبعينية)، بمعنى أن الله أوجد الزواج لكن هذا لا يعني أنه هو الذي يأتي بكل رجل يتزوج بامرأة. فإننا نرى كثيرين يتزوّجون للشرّ تحت شريعة الزواج، هذا لا ننسبه لله.]
خلاصة قول القديس " ذهبى الفم " أن الله هو الذى جعل النظام والترتيب وعلينا الإتباع والخضوع للنظام وهذا يدحض فكر الذين يؤمنون أن الله هو الذى يختار الحُكام والرؤساء فالنص والتفسير يجعل من النظام والترتيب هما الهدف فى ذاته وليس الأشخاص.

النقد الثالث : ماذا يفعلون المؤمنين بهذا الإعتقاد فى النص الكتابى الذى يقول :
(سفر أعمال الرسل 5: 29) فأجاب بطرس والرسل وقالوا: «ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس )
هنا يقول الوحى أن الله ينبغى أن يُطاع أكثر من الناس ومن أى سُلطة فماذا لو كان النظام السياسى يفرض قوانين تخالف المبادىء المسيحية هل أيها الأب العزيز " مكارى يونان " ستُطيع القوانين التى تخالف المسيحية ؟ أم ستُطيع الله أكثر من الناس ؟ وأحب أن أُذكرك أن التلاميذ وقفوا أمام حُكام وسلاطين فى سبيل إيمانهم بالمبادىء المسيحية
وكما قال القديس " جيروم " ( إن كانت أوامر الإمبراطور أو القائد صالحة فلتتبّع إرادة من أصدر الأمر. وإن كانت شرّيرة ضد اللَّه، فأجب عليها بكلمات أعمال الرسل: "ينبغي أن يُطاع اللَّه أكثر من الناس (3)

ثانياً : " القاعدة العقلية فى النقد "
اولأ : أود أن أطرح بعض الأسئلة على الأب " مكارى يونان " وغيره من المؤمنين بهذا الإعتقاد .
(1) هذا التصور ينفى حرية الإرادة الإنسانية : إذا كان كل نظام سياسى مُعين ومرتب من قبل الله فأين الحرية الإنسانية والسياسية للإنسان؟ هل الله خلقنا مُجبرين ؟ وما فائدة الإنتخابات؟ ولماذا توجد العلوم السياسية ولماذا ندرسها ؟ مادام الله يتحكم بكل شىء؟ مع العلم أن النظام السياسى يُشكل مسار الأمم ومستقبل الشعوب أليس معنى هذا أن مسار الأمم والحضارات يتحرك بشكل خارج عن إطار الحرية البشرية؟ فهل نحن كقطع الشطرنج فى يد الإله ؟ أليس هذا التصور يتعارض مع أبسط مبدأ فى المسيحية ألا وهو أن الإنسان حر فى إختياراتة و مخلوق على صورة الله؟ فهل صورة الله قطعة شطرنج؟

(2) هذا الإعتقاد يجعل من الإله مجرماً : سؤال آخر أطرحه على الأب " مكارى يونان " حسب تصورك هذا أيها الأب العزيز فإن كل من ( نيرون , هتلر , دقلديانوس كاليجولا , ستالين ,جنكيز خان , الإسكندر الأكبر ,.... وغيرهم) من السفاحين والمجرمين الذين قتلوا بالملايين هم مختارين ومُعينين من الله نفسه ؟ فهل الله هو من إختار هؤلاء لذبح وقتل الآلاف والملاين من البشر ؟ , أليس بهذا التصور أنت جعلت الله هو المسؤل الأول والأخير عن كل هذه الجرائم التى حدثت فى التاريخ البشرى ؟ فكيف يكون إلهك مُحب وهو من عين وأعطى السلطان لهؤلاء الطغاه ؟ وأى شخص حسب تصورك لو قاوم أحد من هؤلاء السفاحين سيكون مصيره " جهنم "؟ كم هو بائس الإنسان الذى عاش فى تلك الحقبة فبحسب تصورك أيها الأب العزيز هذا الإنسان البسيط الذى عاش فى عصر " نيرون " وكان مسيحى وقاوم النظام السياسى ووقف ضد جرائمة سيكون مصيره الجحيم إما القتل ؟؟!!!! ألا يعتبر هذا أنك نسبت إلى الله الشر ذاته؟وإذا إعتبرت أن هذا خير فأتمنى أن تُعرف لنا ما هو الشر؟ من الممكن أن يقول لى شخص الله عينهم لكن غير مسؤل عن جرائمهم؟ لكن بنفس المنطق تخيل "مدير مستشفى " إختار طبيب لكى يجرى عمليات " قلب " و يعرف أنه فاشل وسيقتل المرضى ؟ أليس يُحاسب على هذا ايضاً " مدير المستشفى "؟ ويُعتبر مشارك فى جرائمه؟
(3) نفى وجود المسؤلية : كما بينت أن وجود حرية الإرادة مجرد وهم حسب هذا الإعتقاد اللاهوتى وبالتالى ستسقط المسؤلية مباشرةً عن كل جرائم الضغاه والسفاحين على مر العصور لأن الله هو الذى إختارهم وعينهم فالنتيجة النهائية تخيلوا حسب هذا الفكر الكارثى أن الله لايحاسب هؤلاء المجرمين لأنهم مختارين لكن يحاسب أى شخص يقف ضد الجرائم ويلقيه فى جهنم ؟؟؟
(4) حسب هذا الفكر كل الفلاسفة والمصحلين الذين واجهوا الظلم فى الحضارات الإنسانية وغيروا وجه الحضارات للأفضل هم فى جهنم لأنهم قاوموا الله؟ فهل الله ضد التقدم ويقف بجانب الجهل والتخلف؟ و كل بناة الحضارات أشرار مجرمين فيمكن أن نضع مارتن لوثر, فولتير , كالفن , ويكلف و غاندى .دوستويفسكى .... وغيرهم من المُصلحين الذين غيروا قوانين وأنظمة ؟ على قائمة هؤلاء المغضوب عليهم المقاومين لله ؟ هل هذا منطق مقبول حتى إنسانياً؟!!

(5) مفهوم المقاومة : لعل أهم نقطة أسست لهذا الفكر وهذا الإعتقاد مفهوم المقاومة فالمؤمنين بهذا الإعتقاد يربطون بين المقاومة وبين الشر فالمقاومة تحولت عندهم إلى " شر " وتناسوا أن الكتاب المقدس أسس لمفهوم جديد للمقاومة فالمقاومة فى المسيحية ليست تخريب وإنما مقاومة " الشر بالخير " وكما جاء فى الكتاب المقدس
(رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 21) لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير)
فلا توجد غلبة بدون مقاومة والمقاومة تكون بالخير والبناء والنقد وليس بالقتل والتخريب والدمار فماذا يفعل هؤلاء فى هذا المبدأ الكتابى ؟
فى النهاية يجب أن لانستخدم آيات الكتاب المقدس فى غير موضعها ولانقحهما فى السياسة لأن الهدف من الكتاب المقدس ليس سياسى ولاعلمى ولاتاريخى ولا إقتصادى بل روحانى بحت , وكما قال الكتاب المقدس عن نفسه فى
(رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 3: 16) كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر)
فهدف كتابنا المقدس الكشف عن هوية الله وتكوين علاقة معة بهدف الوصول للكمال الأخلاقى فلايجب أن نستغله خارج هذا الإطار الذى حدده هو لنفسه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر هذا المقال
BBC التصريح نقلأعن قناة : (1)

https://www.youtube.com/watch?v=xo2y6_w6O6A

(2) تفسير القديس " يوحنا ذهبى الفم "
https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/06-Resalet-Romya/Tafseer-Resalat-Romia__01-Chapter-13.html
(3) مقولة القديس " جيروم "
https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/05-Sefr-A3mal-El-Rosol/Tafseer-Sefr-Aamal-Al-Rosul__01-Chapter-05.html#29