إفتح صندوقك يغمرك النور

محمد السعدنى
2019 / 10 / 13

"لأكثر من ثلاثين عاماً اعتاد متسول أن يجلس على جانب الطريق، وفى أحد الأيام كان رجل غريب يتمشى بالقرب منه، تمتم المتسول وهو يمد قبعته: هلا أعطيتنى بعض النقود؟ قال الغريب: لا أملك شيثئاً أعطيك إياه، وبادره متسائلاً: ماهذا الذى تجلس عليه؟ رد المتسول: لا شئ إنه صندوق قديم أجلس عليه منذ زمن طويل. سأل الغريب: هل نظرت يوماً مابداخله؟ فأجاب: لا، ماذا تقصد من ذلك؟ لايوجد شئ بداخله. لكن الغريب ألح عليه أن يلقى نظرة. فتح المتسول الغطاء، وفى دهشة وتعجب لم يصدق ما رآه، لقد كان الصندوق مملوءاً بالذهب".
هذا ما كتبه "إيكهارت تول" فى الفصل الأول من كتابه الشهير "قوة الآن The Power of Now"، ثم أكمل يقول: أنا هو ذلك الغريب الذى لايملك شيئاً يعطيك إياه والذى يقول لك أنظر ما بالداخل، ليس داخل الصندوق الذى ذكرته لك فى القصة الرمزية أعلاه، لكن فى مكان أقرب إليك بكثير، أنظر داخل ذاتك فهى صندوقك الذى قد يكون مملوءاً بالذهب. ستقول ولكنى لست متسولاً، أعلم ذلك، لكنك مثل كثيرين من أولئك الفقراء الذين لم يجدوا غناهم الحقيقى الذى هو الفرح المشع للوجود وللحياة والسكينة الثابة التى تأتى معه من الأعماق، أنهم فقراء حتى لو ملكوا الثراء المادى العظيم، لأنهم راحوا ينشدون فتات المتعة والإشباع والأمان والحب وتحقيق الذات فى كل مكان أنا كانوا، بينما هم يحملون بدواخلهم التى لم ينظروا إليها كنزهم العظيم الذى يعطيهم كل هذا ومالانهاية له وأكثر مما يتصورون. إنتهى الاقتباس والترجمة بتصرف.
هذا الكتاب نشر بالإنجليزية العام 1997 للمحاضر والكاتب الكندى الموطن الألمانى المولد "إيكهارت تول" الذى واجهته أزمته الخاصة فى البحث عن الذات وتعقدت حياته حتى فكر فى التخلص من عبئ وجوده، وراح يبحث عن الخلاص فى اليوجا وفلسفة "الزن" التى تعنى التأمل والتفكير والوعى بالذات، وهى فلسفة استحالت كما ديانة فى الصين والهند واليابان وكوريا، وانتقلت منها كصرعة روحية فى محاولة لتجديد "اليوجا" كما عرفها الحكيم الهندى "بوذا" فى عمق التفكر والتجرد والزهد. والزن تأخذ فى أدائها من بوذا جلسته الشهيرة، فعن طريق هذه الوضعية توَصَل بوذا إلى حالة الاستنارة والحكمة. واهتدى صاحبنا فى رحلته إلى مفاهيم التنوير الذاتى والروحى التى راح يحاضر عنها ويكتب هذا الكتاب "قوة الآن" وآخر بعنوان "أرض جديدة".
ذكرنى بالكتاب صديقى الدكتور عاصم ضيف أستاذ وعالم الرياضيات الشهير ابن الدكتور شوقى ضيف رحمه الله الكاتب والأستاذ والأديب ورئيس مجمع اللغة العربية الأسبق. كان عاصم مأخوذاً بشخصية الممثلة التونسية "هند صبرى" التى تبدت فى حلقة تليفزيونية غزيرة الثقافة واعية نابهة، وفى رد عن سؤال أشارت إلى كتاب إيكهارت تول، وكتاب آخر مما قرأته حديثاً. أرسل د. عصام لى "واتس آب" عن دهشته وإعجابه بالممثلة المثقفة وذكرنى بالكتاب الذى استعرضنا قطوفاً منه معك اليوم ونكمل فى مقال آخر عنه بإذن الله. ودون أن أدرى رحت أعقد مقارنات تلقائية عن ممثلينا ومن يطلقون عليهم "فنانين" وبت ليلة حزينة، إذ طفر إلى ذهنى من هذه الفئة المباغتة لحياتنا الثقافية والفنية والإجتماعية نماذج تدعو للحسرة والألم.
فإلى جانب صندوق صاحبنا، فتح د. عاصم ضيف علىّ صندوقاً آخر من الشجن على ما آلت إليه حياتنا وما نكبنا فيه من أعمال وأشخاص وصروف وأحوال، لكأنه دون أن يدرى فتح صندوق "باندورا" حيث كل شرور العالم إلا واحدة. ولمن لايعرف فباندورا هى تلك الجميلة فى الأسطورة الإغريقية التى أمر "زيوس" كبير الآلهة بإرسالها للأرض وحملها بكثير من الهدايا ومنها جرة أمرها ألا تفتحها إلا بإذنه. لكن فضولها أخذها لفتح الجرة أو الصندوق، لتخرج منه كل الشرور التى عرفتها البشرية، ولما تداركت الأمر لبشاعة ما رأت وأغلقت الصندوق لم يبق فيه، إلا خصلة واحدة هى فقدان الأمل. فبالأمل افتح صندوقك الملئ بالذهب والغنى ليغمرك النور، وأغلق ما عداه من شرور.