هل يُمكن لحزب إسلامي أن يُصبح دِيمُوقْرَاطِيًا أو ثوريًّا؟

عبد الرحمان النوضة
2019 / 10 / 13

لِتَلَافي سوء التفاهم، أذكّر أنني لَا أتكلّم عن الأحزاب الإسلامية الأصولية بشكل مطلق، أي دون تحديد مكانها وزمانها. وإنما أتحدّثُ عنها كما هي في واقع اليوم، في المرحلة التاريخية الحالية. حيث من المُحتمل، في المُستـقبل، أن تضطرّ بعض الأحزاب الإسلامية إلى التَخَلِّي عن الجزء الأكثر تَخَلُّفًا من «أصوليتها». كما يمكنها أن تلجأ إلى «تحديث» بعض اختياراتها السياسية لِإِضْفَاء طِلَاء «تَـقَدُّمِيّ»، أو «دِيمُوقْرَاطِي» على بعض توجهاتها الرِّجعية.
ولِتَبْرِير «تَقَارُبِهم» من "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي، يقول بعض أعضاء "حزب النهج" كلامًا يعني: أن "حزب العدل والإحسان" «يُعارض» النظام السياسي المَخْزَنِي القائم بالمغرب، وأنه «مُناضل»، و«جَذْرِي»، و«دِيمُوقْرَاطِي»، وأنه «مُضَاد لِلنْيُولِيبِيرَالِيَة» (néolibéralisme)، وأنه «لَا يُعَادِي قوى اليسار»، وإنه يبحث عن «تَوَافُـق» مع قوى اليسار، وأن مُشاركته في النضالات الجماهيرية وَازِنَة وفَعَّالَة، وأنه يمكن أن نعتمد عليه أكثر من أحزاب اليسار الثلاثة، إلى آخره. وبعدما نُفْصِحُ عن هذا الوَصْف "لِحزب العدل والإحسان"، يحتجّ بعض أعضاء "حزب النهج"، وَيَنْـفُون أن يكونوا قد قالوا ذلك الوَصْف. فهم يَقُولُونَه، ولَا يَقُولُونَه. فنطلب منهم أن يتجاوزوا العُمُومِيَّات الغامضة، وأن يُوَضِّحُوا نهائيًّا كيف يُصَنِّـفُون "حزب العدل والإحسان"؟ هل هو «تقدّمي» أم «رجعي»؟ هل هو «ثوري» أم «محافظ»؟ هل هو «يساري» أم «يَمِينِي»؟ هل هو «اشتراكي» أم «رأسمالي»؟ ومن هي الأحزاب الأقرب إلى "حزب النهج"، هل هي أحزاب اليسار الثلاثة، أم "حزب العدل والإحسان"؟ ننتظر أجوبة واضحة.
ومَا زَال يظهر "حزب العدل والإحسان"، في خطاب بعض أعضاء "حزب النهج"، كأنه حزب «مُناضل»، و«جَذْري»، و«دِيمُوقْرَاطِي»، و«ثوري»، و«يساري»! فيُطْرَحُ بالضّرورة التَسَاؤُل النظري التالي: هل يمكن حقًّا لِحزب إسلامي أصولي أن يتحوّل إلى حزب تَـقَدُّمِي، أو ديموقراطي، أو ثوري، أو يساري؟ يظهر من خلال وَصْف بعض أعضاء "حزب النهج" لِـ "حزب العدل والإحسان" أن الجواب هو بالإيجاب! فَيَتَوَجَّبُ إذن نـقد بعض التصوّرات الخاطئة.
على خلاف مِدَالِيَة (médaille) «النضالية»، و«الرَّادِيكَالِيَة»، و«الديموقراطية»، و«الثورية»، التي يَغْدِقُ بها بِسُهولة بعض أعضاء "حزب النهج" على "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي، فإن هذا الحزب يُمَارس على العُموم «الانتظارية» (attentisme). ولا يشارك "جزب العدل والإحسان" في الحركات النضالية الجماهيرية المفتوحة إلّا نادرًا. والاعتبارات التي تجعله يُشارك، أو لا يُشارك، في نضالات جماهيرية مُحدّدة، لَا تَنْبَنِي على أساس مبادئ واضحة، وثابتة، وإنما تبقى اعتبارات غَامضة، أو مجهولة، أو سِرِّيَة. والتبريرات التي يُبرّر بها هذا الحزب مُشاركته، أو عدم مشاركته في النضالات الجماهيرية، تكون في مُعظمها غير مُقْنِعَة، أو غير عَقْلَانِيَة. وتَبْـقَى علاقات "حزب العدل والإحسان" بِـالنظام السياسي القائم خَاضِعَة لِحْسَابَات مُعقّدة، وسِرِّيَة، وخاصّة به. فهو يرفض أحيانًا أن يظهر "مُعَارِضًا" للنظام السياسي القائم؛ وفي فترات أخرى، يُريد إِظْهَارَ «مُعارضته» للنظام السياسي، لكنه يحرص في نفس الوقت على أن لَا تظهر هذه «المعارضة» قوية، أو صِدَامية، أو شَاملة، أو جذرية، أو مباشرة. ونظرًا لهذه التعقيدات، سيكون من غير المعقول التَعْوِيل على "حزب العدل والإحسان" في ظروف تاريخية مُستـقبلية استثنائية، أو حَرِجَة.
ومن بين صُعوبات العمل السياسي، أننا نجهل عُمومًا النَوَايَا الدَّفِينَة للأشخاص والجماعات. ولا نـقدر على التَنَبُّؤ بِتَصَرُّفاتهم في المُستـقبل. وكم من مرّة نَـتِـقُ في خِطَابات أو نَوَايَا أشخاص، أو جماعات، أو أحزاب؛ ومن بعد، حينما تُدَاهِمُنَا تجارب تاريخية قَاسِيَة، نَكْتَشِفُ باستغراب أنهم خَانُوا بسهولة المبادئ التي سبق لهم أن اِلْتَزَمُوا بها. فَنَـنْدِمُ على سَذَاجَتِنَا، أو على سوء قِراءتنا للواقع الملموس.
وكتب عبد الله الحريف: «الرفيق النوضة يحكم حكما نهائيا على القوى [الإسلامية] الأصولية، ويعتبر أنها غير قابلة للتغيير، وذلك انطلاقا من فكرها». وأنا لم أقل ما معناه أن القوى الإسلامية «غير قابلة للتغيير». على عكس ذلك، أعتبرُ أن كل شيء في الوجود يتغيّر باستمرار. وأرجو أن لا يُقَوِّلَنِي أحدٌ ما لم أقله، لِتَسْهِيل الاستخفاف بالانتـقادات التي أُقَدِّمُهَا. وأطلب من عبد الله الحريف، ومن كلّ من يريد نَـقْدي، أن يستعمل مَقُولَاتِي حَرْفِيًّا، كما كَتَبْتُهَا في مقالي، وليس كما يُؤَوِّلُهَا هُوَ.
وأنا أتَّـفِق على إمكانية تطوّر القوى الإسلامية الأصولية في المستقبل. لكن خلافي مع الحريف، هو أنه يَـفْتَرِضُ أن تطوّر "حزب العدل والإحسان"، في الاِتِّجاه الإِيجَابِي، سيكون حتميًّا، أو آلـيًّـا. ويُـفَسِّر الحريفُ حَتْمِيَة هذا التطوّر بِقوله: «المشروع [الإسلامي] الأصولي لا يُلائم الواقع، لأنه مشروع نـُكوصي تَراجعي. ومصيره إما الاندثار أو التغيير لملائمة الواقع». بينما أعتبر شخصيًّا أن تطوّر القوى الإسلامية الأصولية، في الاتجاه الإيجابي، يبقى مشروطًا بخوض مُجمل قوى اليسار لِصِرَاع فِـكْـرِيّ جِرِّيء، وحَازِم، وَعَلَنِي، وعُمُومِي، وشَامِل، ومُعمّق، ومُتَوَاصِل، ضدّ مُجْمَل مُكَوِّنَات أَيْدِيُولُوجِيَة القوى الإسلامية الأصولية. وبدون هذا الصّراع الفكري الحَيَوِي، وبدون مشاركة الشعب في الضَّغْط على الإسلاميين، سيكون الاحتمال الأكبر في تطوّر الأحزاب الإسلامية الأصولية، ليس هو «اِنْدِثَارُهَا» (كما قال الحريف)، وإنما هو تَنَامِيها، وَانْغِرَاسُها في المُجتمع، وتطوّرها نحو «الوَهَّابِيَة»، أو «الطَالِبَانِيَة»، أو «الدَّاعِشِيَة»، أو ما شَابَهَ ذلك. وَسَتَسْتَمِرُّ، في هذه الحالة، القوى الإسلامية الأصولية في مُعَادَاة «الديموقراطية»، و«حقوق الإنسان»، و«حُرِّيَة العَقِيدَة»، كما سَتَسْتَمِرُّ في اسْتِـعْدَاء قِوى اليسار. وكُلما اِنْحَرفَ اليسار نحو مُهَادَنَة الفكر الإسلامي الأصولي، فإن هذا الانحراف سيكون بالضرورة على حساب طموحات اليسار التَـقَدُّمِيَة، أو الديموقراطية، أو الثورية، أو الاشتراكية. وعلى عكس ظنّ عبد الله الحريف، يُوجد الفكر الإسلامي الأصولي في البلدان المُسلمة منذ عِدَّة قُرُون، ولم يَزُلْ تِلْقَائِيًّا منها، رغم أن هذا الفكر كَانَ، ومَا زَالَ، يتناقض مع الواقع الملموس. وحينما يَدْعُو الحريف قوى اليسار بالمغرب إلى «التَـقَارُب» مِن "حزب العدل والإحسان"، أو «التَعَاوُن» معه، أو «التَحَالف» معه، فإنه يُدْعُونَا ضِمْنِيًّا إلى مُهَادَنَة هذا الحزب، أو إلى التَعَاطُف معه، أو إلى تَجْمِيد النَّـقْد ضدّه. لأن كلّ «تحالف»، سواءً كان عَلَنِيًّا أم ضِمْنِيًّا، يُلْزِمُ بالضّرورة طَرَفَيْ هذا «التحالف» بالتَـعَـهُّـد بِـحَدٍّ أَدْنَى من التَعَهُّدَات؛ وأقلّ هذه التعهّدات، هو عَدَم نَـقْد «الحُلَفَاء». ولأن المُواطنين، بما فيهم اليساريّين، اعتادوا على الامتناع عن نَـقْد شُرَكَائِهِم، أو أَصْدقائهم، أو حُلفائهم. ولَا يُوَجِّهُون النَّـقْدَ سوى إلى أعدائهم. وإذا كان الحريف يظن عكس ذلك، فَلْيُـقَدِّم لنا لَوَائِح الوثائق النَّاقِدَة التي أنتجها "حزب النهج" ضِدَّ فِكْر "حزب العدل والإحسان" خلال كل السنوات التي «تَـقَارَبَ» أَثْنَاءَهَا مِنْ هذا الحزب الأصولي.
وعلى خلاف الوصف «الإِيجَابِي جِدًّا» الذي قدّمه لنا الحريفُ عن "حزب العدل والإحسان"، يجب أن نُسَجِّل في ذاكرة التاريخ، أن مُجمل القوى الإسلامية الأصولية (بما فيها "حزب العدل والإحسان") كانت قبل سنة 2011، لا تتصوّر من تَعَامُل ممكن مع القوى اليسارية، أو الثورية، أو الاشتراكية، أو الشيوعية، سِوَى مُحاربتها، وتَصْفِيَتَهَا، وقـتلها، واسْتِئْصَالِهَا من المُجتمع [مثلما كان يفعل "الإخوان المُسلمون" في مصر، و"الثورة الخُمَيْنِيَة" في إيران، و«طَالِبَان» في أَفْغَانِسْتَان، و«دَاعِشْ» في سُوريا، إلى آخره]. لكن بعد انْـفِضَاح الطَابَع الهَمَجِي لِـ «دَاعِشْ» في سُوريا والعراق، وبعد الانهزام العسكري الشامل لِمُجْمَل تنظيمات وشبكات «القَاعِدَة»، و«دَاعِشْ»، وشَبِيهَاتُهَا، على يَدِ إِئْـتِـلَاف دُوَلِي «مُضَادّ للإرهاب»، شمل دولًا غربية وعربية، بين سنتي 2011 و 2018، أُضْطُرَّت مُجمل القوى الإسلامية الأصولية المُتَبَـقِّيَة في البلدان المُسلمة إلى تَـغْـيِـيـر أساليبها في مجال مُحاربة القوى اليسارية. وهكذا بدأت تنتـقل من مناهج المُؤَامَرَات، والإرهاب، والاغتيالات، والتَـفْجِيرَات، إلى أساليب أخرى مَا زالت في طور التَبَلْوُر. وما دامت هذه القوى «إسلامية أصولية» مَحْضَة، فإن طُمُوحَهَا الدَّفِين إلى تَكْـفِير وتَصْـفِيَة اليساريين، سيبـقى قائمًا، وَلَوْ حَاول اِتِّخَاذ أشكال خَفِيَة، أو مُؤَجَّلَة، أو غير مُباشرة.
وفي ميدان محاولات إصلاح المُجتمع، أو تثويره، فإن أُطْرُوحَات، أو إِسْهَامَات، القوى الإسلامية الأصولية، لَا تكون في المرحلة الحالة «تَـقَدُّمِيَة»، أو «دِيموقراطية»، وإنما تَمِيل إلى أن تَـبْـقَى ذات طبيعة «يَمِينية»، أو حتّى «رِجْعية». [وفي هذا المجال، حدثت نُكْتَة مُسْتَمْلَحَة على "الفَايْسْبُوك" في شهر شتنبر 2019. إذ نَشر شخصٌ إِسْلَاميٌّ مُلْصَقًا على "الفايْسْبُوك" قال فيه: «باعتباري مُعَلِّمًا مُحترفًا، أطالبُ بالفصل بين الجِنْسَيْن، لِتَحْسِين جَوْدَة التعليم». ورَدَّ عليه يساريّ قائلًا: «تَطْبِيقًا لمبدأ الفصل بين الجِنسين، أطالب بالفصل بين الدِّين والدولة، لأن الدِّين مذكّر، والدولة مؤنّـثة»!]
لِنَتَسَاءَل الآن: هل يمكن القَبُول بِمشاركة "حزب إسلامي أصولي" في إطار «جبهة تقدّمية»، أو «جبهة دِيمُوقراطية»، أو «جبهة ثَوْرِيَة»؟ ومَا هي نَوْعِيَة الإِضَافَة، أو مَا هو صِنْف الإِسْهَام، الذي يمكن أن تأتي به الأحزاب الإسلامية إلى هذه «الجبهة»؟ على خلاف بعض الظنون، لا يسعى "حزب العدل والإحسان" إلى المشاركة في استبدال النظام السياسي المَخْزَنِي الحالي بنظام آخر «دِيمُوقراطي»، يكون فيه مصدر السّلطة هو الشعب. وإنما يُريد تعويضه بِـ «دَولة الخِلَافَة الإسلامية». ولا يَـقْدِرُ الإسلاميون على تَصَوُّر ممارسة السلطة السياسية إِلَّا على شكل «دولة إِسْلَامِيَة» استبدادية، تكون سُلْطَتُها شديدة المَرْكَزِيَة، ومُطْلَقة النُـفُوذ. ولَا يتحمّل الإسلاميّون الحَاكِمُون، أو السَّائِدُون، وُجُودَ أيّة سُلْطَة مُعَارِضَة، لأنهم يَشْعُرُون بِأَيَّةِ مُعَارَضة مُوجَّهَة ضِدَّهُم كَمُعَارَضَة مُوَجَّهَة ضِدَّ اللَّه. فَيُكَـفِّـرُون بسهولة كل مَن يُخالفهم في الآراء السياسية. وقد سبق لمُجمل الأحزاب الإسلامية الأصولية، وفي العديد من المناسبات، أن أعلنت أن «السلطة ترجع كلّها إلى اللّه وحده»، وأن «الديموقراطية مُنَاقِضَة للإسلام»، وأنها «مرفوضة». وأن الكثير من بنود «حقوق الإنسان مُتَنَافِيَة مع الإسلام». وكَرَّرَت الأحزاب الإسلامية الأصولية أنها لَا تَـقْـبَـلُ الالتزامَ سِوى بالنُّصُوص الدِّينية المُقدّسة. وأن أهدافها تنحصر في تطبيق «إرادة الله». وأنها لَا تـقبل أيّ بَدِيل عن «الشريعة الإسلامية». ولا تـقبل أيّ تغيير في لَوَائِح مَا أَحَلَّ الله، وفي مَا حَرَّمَه. وتريد مُجمل الأحزاب الإسلامية، عندما تَسْتَكْمِلُ هَيمنتها على السلطة السياسية، أن تفرض طُقُوسًا دِينِيَة مُحَدَّدَة مِن العِبَادَةَ على كل المواطنين، إِمَّا بِوَاسِطَة الوَعْظ، أو بالحِيلة، أو بِالقُوَّة. وَتُصِرُّ الأحزاب الإسلامية على فَرْضِ تَصَوُّر بِدَائِيٍّ (primitif)، أو قَبَلِي (tribal)، لِـ «الأخلاق». وعليه، فإن الأهداف السياسية للقوى الإسلامية الأصولية، تتناقض مع «الديموقراطية»، ومع «حقوق الإنسان»، ومع «حُرِّيَة العَقِيدَة»، كما هي مُتَعَارف عليها عالميًا. وتُريد القوى الإسلامية إقامة نوع من الدولة الدِّينية الإسلامية الاستبدادية، إمّا في صيغتها «الخُمَينِيَة» (الشِيعِيَة)، أو «الطَالِبَانِية»، أو «الوَهَّابية»، أو «الدَاعِشِيَة». وبالتّالي، سَيَكُون غَيْرَ عَـقْلَانِيّ القَبُول بِعُضْوِيَة أيّ حزب إسلامي أصولي داخل «جبهة تقدّمية»، أو «جبهة دِيمُوقراطية»، أو «جبهة ثَوْرِيَة»، ما دامت مبادئ هذا الحزب الإسلامي تتناقض مع الأهداف «التقدّمية»، أو «الديموقراطية»، أو «الثورية»، لهذه الجبهة النضالية.
وفي مقال تحت عنوان: "اليسار والعمل الوحدوي"، طرح عبد الحميد أمين: «اعتبرنا في [حزب] النهج الديمقراطي، أن المهمة الأساسية بالنسبة إلينا... هي التخلص من المَخْزَن... وبناء حزب الطبقة العاملة، والجبهة الموحدة للتخلص من المَخْزَن، على طريق بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية»( ). ونلاحظ في هذا المقال أن أمين لم يتكلم عن "الأحزاب الإسلامية الأصولية"، وسكت عنها كأنها غير موجودة، أو كأنه لا يوحد أي تناقض معها. ولم يَطرح عبد الحميد أمين مُهمّة خوض الصراع الفكري ضِدَّ القوى الإسلامية الأصولية، عبر نـقد أَيْدِيُولُوجيتها. وقد يفهم بعض قُرَّاء مقالِ أمين، أنه مَا دَام "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي «يُعَارض» المَخْزَن، فإن عُضْوِيَتَه ستكون مَقْبُولة مُسْبَقًا في «الجبهة المُوحّدة للتخلّص من المَخْزَن». بينما «التخلّص من المَخْزَن»، يعني بالضرورة، وفي نفس الوقت، تعويضه بِـنظام سياسي دِيمُوقْرَاطِي بَدِيل. فكيف يُعْـقَل أن يُعَوِّل "حزب النهج" على مُشَارَكَة "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي في إِسْقَاط المَخْزَن، وفي تَعْوِيضِه بِنِظَام سياسي بَدِيل يكون دِيموقراطيًّا، بينما "حزب العدل والإحسان" يرفض «الديموقراطية»، ويعتبرها «متناقضة مع الإسلام»؟
ثم يأتي أشخاص يقولون لَنَا: «لَا! من الأحسن لليسار أن يتحالف مع الأحزاب الإسلامية الأصولية لإسقاط النظام السياسي»! لكن في مَجال مُكافحة النظام السياسي القائم، لَا يُعقل التعويل على تحالفات مُفَخَّخَة، مع قوى دِينِيَة هي أكثرُ رجعيةً من النظام السياسي القائم الذي نطمح إلى إسقاطه. بل المطروح هو نـقد، وتغيير، القوى الإسلامية الأصولية، قبل الإطاحة بالنظام السياسي المعني. وهو مشروع نضالي ممكن.
وسيكون مسار النضال التاريخي من أجل تحقيق «الديمقراطية»، ليس عبر «المُهَادَنَة»، أو «التَـقَارُب»، أو «التَحَالف»، بين اليساريين والإسلاميين، كما زعم بعض أعضاء "حزب النهج"، وإنما سيكون عبر الصراع الفكري السِّلمي ضدّ أفكار مجمل القوى الإسلامية الأصولية. وستبقى قضية «الديموقراطية»، و«حقوق الإنسان»، و«حُرِّيَة العقيدة»، من بين أهمّ قضايا الخلاف، والصّراع، بين اليساريين والإسلاميين.
ويسأل بعض الإسلاميين: «لماذا ترفضون أحزابنا الإسلامية الأصولية، فنحن مثل الأحزاب المسيحية الديموقراطية الموجودة في بلدان أوروبا»؟ وهذا الزَّعم خاطئ. لأن "الأحزاب المسيحية الديموقراطية" في أَوْرُوبَّا تلتزم بِـ «الديموقراطية» كاملة، وبِـ «الفصل بين الدِّين والدولة»، وبِـ «حُرِّيَة العقيدة»، وبِـ «حُرِّيَة العِبَادة»، وبِـ «حقوق الإنسان»، وبِـ «التَسْوِيَة بين الإِنَاث والذُكُور»، إلى آخره. بينما الأحزاب الإسلامية الأصولية الموجودة في البلدان المُسلمة ترفض كل تلك المبادئ، وتعتبرها مُناقضة لِهَوِيَتِهَا الدِّينية المُقَدَّسَة. «»
ويَزْعُمُ بعض الكُتَّاب إِمْكَانِيَةَ تَـطَـوُّر بعض الأحزاب الإسلامية الأصولية إلى مَا يُشْبِهُ «الـلَّاهُوت المَسِيحِي التَحَرُّرِي» (Théologie de la libération chrétienne). وهذا طرح خاطئ. حيث لا يمكن أن تُوجد في البلدان المُسلمة حركة سياسية إسلامية تُـشبه «الـلَّاهُوت المَسِيحِي التَحَرُّرِي»، الذي وُجِدَ في بعض بلدان أمريكا الـلَاتِينِيَة الجنوبية، مثل كُولُومْبْيَا (Colombie)، والبِيرُو (Perou)، وفِينِيزْوِيلَا (Venezuela)، إلى آخره، في قرابة سنوات 1980. لأن «الـلَّاهُوت المَسِيحِي التَحَرُّرِي» تَـبَـنَّى، منذ نشأته، مبادئَ «الديموقراطية» كاملةً، و«حقوقَ الإنسان»، و«حُرِّيَة العقيدة»، واعْتَنَـقَ هدفَ «تحرير» المُسْتَضْعَفين والمُسْتَـغَلِّين. وشَارك في معارضة «التَبَعِيَة» للإمبريالية. وسَانَدَ مُجمل أنواع القِوَى السياسية «المُناضلة»، و«الثورية»، و«المُسلّحة»، و«الاشتراكية»، و«الشيوعية». وتعاطف مع بعض الأطروحات الماركسية. بل تَبَنَّى حتى بعض الأهداف الاشتراكية. ولم تكن حركة «الـلَّاهُوت المَسِيحِي التَحَرُّرِي» تَسْعَى إلى تَـنْـصِير (christianiser) الدولة أو المُجتمع. بينما القوى الإسلامية الأصولية تَرْفُضُ، أو تُعَادِي، كلّ تلك المبادئ. وتبقى الأحزاب الإسلامية مَهْوُوسَة بهدف وَاحد، هو «أَسْـلَـمَـة» (islamisation) الدولة والمُجتمع. وتَتَشَبَّثُ بالتطبيق الحَرْفي لِـ «الشَّرِيعَة الإسلامية» المُتَخَلِّفَة. ولَا تتصوّر الأحزاب الإسلامية من حَلٍّ للفقر، وللاستغلال، سوى عبر توزيع الصَدَقَات، وتنظيم الإفطار المجاني في رمضان، ومساعدة الأرامل، وبناء دُور الخَيْرِيَات لِإِيوَاء الأَيْتَام. وما دامت الأحزاب الإسلامية مَبْنِيَة على أساس الدِّين الإسلامي، فإنها ستكون بالضرورة مُحَافِظَة، أو رِجْعِيَة. لأن كلّ الديانات تبقى بطبيعتها مُحَافِظَة. وما دامت الأحزاب الإسلامية تَتَبَنَّى الرأسمالية (كَنَمَطٍ للإنتاج، وَحِيد، وَأَبَدِي)، فإنها ستكون بالضرورة يَمِينِيَة، ومُعَادِيَة لمصالح الطبقة العاملة، ومُهَادِنَة للتَّـبَـعِيَة للإمبريالية. وسيبـقى الحال هكذا، ما دامت الأحزاب الإسلامية الأصولية لَا تَجْرُؤُ على اتخاذ موقف نَـقْـدِي تجاه الدِّين. ولا يمكن لأي «تَـقَدُّم» إلى الأمام أن يتحقّق إِلَّا إذا كان «ثوريا»، بينما «التَـقَدُّم» إلى الوراء، سيكون بالضرورة «رِجْعِيًّا».
.
رحمان النوضة
[[ مُقـتـطف من كتاب لِـ : رحمان النوضة، "نقد تعاون اليساريين مع الإسلاميين"]]
>

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي