أَلَا يُعَادِي الإسلاميّون اليساريين؟

عبد الرحمان النوضة
2019 / 10 / 11

[[ مُقـتـطف من كتاب جديد لِـ : رحمان النوضة، "نقد تعاون اليساريين مع الإسلاميين" ]]

{{ عناوين فرعية في الحلقة الثالثة الحالية : مَا هي أَبْـرَز الخِلَافَات بين اليساريين والإسلاميين؟ أَلَا تُنْتِجُ الأحزابُ الإسلاميةُ الطَائِـفِيَةَ، ثم الحَربَ الأَهْلِيَة؟ هَلْ حَقًّا الإسلاميون لَا يُعَادُون اليساريين؟ }}
.
- مَا هي أَبْـرَز الخِلَافَات بين اليساريين والإسلاميين؟
المُعْضِلَة مع الإسلاميين الأصوليين هي أنهم لَا يعيشون معنا في زماننا الحديث الحالي، زمان الديموقراطية والعلوم الدَّقِيقَة، والطُمُوح إلى التحرّر من الاستغلال الرأسمالي. ولكنهم يعيشون بِعُـقُولِهِم في زمان نشأة الدِّين الإسلامي، في القرن السَّابع الميلادي، وسط قبائل مَكَّة والمَدِينَة في "جزيرة العرب". ويعيش الإسلاميون في ذلك الزمان القديم، بما فيه مِنْ جَدَل دِيني، ومن فُتُوحَات دِينِيَة لَا تعرف من سبيل لِنَشْر الدِّين الإسلامي سِوَى قُوَّة السَّيْف، وتَرْسِيخ الاستبداد.
والمُشكل الأكبر مع الإسلاميين الأصوليين، هو أنهم لَا يَـقْنَعُون أبدًا بِمُمَارَسَة عِبَادَتِهِم بِحُرِّيَة تَامّة، ولكنهم يُصِرُّون دائمًا على مُحَاوَلَة إِجْبَار كلّ المواطنين الآخرين على أن يَعْبُدُوا مثلهم، وبنفس الأساليب والطُّقُوس الدِّينية. ولو كان هؤلاء المواطنين لا يرغبون في ممارسة أية عِبَادَة. ومِن مِيزَات الإسلاميين الأصوليين أنهم يظنّون دائمًا أنه يَحِـقُّ لَهُم، هم وَحْدَهُم، أن يكونوا هكذا مُقَاتِلِين، وَفَاتِحِين، ومُهَاجِمِين، وَمُحَارِبِين، وَغُزَاةً، وَمُسَيْطِرِين، وَقُـهَّـارًا. ولَا يتصوّر الإسلاميون الأصوليون أن المواطنين الآخرين، وَلَوْ كَانُوا حاليًّا أَقَلَّ عَددًا منهم، قادرون على رفع التَحَدِّي، وأَكْـفَاء للرَّدِ عليهم بِحَرْب أَعْتَى من حَرْبِهِم، دِفَاعًا عن العَدْل، والحُرِّيَة، والديموقراطية. وَيُـفَكِّر الإسلاميون الأصوليون، ويَتَصَرَّفُون، كأنهم «المُمَثِّلِين الشَّرْعِيِّين والوَحِيدِين لِلَّـه». ولَا يَـقْبَلُون بأن يُخَالِفَهُم، أو أن يُعَارِضَهُم، أو أن يَنْتَـقِدَهم، أيّ كان. وَغُرُور الإسلاميين الأصوليين يَـقُودُهم هكذا، وبشكل أَعْمَى، إلى إشعال حرب أهلية طاحنة، تُخَرِّب المُجتمع بكامله. ورغم أن القرآن يقول «لَا إكراهَ في الدِّين»، فإن الإسلاميين الأصوليين يتجاهلون هذه المقولة، ويَتَعَنَّـتُـون في غُرُورِهِم العَنِيد. ويَزْعُمُون أنهم «يُنَـفِّذُون إِرَادَة الله»! بينما الله بريء منهم! ويظنون أن الإله يريد أن ينشر دِينَه، لكنه يعجز عن فعل ذلك هو بنفسه، ويعتقدون أن الله يحتاج إلى مِيلِيشْيَات من المُرْتَزِقَة المُسَلَّحِين، لفرض دِينِ الله، بالحِيَل السياسية، أو بالعُنْف الإِرًهَابِي! وهذا جَهْل بَيِّن.
والجوهر المُمَيِّز للتنظيمات الإسلامية الأصولية، هي أنها تُريد مُعالجة مشاكل المُجتمع الحديثة بالرُّجُوع إلى العِبَادَة، وإلى عَـقْلِيَة قَدِيمَة، أو إلى أفكار مِثَالية، أو مُعْتَـقَدَات دِينِيَة مِيتَافِيزِيـقِيَة. ويُـفَسِّرُ الإسلاميون الأصوليون كلّ شيء في المُجتمع بِـ «القَدَر المَكْتُوب مُسْبَقًا»، وبِـ «الإرادة الإلهية». وكُلَّمَا طَرَح المواطنون مُشْكِلًا مُجتمعيا، أجاب الإسلاميون الأصوليون: «الحَلُّ هو الإسلام»! فَلَا يرى الإسلاميون من حَلٍّ لمشاكل المُجتمع إلَّا عبر «الرُّجُوع إلى الدِّين»، و«الزِّيَادَة في العِبَادَة». بينما يقول اليساريون أن الحل سيتمّ عبر تَعْبِئَة الجماهير الكادحة، وتَوْعِيَتِهَا، وتنظيمها، وَتَـثْـقِـيفِهَا، وعبر الرجوع إلى العقل، وإلى العلوم الدَّقِيقَة، وإلى الإنتاج، والتضامن، والعدل المجتمعي، وإلى الصراع الطبقي الثوري. لكن في النهاية، تَلْتَحِـقُ دائمًا التنظيمات الإسلامية الأصولية بالمواقف الدَّاعِمَة للمشروع المُجتمعي البُرْجْوَازِي، أو الرأسمالي، وتَـقْبَلُ بِالتَبَعِيَة للإمبريالية. بينما تلتزم التنظيمات اليسارية بِالعَـقْلَانِيَة، وتنطلق من الواقع الملموس، وتُحَاوِلُ مُعَالَجَة التناقضات المُجتمعية عبر الطُّمُوح إلى تحرير الإنسانية من كلّ أشكال الاسْتِلَاب، والاستغلال، والاضطهاد. فالخلافات بين اليساريين والاسلاميين تدور حول مشروع المُجتمع المَأْمُول، وليس حول الدِّين. وهذه الخلافات بينهما هي جزء من التناقضات الطبقية، ومن الصراع الطبقي الدائر في المُجتمع. «»
ولا يمكن مُعالجة هذه الخلافات، أو التَخْفِيف من هذه الناقضات، الموجودة فِيمَا بين اليساريين والإسلاميين، إِلَّا بِالنَّـقْد العَلَنِي، وبالصراع السِّلْمِي الفِكْرِي، والسياسي، والطبقي. والعُنْصُر الحاسم في الميدان هو ميزان القوى الشُمُولي. وحتّى إذا مَا حدث مُؤَقَّـتًا، خلال فترة مُحدّدة، تنسيقٌ، أو حِوَارٌ، أو تَعَاوُن، فِيمَا بين يساريين وإسلاميين، فإنه لَا يُبَرِّرُ إِيقَافَ الصّراع السِّلْمِي الفِكري بينهم، ولَا يُعَلِّلُ إِلَغَاءَ الصّراع السياسي والطبقي بينهم. ولَا يُمكن أن تَنجح «الثورة الوَطنية الدِّيمُوقراطية الشعبية» إِلَّا بَـعْـدَ هزم الفكر السياسي الإسلامي الأصولي، من خلال تحرير غالبية جماهير الشعب من التأثيرات اليمينية أو الرِّجعية لِهذا الفكر الإسلامي الأصولي.
.
- أَلَا تُنْتِجُ الأحزابُ الإسلاميةُ الطَائِـفِيَةَ، ثم الحَربَ الأَهْلِيَة؟
عندما يدخل حزب يساري مثل "حزب النهج"، في سيرورة التَـقَارُب، أو التعاون، أو التحالف، مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي، فإنه يَنسى، أو يَتَنَاسَى، أنه يُكَرِّسُ مَشْرُوعِيَةَ تأسيس أحزاب سياسية على أساس الدِّين. بينما يقول الفصل رقم 7 من دستور المغرب لسنة 2011: «لا يجوز أن تُـؤَسَّـسَ الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان». وتقول المادة رقم 4 من قانون الأحزاب السياسية رقم 29.11 : «يُعتبر باطلا كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، أو بصفة عامة على أي أساس من التميز أو المخالفة لحقوق الإنسان».
وكل الأحزاب المبنية على أساس الدِّين، أو العِرْق، أو اللغة، أو الجهة، تُؤَدِّي موضوعيا إلى خلق تمييز مُصطنع بين المواطنين، وإلى تزكية نوع من «الطَائِـفِيَة»، أو من «العنصرية».
ورغم وجود هذه القوانين، فإن الدولة تجاهلتها، وسمحت بوجود عدّة أحزاب مبنية على أساس الدِّين. وذلك لاعتبارات انتهازية. وَتَـتَحَايَلُ بعض الأحزاب الإسلامية على هذا القانون المذكور، وتتلافي ذكر «بِنَائِهَا على أساس الدِّين» في نظامها الداخلي. لكن في ممارستها السياسية اليومية، تَعُجُّ خطاباتها بإشارات متنوّعة ومتعدِّدة تُنْذِرُ الجماهير الشعبية بِكَوْنِهَا أحزابًا مبنية على أساس الدِّين الإسلامي الأصولي. والشعب كلّه يعرف أن ميزة هذه الأحزاب هي أنها «أحزاب إسلامية أصولية». وقد ظلّت مثلًا خطابات وفِيدِيُوهَات (vidéo) عبد الإله بنكيران، الكاتب العام السابق "لحزب العدالة والتنمية" الإسلامي الأصولي، مُرَصَّعَة بِتَلْمِيحَات وَافِرَة، تُشِير إلى أن هذا الحزب هو "حزب إسلامي أصولي". وما دام عبد الإله بنكيران يُكرّر ولاءه للملك، ويُؤَكِّد كفاحه لخدمة النظام السياسي القائم، تتغاضى الدولة مُـقَابِلَ ذلك عن الصِّفة «الإسلامية» لهذا الحزب. وهذا مثال آخر على عجز الدولة بالمغرب على تطبيق القوانين التي تضعها هي بنفسها.
ورغم أن الدستور، والقانون، يمنعان تأسـيس أحزاب سياسية على أساس دِينِي، فإن الدولة سمحت بوجود "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي الأصولي، بل قبلت بأن يكون هو الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية لسنة 2011. وقبلت بأن يترأّس الحكومة. وقد يكون السبب الرئيسي في قَبُول الدولة بهذا الحزب الإسلامي الأصولي هو أنه يُعَبِّرُ، ويُكَرِّرُ، في كلّ مناسبة، مُنَاصَرَتَه للنظام السياسي المَلَكِي القائم (أو يتظاهر بِـذلك). بينما رفـضت الدولة أن تمنح «رخصة التأسيس» للحزب الإسلامي الأصولي الآخر، والذي هو "جماعة العدل والإحسان"، لِسبب وحيد، هو كونه يُجَادِلُ في «الشرعية الدِّينية» للنظام السياسي المَلَكِي القائم، ويُنَازعُ في شرعية «إمارة المؤمنين» الممنوحة للملك. بينما شقيقه "حزب العدالة والتنمية" يُعْلِنُ في كلّ مناسبة وَلَاءَه وقَبُولَه بهذه الخصائص. وبعدما اِسْتَهْلَكَ "حزب العدالة والتنمية" رصيده السياسي في دعمه الْـلَامَشْرُوط للنظام السياسي خلال عشرة سنوات من التواجد في الحكومة، وفي حالة مَا إذا منحت الدولة صفة «الحزب الشرعي» "لِحزب العدل والإحسان"، فمن المحتمل أن يفوز "حزب العدل والإحسان" هو أيضا بالمرتبة الأولى في انتخابات برلمانية ومحلية، وأن يتواجد في الحكومة، فَتَسْتَمِر هكذا لُعْبَة تَلْهِيَة المشهد السياسي، أو مُخادعة الشعب.
ومع تَـقَادُم التَسْلِيم بوجود أحزاب إسلامية أصولية، نُلاحظ أن اسْتِسْلَامًا عامًّا، أو خِذْلَانًا شائعًا، ينتشر في المجتمع تُجاه ظاهرة «الأحزاب الإسلامية الأصولية». فهذه الأحزاب لا تَكْتُب طبعًا في قانونها الدّاخلي أنها «مبنية على أساس الدِّين»، لكنها تمارس ذلك في أنشطتها، وبرامجها، ومشاريعها. والدليل على ذلك أن معظم المواطنين يعرفون أن "حزب العدالة والتنمية"، و"حزب العدل والإحسان"، وأحزاب أخرى صغيرة، تَأُسَّـسُوا على أساس الدِّين الإسلامي الأصولي، وبالضّبط على أساس مَذْهَب الإسلام السُنِّي المَالِكِي. وتحت التَأْثِير الخَفِي "لِلْبِيتْرُو-دُولَار" (pétrodollars) المَشْرِقِي، يَتَحَوَّل تدريجيا هذا المَذْهَبُ السُنِّي المَالِكِي إلى مَذْهَب «وَهَّابِي»، أو «دَاعِشِي». ويعرف معظم المواطنين أن هذه الأحزاب الإسلامية الأصولية تَسْتَـقْطِبُ أعضاءها على أساس اعْتِنَاق هذا الدِّين الإسلامي الأصولي الغَازِي. ولا تسمح هذه الأحزاب الإسلامية بأن يحصل على العُضْوِيَة فيها أي شخص معروف بِعدم تَدَيُّنِه، أو بِإِلْحَادِهِ. وتمنح أحيانًا «العُضْوِيَة» في الأحزاب الإسلامية الأصولية على أساس «البَيْعَة» لِزَعيم الحزب أو لقيادته. وتَغْدُو العلاقة بين العضو والحزب مبنية على أسـس غير عقلانية.
وإذا كان مشروعا وجود أحزاب على أساس الدِّين الإسلامي السُنِّي المَالِكِي، فلماذا لا يكون مشروعا أيضًا وجود أحزاب أخرى على أساس الإسلام البَهَائِي (المقموع في المغرب)، أو الإسلام الشِّيعِي، أو الإسلام الحَنْبَلِي، أو على أساس الدِّين المسيحي، أو على أساس الدّين اليهودي، أو على أساس الإِلْحَاد، أو الْـلَّاتَـدَيُّن؟ فَوُجُود الواحد منها يَحُثُّ بالضرورة على تأسـيس الأخرى. الشيء الذي يؤدّي إلى نوع من «الطَائِـفِيَة» الدِّينية في المُجتمع. ويمكن أن تتطوّر هذه «الطائفية» لَاحقًا إلى «حرب أهلية». ولَا تُوجد «الطائفية» سوى في البلدان المُسلمة. ومنذ أن خلق الاستعمار أو الإمبريالية «الطائفية» في لُبنان، ثم في العراق، أصبح تَـقَدُّم هذين البلدين مَعُوقًا (bloqué). وغَدى من شبه المُستحيل الخلاص من هذه «الطائفية». فقانون منع تأسيس الأحزاب على أساس دِيني هو قانون سليم، ويَلْزَمُ الدولة أن تُطَبِّـقَهُ، وليس أن تَتَجَاهله، أو أن تُنَـفِّـذَه بشكل انتهازي، حسب المصلحة الظرفية. لكن ما دامت الدولةُ تبني هي نفسها جزءًا أساسيًا من شرعيتها على أساس الدِّين الإسلامي، فستوجد بالضرورة، في العلن أم في السِّر، أحزاب سياسية مَبْنِيَة هي أيضًا على أساس الدِّين.
.
- هَلْ حَقًّا الإسلاميون لَا يُعَادُون اليساريين؟
كلّ التنظيمات الإسلامية الأصولية تُصَرِّح عند بِدَاية ظهورها: «نحن لَا علاقة لنا بِـ "الإخوان المُسلمين"، ولَا بالتِيَّار "الوَهَّابِي"، ولَا بِـ "طَالِبَان"، ولَا بِـ "القَاعِدَة"، ولَا بِـ "دَاعِشْ"». لكن المُوَرِّثَات الجِينِيَة (gênes)، المُنْغَرِسَة عَمِيقًا في أَيْدِيُولُوجِيَتِهَا الإسلامية الأصولية، تُحَوِّلُها، في آخر المطاف، إلى "تَوْأَم" لِتنظيم «القَاعِدَة»، أو إلى "إِبْنِ أَخِ" «دَاعِشْ».
ودافع عبد الله الحريف عن ضرورة «التعاون مع الحركات الاسلامية التي تناضل في الساحة، وتبدي استعدادا للحوار، ولا تعادينا، بعيدا عن شيطنتها واستعدائها» (الحريف). وبصدد عبارة «لَا تُـعَادِينَا»، أحكي هنا لعبد الله الحريف ما حدث لي شخصيا، وليس ما سَمِعْتُه، أو قرأتُه. فَحِينما كنتُ في مَركز الاِعْتِـقَال السّري المُسَمَّى "درب مولاي الشريف" بالمغرب، بين سنوات 1974 و 1976، كان البوليس السياسي يُعذّبني عَذَابًا شديدًا، وحينما كان البوليس يُحسّ أنني على وَشْكِ الموت بين أيديهم، ينـقلونني إلى غرفة سرّية في المُستشفى الجامعي ابن سينا في العاصمة الرباط لِتَلَـقِّي الإسعافات الطِبِّيَة اللَّازِمَة. والتـقيتُ في هذه الغرفة عدة مرّات مع المُعتـقل أحمد المَلَّاخ. وكان مُعتقلًا مُودَعًا في "درب مولاي الشريف"، مع رفيقه المُسَمَّى العَلَوِي. وكان المَلَّاخ مريضًا بداء السُكَّرِي. ولم يكونا يتعرّضان لأي تعذيب أو إهانة مثلنا. وكان المَلَّاخ آنَذاك يُعتبر اليد اليُمنى لِعبد السلام ياسين، زعيم "حزب العدل والإحسان". وقُلتُ مّرةً لِأَحمد المَلَّاخ: «حينما أناقش معك المُجتمع المغربي، أو الاقتصاد، إلى آخره، فإننا نتـفق على كثير من الأشياء. لِنَفْتَرِض أننا في المستـقبل خرجنا من الاعتـقال، وأن حزبكم أصبح حَاكِمًا في المغرب، كيف سَتُعَامِلُونَنَا نحن الشيوعيين»؟ فأجاب المَلَّاخ: «سنحاول هِدَايَتَكُم». فقلتُ له: «وإذا لم تنفع معنا الهِدَايَة»؟ أجاب: «سنحاول معكم الهِدَايَة ثلاثة مرّات». وسألته: «ولكن ماذا ستـفعلون معنا إذا لم تنفع معنا الهداية في كل المَرَّات»؟ فأجابني المَلَّاخ بِبُرُودَة دَم: «السَّيْف»! فَاسْتـفسَرْتُه مُسْتَغْرِبًا: «هل تـَـقْصِد يا السِّي المَلَّاخ أنـكم ستـقطعون رُؤُوسنا»؟ فأجاب الملاخ بهدوء تَامِّ: «نعم»! وبعد مُرور قرابة 45 سنة، مَا زِلْتُ أتذكّر هذه اللحظة، والمَلَّاخ واقف أمامي، وهو متأكِّد من صحّة أحكامه الإسلامية، وكأنه رُبُوط (robot)، مُسْتَلَب، وفَاقِد لإنسانيته. [وقد سبـق لمعتـقل سياسي آخر هو عبد اللطيف زْريكم أن كتب أن حدثا مُشابهًا وقع له مع المَلَّاخ]. ويمكن لمناضلين آخرين أن يحكوا عن أحداث أخرى مُشابهة، خطيرة ومُعَبِّرَة( ).
وأكبر نسبة من الشهداء، المُغَتَالِين في البلدان المُسلمة، قتلتهم إما الأنظمة السياسية العربية الاستبدادية، وإمَّا الحركات الإسلامية الأصولية. وهؤلاء الشهداء هم عُمُومًا نُـقَّادٌ كبار، أو مُـفَكِّرِين مُعَارِضِين، أو مـثـقـفين ثوريين، أو مناضلين بارزين، أو قِيَادِيِّين في القوى السياسية اليسارية. وتَجْتَمِعُ كل هذه الصِّفَات في الكثيرين من هؤلاء الشُّهداء. وقد سبق أن ذكرتُ (في كتاب "نقد الشعب") أمثلة عن هؤلاء الشهداء (المُغْتَالِين على الخُصُوص بين سنتي 1960 و 2013 م). ومنهم : المَهْدِي بَنْ بَرْكَة (سنة 1965 م)، وعُمَر بَنْ جَلُّون (1975) (وهما من المغرب)؛ وسَلَام عَادِل (1963) (من العراق)؛ ونَاصَر السَّعِيد (1979) (من السعودية)؛ وعبد الخَالِق مَحْجُوب (1971)، ومَحْمُود مُحَمَّد طَهَ (1985) (وهما من السودان)؛ وحُسَيْن مَرْوَة (1987)، ومَهْدِي عَامِل (1987) (وهما من لبنان)؛ وشُكْرِي بَلْعِيد (2013)، ومُحمد ابْرَاهْمِي (2013) (وهما من تونس)؛ وزَكِي مُرَاد (1979)، وفَرَج فُودَة (1992)، ومحاولة اغتيال نَجِيب مَحْفُوظ (1995) (وهم من مصر)؛ ونَاهِضْ حَتَّر (2016) (من الأردن)؛ إلى آخره. ومن أبرز الشهداء في أَوْسَاط الطَّلَبَة بالمغرب، والذين يَنْسُبُ بعض الطلبة اغْتِيَالهم إلى طلبة آخرين يَنْتَمُون إلى تيارات إسلامية أصولية: المَعْطِي بُومْلِي، وَأَيْت الجِيد بَنْ عِيسَى. ولو كان الإسلاميون الأصوليون قادرين على دحض أفكار هؤلاء المثـقفين النّاقدين بواسطة الفكر، لما احتاجوا إلى اغتيّالهم بواسطة الأسلحة النَّارِيَة. وتـفضح اغتيّالات هؤلاء المثـقفين النّاقدين أن الإسلاميين الأصوليين يُفضّلون مَوْتَ من يخالفونهم في الرَّأْي على بقاءهم أحيّاءً. كما أن الإسلاميين الأصوليين يُفضّلون الجهل المُقَدَّس على الثـقافة النّاقِدة. وكلّ اغتيال لمثـقف، بسبب آرائه، يجسّد جريمة ضدّ الإنسانية.
وعليه، أقول للحريف: إذا كُنْتَ حقًّا واثقًا من أن "حزب العدل والإحسان" «لَا يُعَادِي» قوى اليسار، ولَا يَنْوِي ذبحهم في حالة إذا ما أصبح مُهيمنا على الدولة، وعلى المُجتمع، فَاطْلُب من أعضاء "حزب العدل والإحسان" أن يَلْتَزِمُوا صراحةً، وَكِـتَابِيًّا، وأمام الشعب، ومنذ الآن، في القوانين الداخلية لأحزابهم، بالمبادئ التالية: «مَنْع التَّـكْـفِـيـر»، والالتزام بِـ «الدِيمُوقْرَاطِيَة»، وبِـ «حُقوق الإنسان كما هي مُتعارف عليها عَالمِيًّا»، و«احترام حرّية العِبادة»، و«احترام حرّية عَدَم العِبادة»، و«فَصْل الدّين عن الدولة»، و«فصل الدين عن السياسة»، و«التَسْوِيَة بين الأُنْثَى والمُذَكَّر»، و«مُعارضة الرأسمالية المتوحِّشَة». وَإِذَا اِلْتَزَمَ تَنْظِيمٌ سياسيّ إسلامي مُعَيّن بهذه المبادئ، بشكل علني وصريح، فَسَنَـقْبَلُ التَنْسِيقَ معه، والتعاونَ معه، وحتى التحالفَ معه. وكل تنظيم إسلامي يرفض الالتزام بهذه المبادئ، سَنَرْفُضُ التَعَاوُنَ معه. ولَا يحقّ أن ننتظر منه، في حالة إذا ما أصبح قويًّا في المُجتمع، أو مُهَيْمِنًا على الدولة، سوى الاستبداد، والعُنف، والذَّبْح، والقتل، والتَخْرِيب، تماما مثلما فعلت «جبهة الإنـقاذ الإسلامية» في الجزائر، و«الإخوان المُسلمون» في مصر، و«القَاعِدَة» و«دَاعِشْ» في بلدان الشَّرق الأوسط، و«جبهة النُّصْرَة» ومَثيلَاتُهَا المُتعدِّدَات في سُورية، و«طَالِبَانْ» في أفغانستان، و«بُوكُو حَرَامْ» في شمال نيجيريا، و«الشباب» في الصُّومَال، وتنظيمات إسلامية أخرى، في بلدان مسلمة أخرى، مثل أفغانستان، وباكستان، والعراق، والسودان، وقطر، والسعودية، واليمن، وتونس، والجزائر، وليبيا، وشمال مَالِي، إلى آخره.
وسبـق لمناضل (م. م.) معروف بتقديره لِـ "حزب العدل والإحسان" الإسلامي، أن طَلَب من قيادة هذا الحزب أن تُوضّح مواقفها المبدئية من الحَدَاثَة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات السياسية العامّة. لكن هذا الحزب لم يقدر، ولو بعد مرور 6 أو 8 سنوات على تَلَـقِّي هذا الطلب، على تَوْضِيح مواقفه المبدئية من هذه الحُرِّيَات العامّة. وما دام أيّ حزب إسلامي أ(مثل "حزب العدل والإحسان") يَرْفُضُ الالتزام العَلَنِي والصَّريح بهذه الحُرِّيَات، فذاك يعني أنه يُعَارِضُهَا مِن مُنطلقات دِينِيَة مُقَدَّسَة. كما أن التطوّر المُستـقبلي الأكثر احتمالًا هو أن هذه الأحزاب الإسلامية الأصولية سوف تُحارب كلّ من يُدافع عن هذه الحُرِّيَات العامّة. وبالتالي، فعندما يقول عبد الله الحريف أن "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي «لَا يُعادي قوى اليسار»، فإنه لَا يعرف مَا يقول.
وفي غيّاب التزام "حزب العدل والإحسان" بهذه المبادئ والحقوق، فإن كلّ من يُدافع عن فكرة «تَعَاوُن»، أو «تحالف»، اليساريين مع الإسلاميين الأصوليين (مثل عبد الله الحريف)، يُغَالِطُ نفسه، ويُغالطنا نحن أيضًا.
وَلًا نـقبل من أيّ حزب يساري أن يتحالف مع حزب إسلامي أصولي. وكما قَال المناضل أحمد عَصِيد، لَا يقبل الإسلاميون من «الديموقراطية» سِوَى إجراء الانتخابات (procédure électorale). لأنهم وَاثِـقُون من أن وَفْرَة عدد أنصارهم (في أوساط المواطنين الجَاهِلِين) سيضمن لهم دائمًا الغَلَبَة في هذه الانتخابات (البرلمانية أو الجماعية). وبعد ذلك، يبـقى الإسلاميون الأصوليون يُعادون «الديموقراطية»، و«حقوق الإنسان»، و«حرية العقيدة»، و«حرّية العبادة»، و«حرّية عدم العبادة»، ويرفضون «فصل الدّين عن الدولة»، و«فصل الدّين عن السياسة»، و«التَسْوِيَة بين الأُنْثَى والمُذكّر».
رحمان النوضة
(يُـتْـبَـع)

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي