عمّا كشفت انتخابات 6 أكتوبر 2019 البرلمانية في تونس

بشير الحامدي
2019 / 10 / 7

عمّا كشفت انتخابات 6 أكتوبر 2019 البرلمانية في تونس
هل يمكن القول أن مهمة ترميم النظام والتي بدأت بهيئة بن عاشور واستمرت بحكم الترويكا ثم بحكومات الوفاق بعد انتخابات 2014 قد انتهت بما كشفت عنه الانتخابات البرلمانية يوم أمس إلى المأزق الذي ظل يتأجل ويتأجل بفعل جرعات الإنعاش التي تلاقاها طيلة كل هذه السنوات؟
هذا الأمر أصبح شبه مؤكد فالنواة الصلبة لمشروع الترميم حركة النهضة والذي وجد صدى له لدى جزء هام من التونسيين في 2011 كرد فعل على انحطاط المشروع البورقيبي المرتبط الفاسد وصورته المسخ نظام بن علي سجلت تراجعا كبيرا وفقدت جزءا هاما من قاعدتها الانتخابية والأهم من كل ذلك هو المأزق الذي ستواجهه في تشكيل الحكومة وهي الحركة التي تفادت دائما أن تتحمل مسؤولية الاستفراد بالحكم ولكن يبدو أن حركة النهضة ستواجه مصيرها هذه المرة كما لم تواجهه من قبل فليس أمامها من إمكانيات كثيرة للاستمرار في لعبة التوافق التقليدية باندثار حزب نداء تونس وبصعود حزبي نبيل القروي وعبير موسى اللذان لا يخفيان عداءهما الواضح لها ولا أعتقد أنهما يمكن أن يتوافقا معها على أي مشروع حكومي ولنتذكر في هذا الصدد موقف عبير موسى الواضح في رفض أي تحالف تكون النهضة طرفا فيه وكذلك رسالة نبيل القروي إلى راشد الغنوشي و موقف حركة النهضة ذاتها من نبيل القروي وإعلانها مساندة قيس سعيد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية.
إعلان التيار الديمقراطي بقاءه في المعارضة وربما نسج حركة الشعب أيضا على منواله وتخييرها عدم تحمل تبعات تحالف حكومي مع هذه الحركة سيعمقان كثيرا من مأزق النهضة التي لن يبقى لها سوى كتلة حزب يوسف الشاهد وكتلة ائتلاف الكرامة لسيف مخلوف وحزب البديل لمهدي جمعة وشتات آخر من النواب "المستقلين" لكن وفي مطلق الأحوال فإن حركة النهضة ستواجه صعوبات لا حدود لها سواء في تشكيلها للحكومة أو أثناء الحكم فحكومتها المرتقبة ستكون حكومة ضعيفة عاجزة في مواجهة معارضة برلمانية بتمثيلية كبيرة وفي ظل أزمة شاملة يعيشها المواطن التونسي على كل المستويات وفي مواجهة استحقاقات مالية كبيرة للدائنين من البنوك الأجنبية إضافة إلى الضعف الذي ستبدو عليه السلطة التنفيذية بحكم الصراع الذي سيحدث بين الحكومة والبرلمان ومؤسسة رئاسة الجمهورية في صورة صعود قيس سعيد أو صعود نبيل القروي هذا دون أن ننسى ما يمكن أن يمثله ضغط الاتحاد العام التونسي للشغل من تأزيم لأوضاع حكومة النهضة القادمة التي ستتكون في جزء منها بوزراء من ائتلاف سيف مخلوف الذي تعتبره البيروقراطية النقابية أحد ألد أعدائها المعلنين.
اليسار اللبرالي وجد نفسه بعد انتخابات 2019 خارج إطار المسار الذي راهن عليه منذ قبوله بالانقلاب على مسار 17 ديسمبر ودخوله هيئة بن عاشور وكل مؤشرات الواقع تؤكد على أن هذا اليسار هو أيضا قد تفكك مثله مثل حزب نداء تونس وفي طريقه إلى الانحلال تماما ولكن في الحقيقة الأزمة وطيلة السنوات الفارطة لم تكن أزمة اليسار اللبرالي وحده لقد كانت أيضا موطّنة لثماني سنوات في الأسفل وبالتحديد لدى كل الطيف الذي يقول عن نفسه أنه متمسك بالثورة وبمواصلة المسار الثوري ولكنه برهن طيلة هذه السنوات على عجز تام على استثمار الأزمة الشاملة التي يتخبط فيها السيستام وسياسات الانتقال الديمقراطي على كل الأصعدة والتوحد على مشروع جذري للمقاومة تنخرط فيه الأغلبية للإطاحة بهذه السياسات.
مشروع تكون أهم نقاطه:
ـ ملف المصالحة وما انتهت إليه
ـ مسألة المديونية ورهن البلاد ومستقبل سكانها لعشريات لصالح البنوك الدولية
ـ موضوع تشغيل أكثر من مليون بطال
ـ مسألة ثروات البلاد المنهوبة للشركات الأجنبية ولصالح أسر مافيات الاقتصاد التي لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد من شاكلة عائلة بوشماوي وغيرها.
ـ التهريب ومسألة الإرهاب
ـ الفساد ومحاسبة المورطين فيه ومن يحميهم في أجهزة الدولة وما وراءها
ـ مشروع الحكم المحلي وأشكال تجسيم السيادة على القرار والسيادة على الثروات وعلى وسائل الانتاج
سيبقى ذلك هو الأفق الوحيد الممكن لاستثمار أزمة ترميم النظام التي أبانت عنها انتخابات 2019 وستعمقها أكثر فأكثر حكومة النهضة المرتقبة والدفع بالحسم في منظومة حكم الانتقال الديمقراطي الذي أنتجته الصناديق سلطة ومعارضة والارتقاء به إلى مشروع ملموس للمقومة تلتقي حوله الأغلبية المتناقضة مصالحها مع مصالح العصابة المنقلبة على 17 ديسمبر مشروع لا يفصل بين السيادة على القرار والسيادة على الثروة والموارد ووسائل الانتاج.
ـــــــــــــــــــ
بشير الحامدي
07 سبتمبر 2019