التطوع الجماعى الحق

محمد أبوالفضل
2019 / 10 / 6

التطوع كلمة مطاطه أو زئبقية من حيث أصل الفعل وحافزه فبحسب التعريفات الأكاديمية والتي تتقاطع مع تعريفات الأمم المتحدة هو كل فعل إنساني إرادي يراد به تحسين ظروف عيش أصغر وحدة في المجتمع ألا وهى الفرد عبر تطوير بنيته ووضعه الفوقي والتحتي (بالتعبير الماركسي) على حد السواء وفعل يغير التأثير الإيجابي في وتيرة التنمية الشموليه وطبيعتها، عبر تواضع الأشخاص وأتفاقهم على وضع خبراتهم وطاقاتهم وأوقاتهم رهن إشارة التنمية الشموليه والسلام، دون نية تلقي أى أجر مادي نظيرها. 

 وعلى هذا فيمكننا القول بأن التطوع مبدأ يتفاعل وينتظم منصهرا داخل مجموعة من المؤسسات الأجتماعية ترتبط فيما بينها بعلاقة تراتبية من حيث المعنى فهو يمثل أحد الركائز والمبادئ الرئيسية في ممارسة العمل الجماعى الخيري والذي بدوره يمثل قسطا وفيرا من الأختصاصات والأدوار التي تضطلع بها المجتمعات المدنية والتي من المفترض أن تنفذ بقدر ذلك لتداخل العديد من التوجهات الموازية والمتعارضة فيما بينها أحيانا، داخل خانة العمل المدني، فيما يتأطر كل ما سبق بعقد أجتماعي يرسم ويشكل ويوضح ويحدد علاقة الدولة بالمجتمع.

ثمة شعره تفصل بين العمل الجماعى والخيري والإحساني إذ يجمع بينهم التطوع وتفرق بينهم النوايا والكيف وطبيعة الأفعال ويبقى الموحد والمشترك بينهم هو المصلحة المشتركة المحققه بعد الأفعال، إذ يحصل المتطوع على مصلحة ذاتية وجماعية فى نفس الوقت معنوية بالضرورة أيضا ولحصيلة المستفيد من التطوع أن تتخذ الوجهين معنوية ومادية بحسب الأعمال الممارسه من الأول وطبيعته.
إن العمل الجماعي ينأى بنفسه عن البقية، ليكون عملا له مقصده وقواعده وأستراتيجية
أعمال منضبطه تحكم عمليات تأديتها وعلاقات ممارسيها وحتى تلك التي تربط المستفيد والجهات المستفيدة بالناشط الجماعي والتنظيم الجماعي، فهى اعمال مستمره عبر الزمن ومؤطره بإطر تخضع لقوانين البلد، ويجتمع فيها ما في التنظيم الإداري لأية مؤسسة ذات هيكل ولا يهدف إلى فك كرب الناس وحل مشكلاتهم لوهلة أو تحسين وضعهم عند ضائقة معينه أو التوجه إليهم بحفنة من الجنيهات تقيهم الحاجة والعوز اليوم وتعرضهم له في الغد.
إن الأرتباط بالمنظمات الغير ربحية، والألتزام من داخلها بالعمل وفق مبدأ التطوع ووفق أستراتيجيات وتصورات واضحه ونجاح الأمر، يعني التوفر على بيئة صحية ومواتية للأشتغال ومجتمع سوي على قدر عال من الوعى وفهم ماهية التطوع والتضحية ونكران الذات والأحتراق إن جاز التعبير من أجل تبديل وتحسين أحواله ومنظمات أخرى من ذات الجنس تحكم عملها قواعد الإدارة والتواصل والتدبير، ولا ترى في وجود الآخر كشخصية معنوية تهديدا لوجودها بقاؤها أو مكونا تنافسيا إن كان التطوع بما يقتضيه هو المؤطر الأول.

من البديهي جدا أن يكون مسار العملية التطوعية إنسان لإنسان ومجال، إذ إن المشترك أكبر من أن يخندق او يقوقع في الأعتقاد الديني والأجر الأخروي وما يتبعه من غيبيات وتبقى الحوافز الإنسانيه والخدمات الإنسانية إيجابا هما المنبع والمصب، ولا ضير إن كان التقدير والإقرار والاعتراف من الجهة المستفيدة جماعيا لا فرديا، حتى تصنع طغاتها من حيث لا تدري، أو تسهم في إفساد جيل مقبل من الناشطين

  
إن مظاهر فساد منطلقات التطوع ثلاث؛ الأولى تكون عبر تغليف حاجة سيكولوجية وجودية ذاتية بإرادة التطوع خدمة للإنسانية، حيث هو في الحقيقة تلبية لحاجة نفسية وتحويل لها ونقلها لشريحة واسعة من المجموعة المستهدفة، وقد لا يقف ضرها عند صاحبها (تصبح الحاجة ككرة الثلج وتؤثر في علاقاته الاجتماعية وفي ثقته بنفسه التي ستتجاوز الغرور بكثير) بل ستمتد لتصبح معدية وتفرخ نسخا أشد ضررا.

  وتكون الثانيه عبر تغييب أي حد فاصل بين العمل الجمعوي والعمل السياسي، وتعمد توحيد نوعية الفئة المستهدفة بأهداف ونوايا ترتكز على الاستمالة وعلى الطمع في قرب شخصي منها، حتى إذا ما احتاجها المُمَارس وجدها ما زالت تعتبر نشاطه وتطوعه من أجلها عطية من عنده، وجب رد الدين له، ويفضي إلى الاستدراج السياسي، وتتلوث بيئة الاشتغال بشكل يضر بسائر أفراد وهيئات المجتمع ويحدث أزمة ثقة بين الجميع.

 أما المظهر الثالث، يتجلى في وضع الممارس الربح المادي أولا نصب عينيه، وقد يصل الأمر حتى تضخيم تعويضات التنقل والجهد الإضافي التي يكون الاتفاق عليها مع التنظيم مسبقا، وهذا النوع يتخذ من مصلحته المادية الشخصية حافزا أولا للعمل الجمعوي، ويجعله موردا ماليا أساسيا له، وهو ما يسمى بالإنسان الاقتصادي الذي تحركه الدوافع الاقتصادي بشكل أساس.
إن العمل التطوعي الخيري أو الجماعى الإحساني، محمودان في ظاهرهما لكن ضرهما أكثر من نفعهما فالمرحلة تفرض علينا المرور إلى العمل المؤسساتي الذي تحكمه قواعد وأسس ومخططات عمل تلامس كافة أطراف التنمية الشموليه وتضع المستفيدين منه صلب العملية برمتها بحيث تجعلهم مشاركين ومستفيدين في الآن ذاته.
تكمن خطورة المبادرات الفردية المعزولة والمترامية حتى في الأزمنه، في أن الفئة المستهدفة قد تألف وتعتاد على العطية وتجهض فيها أية نية للتحرك وإنتاج نظامها اليومي وواقعها التنموي، وهذه المبادرات بالطبيعة محكومة بالانهيار التام مع موت كلي للرغبة داخل أصحابها.
ويبقى العمل التطوعي الجماعى الحق هو جعل الحافز الإنساني هو المحرك والسبيل والأساس لمبدأ التطوع من أجل وفي الإنسان، وجعل تحسين وضعية الفرد في المجتمع ومن ثم المجتمع برمته، هدفا له، والمحصلة النهائية ستكون أستفادة أكبر قدر من المواطنين من مهارات وخبرات من آثروا على أنفسهم حب الإنسان والتطوع وتطوير أفراد المجتمع وفهم وسلوكياتهم وبالضرورة لا بد من إعادتهم للإنسانية بنفس ورغبة وإرادة أقوى.