الرئيس

رفعت عوض الله
2019 / 10 / 4

الرئيس
في الدول التي تعيش قيم الحضارة والحداثة ،وفي القلب منها قيمة الديمقراطية كل من هو في موقع للسلطة سواء اكان رئيسا او نائبا في البرلمان انما هو مجرد مواطن مثله مثل سائر المواطنين . وهو اتي لموقعه بانتخابات حرة نزيهة لكي يصير خادما للناس ، ووكيلا عنهم لإدارة شؤونهم ، ويخضع لمراقبة مجتمعية ،واخري من قبل البرلمان . ويستطيع ابسط مواطن ان يوجه له النقد والنقد الحاد بل والسب أحيانا .
كل من يعترض وينتقد ويصم إدارة الرئيس والحكومة بالفشل لا يتعرض لاعتقال ، ولا توجه له اتهامات .
الرئيس مجرد مواطن في موقع المسؤولية التي لا تمنحه امتيازات ، ولا وضع استثنائي
اما في دولنا التي مازالت تعيش روح العصور الوسطي ، والتي كان فيها الملك والسلطان والامبراطور والخليفة حاكما بأرادة الله ، وبالتالي فهو فوق الناس ، وله ان يبطش ويقتل ويرهب ويسجن وينكل ،لا وجه للمعارضة .
وكان من هم حوله يسبحون بحمده ويبثون الخشية والفزع والرعب منه في نفوس الرعية المحكومة.
في بلادنا المتخلفة مازال الحاكم يحكمنا بهذه الروح فهو ليس واحدا منا وانما هوفوقنا ، وهو السيد ونحن لسنا ابدا سادة .
هو العالم وحده بامورنا ومشكلاتنا ، وهو وحده من يحل ويقرر ويشرع ، ونحن علينا ان نقبل كل ما يصدر عنه بالشكر والطاعة والحمد ، والويل كل الويل لمن يخرج عن الصف ويعترض ، فليس له سوي العقاب والتنكيل والتشريد .
بعد ان استولي الاخوان المسلمون بتواطؤمن قيادة الجيش المصري وامريكا علي الحكم وجاء المدعو محمد مرسي رئيسا لمصر ، ولما اعلن عن مشروعه ومشروع تنظيم الاخوان باخونة واسلمة مصر امتعض الناس ولم تتعاون اجهزة الدولة معه مما اظهر فشله في إدارة البلاد ، وخرجت المظاهرات العارمة الكاسحة ضده وضد الاخوان ، ولولا تدخل الجيش مساندا لثورة الناس لاستطاع مرسي وجماعته قمع الثورة وسفك دماء المعترضين .
في 30 يونيو 2013 تم خلع مرسي ، وفي 3 يوليو من نفس السنة اعد وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي خارطة للطريق ودعا رموزا في الدولة المصرية والازهر والكنيسة وأيضا السلفيين لاجتماع لتقرير هذه الخارطة .
تم تعيين رئيس مؤقت ، وكتابة دستور جديد ثم انتخابات ترشح فيها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي ، وفيها فاز بأكتساح .
تنفس الناس الصعداء ، وعم الارتياح فمصر تخلصت من كابوس الاخوان وها هي تبدأ مرحلة جديدة تبشر بالامل والتفاؤل في مستقبل طيب .
صور الرئيس الجديد المحبوب من قبل معظم المصريين ، صور الوضع في مصر علي انه خرابة، وان مصر ليست دولة ولكن شبه دولة ، وعلينا إعادة بنائها بالجهد وشد الاحزمة .
رحب الناس بدعوة الرئيس ، واستبشروا خيرا .
لكي نفهم طريقة تفكير الرئيس ونظرته لنفسه ، ودوره المحوري علينا ان نعود للوراء قليلا إلي عصر الخديوي إسماعيل حفيد محمدعلي الكبير .
هذا الباشا تعلم في أوروبا ، وعاش مظاهر الحضارة الاوروبية في إيطاليا وفرنسا ولما صار حاكما لمصر حلم بان تصير مصر قطعة من أوروبا ، مصر المتخلفة الفقيرة ، والتي تخلو مدنها من مظاهر الجمال ، والحضارة . فشرع الرجل في عملية تحديث كبيرة جدا شملت انشاء مدارس وشق ترع وقنوات وتجميل القاهرة بشوارع علي غرار شارع الشانزليه بباريس ، وتعبيد طريق يصل للهرم ، وبناء اول دار مصرية للاوبرا ، وحفلات اسطورية احتفالا بأفتتاح قناة السويس وغيرها من المشروعات الجميلة .
وقع الحاكم الطموح في فخ الاستدانة من البنوك الأوروبية ، وانتهي الامر بعزله ، ولم يكمل بعد مشروعه الحداثي .
نعم ان الخديوي إسماعيل قد انجز مشروعات تحديثية جليلة ، ولكنه كان يسعي وراء مجده الشخصي واظهار ان مصر قد حاكت أوروبا المتقدمة . وعلي هذا لم تصب مشروعاته التحديثية في مصلحة جموع المصريين الفقراء والذين فتك بهم المرض والفقر والجهل إلا قليلا .
من هذا المنظور ننظر لـلرئيس السيسي ، فنراه ينشيئ طرقا جديدة ويبني مساكن لساكني العشوائيات ، ويبني عاصمة جديدة ، ويحفر تفريعة جديدة لقناة السويس ، وكل هذا جميل ومحمود، ولكنه يثقل الناس بالضرائب ، وعوم الجنيه المصري فزاد الغلاء جدا ، وأصبحت النقود بلا قيمة عملية في السوق .
وفصل مجلس نيابي علي مقاسه . المفترض في المجلس النيابي انه يشرع قوانين جديدة ويراقب الرئيس والحكومة ، ويعترض فلا يستطيع الرئيس ولا الحكومة ان تسلك وتدير كما يحلو لها بل وفقا لضوابط حاكمة .
وحول الاعلام الذي مهمته إخبار الناس بما يدور وعرض وجهة النظر والوجهة الأخرى المضادة فتستنير الناس وتفكر . حول الاعلام الي أداة تعرض إنجازات الرئيس وتسبح بحمده ولا وجود لرأي اخر مخالف . واذا اعترض معترض واذا خرج الشباب الذين يحبون مصر وينضحون وطنية فهم خونة واذناب للاخوان فيتم القمع والاعتقال والرمي في السجون وتلفيق التهم .
مجلس الوزراء ما هو الا سكرتارية لها فهو الحاكم والمفكر والمقررالواحد.
اذن الرجل رغم وطنيته وكثرة إنجازاته لا ينطلق في عمله من منطلق مصلحة المصريين ، ولكن حتي يذكر التاريخ إنجازاته ومشروعاته .
آفة الحكام الذين حكموا مصر في العصر الحديث بداً من محمد علي مؤسس مصر الحديثة ، ومرورا باسماعيل الطموح وجمال عبد الناصر و السادات وانتهاء بالسيسي انهم يعملون علي بناء مجدهم الشخصي ، وتمرير مايرونه وكأنهم وحدهم هم من يملكون العقل والحكمة ، وفي نظرهم من يخالفهم مرتكب لأثم كبير وعقابه والتنكيل به واجب .
لذا كل جهود النهضة والتغيير والتحديث لم تصل لقاع المجتمع المصري فبقي المصريون رهن القهر والمرض والفقر والجهل .
علي الرئيس ان يتغير ويصير حاكما حديثا ويصبح خادما للناس وموظفا لدي عموم المصريين

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير