البتول

إبراهيم رمزي
2019 / 10 / 4

كنا في حصة التربية الدينية، ومعلمنا قد شد انتباهنا إليه، بحديثه عن "الجزاء الأخروي". وملَكَ مشاعرنا وأفئدتنا بتشويقه، وأسلوب عرضه الموغل في إبداعات الخيال. وكانت "عواطفنا" الدينية تزداد رهافة وصفاء. وكانت أرواحنا تغادر أجسادنا الصغيرة لتحلق في عوالم الخيال العريضة.
كل واحد منا كان موقِنا في أعماق نفسه أنه من الزمرة التي تعنيها الآية القرآنية: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾. وإذ استطرد معلمنا في شرح هذه الآية، سبَحت العقول والمهج في ملكوت من النعيم، وحلت بنا سعادة غامرة. فكأننا دخلنا الجنة نسير فوق سندسها الأخضر، نشرب من أنهارها العسلية، ونسبح الله ـ جل جلاله ـ مع الملائكة الأبرار، والأنبياء والمرسلين، والصالحين والمومنين، .. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ..
ـ ... (وتابع معلمنا) ... وانتبهوا إلى معنى: البتول، لغويا: فهي المرأة العفيفة الطاهرة الذيل التي لم تتزوج أبدا، ولم يمسسها بشرٌ، ..
ـ لا يمكن .. هذا غير صحيح ..
قلتُها وأنا أهبّ من مكاني واقفا، دون سابق استئذان.
وجّه الجمعُ أبصارَهم نحوي، وعلى وجوههم ألفُ علامةِ استنكارٍ لتصرّفي .. وألف علامة استفهام عن سبب ما قلتُ ..
وأصابتْني الحيرة والخجل، وأنا أرى النظرات تحاصرني. خجلت من نفسي لأني عكّرت على الجميع صفاءَ لحَظاتهم. وقطعت عن نفسي متعة روحية كنت غارقا فيها بحواسي وعقلي وخيالي. دهشت من نفسي كيف أتيتُ فِعْلي ولم أكن أعددتُ له من قبل. ولكن مجرد ذكر "البتول" ولّد في نفسي ردا عكسيا لا شعوريا.
غضضت بصري خجلا. وتمتمت بكلمات الاعتذار بصوت متهدّج. بقيت واقفا أنتظر تأنيبا أو زجرا أو عقابا .. ولكن صوت معلمي جاءني هادئا وادعا رحيما:
ـ لماذا تعترض على شرحي لكلمة البتول؟
رفعت بصري نحو معلمي، وكان الكلام يحتبس بحلقي. رسم على شفتيه ابتسامة استطلاع مشجعة. فقلت:
ـ لأن البتول هي زوجة عمي، ولها أبناء، .. ثم إنها شريرة تذيقني ألوانا من العذاب، ولا تستحق دخول الجنة، ..
قال معلمي: .. ولكن حديثنا يدور حول مريم العذراء، وليس عن زوجة عمك.
وضج الفصل بالضحك. ومع ذلك لم أبال بسخرية زملائي، بل أحسست براحة نفسية كأني أنزلت عن ظهري حملا ثقيلا.
انتهت حصص ما بعد الزوال، وسار كل واحد في اتجاه بيته، إما منفردا أو مع جماعة. كانت بيوتنا تبعد عن المدرسة بحوالي أربع كيلومترات، نقطعها كل يوم أربع مرات مشيا على الأقدام، ولا نركب الحافة إلا في الأيام الممطرة.
وكان سِرْبُنا يتناقص عددا كلما ودّعنا زميلٌ وَصَل إلى السبيل المؤدّي لبيته. ولم يبْق في السرب غير ثلاثة. ثم ودّعني زميلاي، فتابعتُ طريقي.
سرت مسافة قليلة وإذا الدم "يتجمد" في عروقي. اختفتْ سنواتي العشرُ فجأةً، وحَلَّ محلّها عبء شيخوخةٍ فجائية. صار الهلع ينهش قلبي، وعيناي تدوران وكأنهما تقفزان من وجه لوجه .. يا لمصيبتي في هذا اليوم .. كيف نسِيتُه؟ أين يكون؟ هل رافقَنا في سربنا؟ أتُراه سبقنا في العودة؟ هل رجع ماشيا أم راكبا؟ إيّاك أن تفعلها يا "حسن". إياك أن تكون أكثر نذالة مما أنت عليه. إياك أن تكون عجّلت بالإياب لتنقل لزوجة عمي ما قلت في الفصل، عسى أن تحظى منها بريال.
وقفت عند رأس الدرب لا أجرؤ على الاقتراب من البيت، متحاشيا ألا يبدو علي الاضطراب. أسأل عن حسن، ولكن حسنا لا يظهر له أي أثر. لا شك أنه الآن جالس أمامها يرشف كأس شاي قدّمتْه له، وتستزيده أن يحدِّثها عن "شقاوتي"، وما أقوله عنها في غيبتها. لعله يحكي، وكلما آنَسَ في عينيها رضىً عنه وسَخَطاً عليّ، استنجد بخياله ليلوّن كلامَه، ويستدِرّ رضاها أكثر. ولا يستبعد أن تكون أمه برفقته لتدلي ـ أيضا ـ بـ "شهادتها".
تتكاثف أفكاري السوداء، ويقشعر جسمي، وأنا أتخيل هول ما ينتظرني. وتطفر قطرات من البول لم أستطع حبسها، ثم أرفع عينين دامعتين إلى السماء أستنجد بها:
ـ خذني ـ يا رب ـ إلى جوار أمي .. في رحاب صفْحِك الفسيح الرحيم، حتى تخلصني من عذابي الذي أحياه. سبحانك.
وتنزل بقلبي بعض الطمأنينة .. ويرحل خيالي إلى "فضاء الجنة".. لم يخرجني منه إلا أذان المغرب .. فعدت إلى الواقع، فتجدد الهلع.
ـ أين أنت يا حسن؟ أستحلفك بكل عزيز لديك لا تقل لها .. سأعطيك عشر ريالات .. كلما حصلت على ريال وفّرته لك .. أين أنت؟ ولكن حسنا لا يظهر.
دخلت البيت متسللا، وأنا أسترق السمع، لأستشعر الخطر قبل حدوثه، ولأنجو بالهرب إلى الزقاق .. وباغتني الصوت الذي جمّد أعضائي وشلّ حركتي:
ـ أهذا وقت رجوعك المعتاد من المدرسة؟
ـ لا تصَدِّقي يا ...
وقبل أن تتجاوز الكلمات شفاهي نزلت يد جامدة باردة على عنقي تعصره وتخنقه .. وأحسست بجسمي يرتفع في الهواء، ثم يرتطم رأسي بالجدار مرة، وجسمي بالأرض مرة، .. ثم توالى الضرب مشفوعا بكل أنواع السباب لأصلي وفصلي .. تكورت على نفسي، محاولا التقاط أنفاسي من بين السعال .. أصرخ بكلمات الاستعطاف والاسترحام والألم .. فكأنني أطلب المزيد من الركل والرفس .. أحاول أن أقي رأسي وموضع الضرب بجسمي بكفين نحيلتين .. أزحف على الأرض رغبة في الابتعاد والإفلات .. بحثا عن طريق للهرب .. فأصطدم بالجرة فتتكسر .. فيصبح جسمي هدفا لشَقَفها .. ولا أدري كم استمرت المطارة والضرب والرماية ..
ولم يوقفها إلا بكاء صغارها وقد جزعوا لمنظر الدم وقد خضب وجهي ويدي وملابسي والأرض ..
وقفت البتول عند رأسي تطحر كبغل يجر عربة في عقبة، تأمرني أن أنهض وأنظف كل ما لطخه الدم، وأن أجمع الشظايا وأنظف الأرض ..
وتحاملت على تفسي مطيعا، يختلط دمي ودمعي ومخاطي، بكظم أنيني وارتجافي .. كل جزء من بدني يوجعني وينبض ألما .. وحاولت الكنس والمسح، ولكن الجرح ما زال يتفصد .. وتسقط قطرات لزجة على الزليح فأعيد المسح ..
وربما أدركت البتول ـ بعد لاْي ـ "خطورة" الحالة التي صرت عليها، فجاءت بكحول وضماد لتربط رأسي، وهي تسب وتلعن وتتوعد،
ولكي "تبرّر" ما حلّ بي، كانت تكيل لي لائحة من "الاتهامات" مما يستوجب "عقوبة الإعدام"، ولكن "حصافتها" دعتها إلى "الرأفة" بـ"المتهم" والاكتفاء بتأنيبه وتذكيره بفداحة ما اقترف:
ـ هذا درس لك لكي لا تتأخر أبدا .. لم أجد من يهدهد الصغيرة حتى تنام (والمقصود أن أحزمها على ظهري، وأتجول بها ـ في البيت، أو الزقاق ـ وأن أربت عليها، إلى أن تستغرق في نومها) ... ولم أجد من يغسل خِرَقَها .. ولا من يشعل الفحم في الموقد .. ولا من يُنزل الغسيل من السطح .. ولا من يهيء الخضروات ويقشرها .. ولا من يتبضع من الدكان ..
وكان معنى كل ذلك، أنني أخللت بمجموعة كبرى من مسؤولياتي "البيتية".
ـ اجثمْ على الأرض، أراحني الله منك.
وينفذ الكحول إلى الجرح يلسعه، فأنتفض وأزمع الوقوف .. ولكن لطمة منها تعيقني .. أصرخ ألما، فتصرخ بي: "هس"، فأكظم إجهاشي وألمي وارتعاش جسمي.
وأخيرا ينزل الفرج في صورة أمر: هيا إلى فراشك ولا تغادره .. اسحب الغطاء على رأسك .. وحذار أن أسمع لك نأمة، أو تقول شيئا لعمك، وإلا ..
وكان معنى ذلك أن أتوجه إلى مكان نومي بالكوخ الخشبي المقام بالسطح، والذي يستغل لكل الأغراض، فهو مصبنة، ومستودع المحفوظات والمتلاشيات، وأحيانا خُمّاً .. وعلي أن أتظاهر بالنوم .. وأن أتحاشى مقابلة عمي حتى لا يلحظ حالتي. وعلي أن أنصرف صباحا باكرا إلى المدرسة قبل استيقاظه .. ومثلما بتّ بدون عشاء، يمكن أن أنصرف بدون فطور ـ إن اقتضى الأمر ذلك ـ باستثناء كسرة خبز تسد الرمق. تصرّفٌ أخذت أتعود عليه، مثله مثل الكذب على عمي عندما سألني ـ سابقا ـ عن سبب الجرح الغائر فوق حاجبي.
جلست في آخر الفصل. دخل معلمنا، ثم كتب على السبورة آيات قرآنية عن الرحمة. قرأ التلاميذ بالتناوب ما كتب .. ولما جاء دوري، استظهرت الآيات، وقد أشحت بوجهي عن السبورة. وكأنني أعلن تمردي: "هأنذا أحفظها، ولا تأثير لها على أحوالي". نوه المعلم بقراءتي وحفظي. وأثار انتباهه الضماد على رأسي، وبعض الكدمات بوجهي، فدنا مني يسألني:
ـ ماذا حدث لك؟
لُذْتُ بالصمت. أحنيت رأسي.
قال: أهي البتول؟
خنقتني الدموع، وسالت ساخنة حرّى على وجنتيّ، فكانت أبلغ من الكلام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت