سُوءُ تَفَاهُم سياسي مُدْهِش

عبد الرحمان النوضة
2019 / 10 / 3

قبل الكلام عن الأحزاب السياسية بالمغرب، وقبل الحديث عَمَّن هي يَمِينِيَة، وعَمَّن هي يَسَارِيَة، يُستحسن البدء بِتَصْنِيفِهَا، ولو بسرعة (خاصّةً بالنسبة لغير المغاربة).
فَتُوجد أحزاب سياسية مُتَمَاهِيَة مع النظام السياسي القائم. ونَصِفُهَا بكونها «تَابِعَة» للنظام السياسي. لأنها مُسَخَّرَة لِخِدمة هذا النظام، والذي نطلق عليه اِسْمًا مُسْتَعَارًا هو اِسم «المَخْزَن». ونصفُ الأحزاب التابعة له بكونها «مَخْزَنِيَة». ومنها مثلًا: «حزب الاستقلال»، و«حزب التجمّع الوطني للأحرار»، و«الحركة الشعبية»، و«حزب الاتحاد الدستوري»، و«حزب الأصالة والمعاصرة»، إلى آخره. ورغم التَـفَاوُتَات الموجودة فيما بينها، فهي أحزاب يَمينية، ورأسمالية، وتَـقْتَاتُ من الفساد، وتَنْتَعِشُ من الرِّيع الاقتصادي، ولَا تلتزم بأيّة مبادئ سياسية ثابتة، ولَا تظهر سوى أثناء مناسبات الانتخابات البرلمانية والمحلّية.
ويُوجد صِنف آخر من الأحزاب، يَنْحَدِرُ من «الحركة الوطنية» التي ناضلت من أجل استقلال البلاد من الاستعمار. ومنها «حزب الاتحاد الاشتراكي»، و«حزب التقدّم والاشتراكية». وقد كانت هذه الأحزاب تَقَدُّمِيَة، ومُكَافِحَة، وثورية، بين سنوات 1960 1980. ثم تَخَلَّلَتها تطوّرات في بنياتها الطبقية، وفي فكرها، وفي مُمَارساتها السياسية. فتحوّلت من أحزاب تَـقَدُّمِيَة، أو ثورية، أو اشتراكية، إلى أحزاب وَسَطِيَّة، ثم أحزاب يَمِينِيَة، ورَأْسَمَالِيَة، ومُحافظة. وغدت هي أيضًا مُتَمَاهية مع النظام السياسي القائم. فَلَا تَنْتَـقِدُهُ، ولَا تُعارضه في أيّ مجال. ولا تهتم جدّيًا بتطوير المُجتمع. وتكتفي باقتناص الفَوائد السياسية والانتهازية.
وتُوجد أحزاب أخرى يمكن وصفها باليسارية، أو بالثورية، أو بالاشتراكية. ولو أن خُطوطها السياسية تتفاوتُ نسبيا فيما بينها. وهي أربعة: «حزب الطليعة»، و«حزب الاشتراكي المُوَحَّد»، و«حزب المؤتمر الاتحادي»، و«حزب النهج». وتجتمع الأحزاب الثلاثة الأولى (الطليعة، والاشتراكي الموحّد، والمؤتمر الاتحادي) في «فِيديرَالية اليسار». ومجمل هذه الأحزاب تكوّنت تَبَعًا لانشقاقات حزبية، ولِصراعات سياسية، خرجت من "حزب الاتحاد الاشتراكي". وتَتَـفَاوَتُ هذه الأحزاب الأربعة فيما بينها، في بِنْيَاتِها الطبقية، وفي اختياراتها الفكرية، وفي خُطُوطِهَا السياسية العملية، وفي استعداداتها النضالية، وفي أساليب تحرّكها.
وتُوجد أيضًا أحزاب "إسلامية" أُصُولِيَة، ظهرت على الخُصوص بعد فوز «الثورة الإسلامية الخُمَيْنِيَة» في إيران، في سنة 1979، وبعد انخراط الأمراء والدويلات البِتْرُولِيَة في الشرق الأوسط في تَمْوِيل حركات إسلامية أصولية «جِهَادِيَة» لِمُحَاربة الشيوعيين واليساريين، أَوَّلًا في أفغانستان، ثم في الكثير من البلدان المُسلمة. وأبرز الأحزاب الإسلامية الأصولية بالمغرب إِثنان: «حزب العدالة والتنمية»، و«حزب العدل والإحسان». وهما حزبان قويّان بعدد أعضائهما وأنصارهما. ويَختلفان نسبيا في أفكارهما، وفي ممارستهما. وتعترف الدولة بِـ "حزب العدالة والتنمية". وهو الحزب الأول في البرلمان، وكذلك في عدد من "الجماعات المحلية". ويعلن "حزب العدالة والتنمية" وَلَاءَه وتَجَنُّدَه لِخِدْمَة النظام السياسي القائم. ويُنَـفِّذُ بِحَمَاس توجيهات القصر الملكي، وإملاءات المؤسّـسات المالية الإمبريالية المُقْرِضَة. وساهم في قمع كل الحركات النضالية الجماهيرية الحاشدة (مثل "حركة 20 فبراير"، و"حِراك الرِّيفْ"، إلى آخره). ويُطبّق رغبات نقابة المقاولين الكبار (CGEM). ويَتَمَسَّكُ بالرأسمالية المتوحّشة، ويُطبّق حاجياتها، ولو كانت تسحق الكادحين. بينما "حزب العدل والإحسان" لم يحصل بعد على ترخيصه القانوني كحزب، لأن السلطة تخاف من تَنَامِي قوّته. ولم يُشارك إلى حدّ الآن في المنافسات الانتخابية. وميزة "حزب العدل والإحسان" هو أنه يشارك، في بعض الحالات فقط (وليس كلّها) من المظاهرات، أو المسيرات، أو الوقفات الاحتجاجية، التي تحدث في الشارع. بينما يُعارض "حزب العدالة والتنمية" كل النضالات الجماهيرية. ويقول "حزب العدل والإحسان" أنه يُعارض النظام السياسي، لكن «معارضته» لَا تنطلق مِنْ منطلقات ديمقراطية، وإنما من منطلقات الدفاع عن "دولة الخلافة الإسلامية". ويَجهل كثير من الملاحظين المواقف الدَقِيقَة لِـ "حزب العدل والإحسان" من العديد من القضايا (مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والرأسمالية، والإمبريالية، إلى آخره). وتبقى كثير من مواقف هذين الحزبين الإسلاميين الأصوليين غامضة، أو مُتَـقَلِّبَة عبر الزمان. وتُوجد تفاوتات في مواقفهما. وتحرص دائمًا الأحزاب الإسلامية الأصولية على إخفاء طَبِيعَتِهَا «اليَمِينِيَة»، أو «الرِّجْعِيَة». وتُـقَدِّم نفسها إلى جماهير الشعب كما لَوْ كانت «تـقدّمية»، أو «ثورية». بينما "حزب العدالة والتنمية"، و"حزب العدل والإحسان"، هما معًا حزبان مُحافظان، ويَمينيان، أو رجعيان. ويُساندان معًا الرأسمالية، ولا يتصوّران وُجُود بديل عنها. ولا يُعارضان التبعية للإمبريالية. [وأستعملُ اِسم "حزب العدل والإحسان" بدلًا من الاِسم الرسمي الذي هو «جماعة العدل والإحسان». لأنه، حتى لو لم يمنح النظام السياسي القائم رُخْصَة لِتَحَوُّل هذه «الجماعة» إلى «حزب»، فإنها تُشَكِّل في الواقع «حزبا» قائمًا بذاته].
وكل حزب، سواءً كان يَمِينيًا، أم يساريًّا، يتطوّر بشكل تَدْرِيجِي، ومُتَواصل، وغير مُدْرَك بالحِسِّ. وذلك تَبَعًا لِسَيْرُورَة عَنَاصِر كثيرة، ولِتَـفَاعُلَات مُعقّدة. ويمكن أحيانا أن يتحوّل حزب إلى نقيضه، خلال سنوات معدودات، دون أن يَعِيَ ذلك في حِينِه.
سُوءُ تَـفَاهُم سياسي مُدْهِش، في مَشْهَد سُورْيَالِي:
في الوقت الذي تجتهد فيه قيادات أحزاب اليسار الثلاثة [وهي: «حزب الطليعة»، و«الحزب الاشتراكي الموحّد»، و«حزب المؤتمر الاتحادي»] لِتَسريع وَتِيرة توحّدها في حزب واحد، تجتهد قيادة حزب النهج لِتَبْرِير تَـقَارُبِهَا، أو تحالفها، مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي. وتعتـقد أحزاب اليسار الثلاثة أن تجاهلها لِـ "حزب النهج" يمكن أن يدوم إلى الأبد. وهذا مشهد سياسي سِرْيَالِي (surréaliste). وتتكلّم مُجْمَل أحزاب اليسار الأربعة عن هذه الوضعية كأنها عَادِيَة. بينما أعتبرها شخصيا غريبة، وغير مقبولة. ويمكن أن تؤدّي هذه الظاهرة إلى تطوّرات خطيرة. وأقلّ هذه التطوّرات خُطُورَةً: أن يتحوّل "حزب النهج" إلى حليف ضعيف، أو خَاضِع، أو تَبَعِي، لحزب إسلامي أصولي، ورأسمالي، ويميني. ويمكن أن تُـأَثِّـرَ سَلْبِيًّا لَا عَقْلَانِيَةُ هذه المُمَارسات السياسية على النضالات الجماهيرية الدِفَاعِيَة، فَتَجْعَلُهَا أكثر صُعُوبَةً، وأكثر نُدْرَةً. وأخطر هذه التطورات: أن تُؤَدِّيَ الأخطاء المُتَوَالِيَة لِـقِيَادَات أحزاب اليسار (الأربعة) بالمغرب إلى اضْمِحْلَال، ثُمّ انـقرَاض، مُجمل أحزاب اليسار على المدى المتوسّط. [سبقَ مثلًا للحزب الشيوعي الفرنسي أن كان أقوى أحزاب فرنسا في قرابة سنة 1948. وكان هو حزب الطبقة العاملة بِامْتِيَاز في فرنسا. لكنه اِنْدَثَرَ منذ قرابة سنة 1995].
وأسأل الرفيق عبد الله الحريف (وهو الكاتب العام السّابق لِحِزْب النهج): من يجب أن يسبق في الفترة التاريخية الحالية، هل التَـقَارُب، أو التَعَاوُن، فيما بين مُختلف قوى اليسار؟ أم التقارب والتعاون بين قوى اليسار والقوى الإسلامية الأصولية؟ من خلال تَبَاعُد "حزب النهج" عن أحزاب اليسار الثلاثة، وفي نفس الوقت، تَـقَارُبُه وتَعَاوُنُه مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي، يظهر أن "حزب النهج" قَلَبَ المَنْطِقَ على رأسه، وسَبَّقَ ما كان ينبغي أن يُؤَخِّرَهُ.
ونَطْرَحُ السؤال التالي على "حزب النهج": لماذا تَبْتَعِدُ عن ثلاثة أحزاب «تقدّمية»، و«ديموقراطية»، و«يسارية»، و«اشتراكية»، تُشبهك في الكثير من الأفكار، والطُموحات، وتـقتَرِبُ، في الوقت نفسه، من حزب إسلامي أصولي يَختلف عنـك، أو يتناقض معك، في كل شيء؟ أَلَا يَدُلُّ هذا السُّلوك على أن حزب النهج يَسِير طِبـقا لِمَنْطِق غير عادي؟ وإذا كان "حزب العدل والإحسان" «يُعارض» النظام السياسي القائم بالمغرب، فهذه «المعارضة» لَا تعني أن "حزب العدل والإحسان" هو حزب «تـقدّمي»، أو «ثوري»، أو «ديموقراطي». وكيف يمكن لحزب إسلامي أُصُولي، مثل "حزب العدل والإحسان"، أن يكون «تَـقَدُّمِيًّا»، أو «ثوريا»، بينما هو ما زال يُعادِي «الديموقراطية»، و«حقوق الإنسان»، ويُعَادِي «فصل الدِّين عن الدولة»، و«فصل الدِّين عن السياسة»، ويرفض «حرّية العِبَادَة»، و«حُرّية عَدَم العِبَادة»، ويُصِرُّ على فرض «الشريعة الإسلامية» المُتَخَلِّفَة؟! بَلْ يبقى "حزب العدل والإحسان" حزبًا «رِجْعِيًّا»، لأنه لَا يرى من حَلٍّ لِمَشَاكِل المجتمع سِوَى عبر «الرُّجُوع» إلى الإسلام الأصلي، بِمُعْتَـقَدَاته المُقَدّسة، وتَـقَالِيدِه المُتَجَاوَزة، و«شَرِيعَتِه الإسلامية» المُتَخَلِّـفَة، والتي تَعُود إلى القرن السَّابِع الميلادي. وإذا كان "حزب النهج" يُبَرِّر «تَـقَارُبَه» أو «تَحَالُفَه» مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي بِحُجَّة ضرورة خلق «أَوْسَع جبهة شعبية ممكنة» لِخَوْض النضال ضدّ النظام السياسي المَخْزَنِي القائم، فَكَيْفَ يُعْـقَل في هذه الحالة، أن يُهْمِلَ "حزب النهج"، أو أن يُـقَاطِعَ، في نفس الوقت، ثلاثة أحزاب يسارية، وأن لَا يُحاول إشراكها في هذه «الجبهة» الواسعة؟ وإذا كان "حزب النهج" يعتبر أن أسباب مشاكل اليسار بالمغرب تأتي كلها من أحزاب اليسار الثلاثة، وإذا كانت في نفس الوقت أحزاب اليسار الثلاثة تعتبر أن مشاكل اليسار بالمغرب تأتي كلها من "حزب النهج"، أَلَا يكون حلّ هذا سوء التفاهم عبر الحوار المباشر، والجِدِّي، بين الطرفين، وعبر التواضع، والإِصْغَاء، وعبر تبادل النقد المسؤول، والبَنَّاء، والرَّصِين؟ وإذا كان حزب النهج يعجز، منذ سنوات، على التـفاهم مع ثلاثة أحزاب يسارية في "فيديرالية اليسار"، التي تُشْبِهُهُ في ميادين كثيرة وأساسية، فكيف يمكن لحزب النهج أن ينجح في التـفاهم مع حزب إسلامي أصولي يختلف عنه في كلّ شيء؟ هذا تصور غير واقعي. ورَدَّ عَلَيَّ عبد الله الحريف (كاتب عام سابق لِـ "حزب النهج")، وتجاهل، أو رفض، الانتـقادات التي سبـق لِي أن طرحتُها. وكتب الحريف: «يعرف الداني والقاصي أن [أحزاب] فيدرالية اليسار [الثلاثة]... هي التي رَفَضَت التّعامل مع [حزب] النهج، نظرا لموقفه من الانتخابات، والصحراء، والملكية البرلمانية». وأستنتجُ من جواب عبد الله الحريف تَأْكِيدًا لِصِحَّة العناصر التالية:
يُوجد فعلًا، ومنذ سنوات مُتوالية، سُوء تـفاهم، أو تَبَاعُد، أو نُـفُور، أو مُخَاصَمَة، أو تناقض، أو قَطِيعَة، بين "حزب النهج" وأحزاب اليسار الثلاثة الأخرى. وحسب عبد الله الحريف، أحزاب اليسار الثلاثة هي التي «رفضت التعامل مع حزب النهج». ولا تَنْـكُرُ بعض قيادات أحزاب اليسار الثلاثة أنها مارست فعلًا هذا «الرّفض». وقد يعترف بعض المسؤولين في قِيَادات أحزاب اليسار الثلاثة أن قيادة "حزب النهج" تُحْرِجُهُم بِرَادِيكَالِيَتِها التي تُبَالِغُ فيها، أو تَتَـفَاخَرُ بها، أو تُنَفِّرُهم بأساليبها التي تَنْـقُصُهَا المُرُونَة. ويعني هذا «الرفض» أن أحزاب اليسار الثلاثة هي التي «أَبْعَدَتْ» حزب النهج عنها، وليس حزب النهج هو الذي «ابِتَعَدَ» عنها. ويعني كلام الحريف أن "حزب النهج" كان مَدْفُوعًا إلى، أو مُكْرَهًا على، تـقارُبِهِ من "حزب العدل والإحسان"، لِتَلَافي تهميشه، أو لِتَجَنُّب عَزْلِه، في الساحة السياسية.
لكننا لَا نَـفْهَم بعدُ: من أين أتى سُوءُ التَـفَاهُم الضَّخم هذا (الموجود فيما بين "حزب النهج" وأحزاب اليسار الثلاثة)؟ وما هو السَّبَبُ في هذا «التَبَاعُد» (بين حزب النهج وأحزاب اليسار الثلاثة)؟ ومتى بدأ؟ وكيف حدث تاريخيا؟ ومَن هم الأشخاص، في قيادات أحزاب اليسار الأربعة، الذين تَسَبَّبُوا في حُدُوثِه (رُبَّمَا بِتَصَوُّرَاتهم المُسْبَقَة [préjugés]، أو بأساليبهم الفَظَّة، أو المُنَفِّرَة، أو المُتَعَالِيَة)؟ ومن هم قِيَادِيُّو اليسار الذين تَسَبَّبُوا، فِيمَا بَعْدُ، في تعميق هذا سُوء التـفاهم، أو في إِدَامَتِه؟ وما هي المجالات العَمِيقة، أو الخَفِيَة، التي تُوجد فيها حقًّا تناقضات مُستعصية؟ وهل حَقًّا «جَذْرِيَة»، أو «رَادِيكَالِيَة»، حزب النهج هي التي تُـثِـيرُ حَرَجَ أحزاب اليسار الثلاثة، وتَدْفَعُهُم إلى «الابتعاد» عنه؟ أم أن «المُيُول اليَمِينِيَة» المُفْتَرَضَة لدى بعض قِيَّادِيِّي الأحزاب الثلاثة هي التي كانت السبب في نُفُورهم من "حزب النهج" «المُتَيَاسِر»؟ وهل كانت حَقًّا مُدَاوَاةُ هذا سُوء التـفاهم مُسْتَعْصِيَة عند ظُهوره؟ وهل هذا سُوء التـفاهم قابل للعلاج، أم أن مُعَالجَتَه تَبـقى مُستحيلة؟ وهل هذه التناقضات تَنْتُجُ فقط عن تَنَافُر بين أشخاص قِيَادِيِّين مُحَدَّدِين في أحزاب اليسار؟ أم هل تَنْتُجُ هذه التناقضات عن خلافات فكرية، وسياسية؟ أم هل تَنْتُجُ هذه التناقضات عن تَمَايُزَات طَبـقيَة موجودة في قَوَاعِد هذه الأحزاب اليسارية؟ المُلاحظ أن رَدُّ الرفيق عبد الله الحريف تَغَاضَى عن إِثَارَة مثل هذه التساؤلات، وعن الغَوْصِ في تحليلها. واكتـفى عبد الله الحريف بالدفاع عن مَا يُسَمِّيه "حزب النهج" بِـ «بناء الجَبهة المَيْدَانِيَة الشّعبية المُناهضة لِلنِّظَام السياسي اَلْمَخْزَنِي» مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي [وليس مع أحزاب اليسار الثلاثة]. كأن هذا التـقارب بين "حزب النهج" و"حزب العدل والإحسان" سَيَتَكَـفَّلُ آلِيًّا بِمُعَالجة إشكاليات اليسار بالمغرب. بينما هو يُفَاقِمُهَا.
ويَتَّهِم البعضُ "حزبَ النهج" بِتُهْمَة «التحالف» مع "حزب العدل والإحسان". وقد يُوجد قَدْرٌ من المُبَالَغَة في هذه التُهمة. لأن ما هو حاصل في الوقاع، لا يرقى بعدُ إلى مستوى «تحالف» سياسي. وإنما هو نوع من التَحَاوُر، أو التَعَاطُف، أو التَـفَاهُم، أو التَـقَارُب، أو التَـقْدِير المُتبادل. وقد لا يرقى حتى إلى مستوى «تنسيق» مُمَنْهَج. وقد دَامَ هذا «التَـقَارُب» بين الحزبين عدّة سنوات. ولَا نعرف نتائجه السياسية. لأنه ليس من عادة هذين الحزبين أن يَنْشُرَا بلاغات عن علاقاتهما. ولم نلاحظ تأثيرا ملموسا، أو إيجابيًّا، لهذا «التَـقَارُب» على النضالات الجماهيرية المشتركة على أرض الواقع. وليس من عادة هذين الحزبين أن يُبَادِرَا إلى الدّعوة إلى خوض نضالات جماهيرية حاشدة، أو إلى المشاركة الفَعَّالة في تأطيرها (حيثُ لم نُلَاحِظْ مثل هذا السُّلُوك أثناء "حركة 20 فبراير" في سنة 2011، أو في "حراك الرِّيف" في الشمال، أو في حِراك "زَاكُورَا"، أو في حِراك "جَرَادَة"، في سنة 2018، إلى آخره).
ويظهر كأن حزب النهج يُريد أن يَـسْـتَـعِـيـضَ عن اِسْتِحَالَة مُـفْتَرَضَة في مجال تَعاونه مع أحزاب اليسار الثلاثة، بِسُهُولَة مُـفْتَرَضَة في مجال تعاونه مع "حزب العدل والإحسان". وأنا لم أَشْهَد في الميدان، لَا الظاهرة الأولى، ولَا الثانية.
وإذا كان تعامل حزب النهج مع "حزب العدل والإحسان" يستوجب النـقدَ، فهل كان تعامل أحزبا اليسار الثلاثة مع الإسلاميين الأصوليين سَلِيمًا؟ نلاحظ أن أحزاب اليسار الثلاثة اِكْتَـفَتْ بِرَفْض أيّ تعامل مع الإسلاميين الأصوليين (وخاصّة مع "حزب العدل والإحسان")، لكنها لم تطرح تصوّرًا مُعَمَّقًا، ومُتَكَامِلًا، لِتبرير هذا الموقف. كأن أحزاب اليسار الثلاثة تكتـفي بِتَجَاهُل ما لا يُعجبها، أو كأن الأحزاب الإسلامية الأصولية غير موجودة.
وقد عَبَّرَ "حزب النهج" شَفَوِيًّا عن عدم رِضَاه عن سُلُوك أحزاب اليسار الثلاثة تُجَاهَهُ. لكن "حزب النهج" لم يُـقدّم لنا نَـقْـدًا سياسيا مُـمَـنْـهَـجًا، ومتكاملًا، لأحزاب اليسار الثلاثة. والعكس صحيح. أي أن أحزاب اليسار الثلاثة عبّروا شَفَوِيًّا عن عدم رِضاهم عن "حزب النهج"، لكنهم لم يُـقدّموا نَـقْـدًا سياسيا مُمَنْهَجًا، ومتكاملًا، عن خصمهم، أو مُنافسهم، "حزب النهج".
فيصبح المشهد السياسي هكذا مُدْهِشًا، أو غَرِيبًا: أحزاب اليسار الثلاثة تُنَسِّق فيما بينها، وتَبْنِي «فيديرالية اليسار»، وتُنْجِزُ تَوَحُّدَهَا في حزب مُوَحَّد، دون أن تُحَدِّدَ ما هو التعامل المرجو مع "حزب النهج"، كأن حزب النهج غير موجود. وحزب النهج يَسْعَى لِبناء «الجبهة الميدانية» مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي، دون أن يُوَضِّح ما هو التعامل الذي يتمنّاه مع أحزاب اليسار الثلاثة، كأنّ هذه الأحزاب الثلاثة غير موجودة. وَكُلّ طَرَف منهما يَتَجَاهَل الطَرَف الآخر. وَكِلَا القُطبين يعملان وكأن هذه الوضعية عادية جدًّا. وكلّ قُطب يريد منا أن نعتبر سلوكه عاديًّا، وسليمًا.
والغَرَابَة الأولى المُلاحظة، هي أن "حزب العدل والإحسان" يتباهى بالعدد المُرتـفع لأنصاره، ويعتـقد "حزب النهج" أن تـقارُبَه مع "حزب العدل والإحسان"، سوف يَفُكُّ العزلة عنه، وسوف يُعَوِّضُ ضُعف حَجمه النسبي. كأن "حزب النهج" يُحاول الاسْتِـقْوَاء بِـ "حزب العدل والإحسان". أو كأنّ "حزب النهج" يريد الاِسْتِعَاضَة عن ضعف قوى اليسار بالتَعَاوُن مع "حزب العدل والإحسان". وإذا كانت هذه التصوّرات موجودة حَـقًّا، فإنها ستكون غير سليمة.
والغرابة الثانية الملاحظة، هي أن بعض القِيَادِيِّين في أحزاب اليسار الثلاثة (الفيديرالية) يُصِرُّون على «رفض التعامل» مع "حزب النهج"، وفي نفس الوقت، يَسْتَنـكرُون «تـَقَرُّبَه» من "حزب العدل والإحسان" الإسلامي. كأن أحزاب اليسار الثلاثة تَنْـكُرُ حقّ حزب النهج في محاولة فَكِّ العُزْلَة السياسية التي دَفَعُوه إليها. بِمعنى أن أحزاب اليسار الثلاثة «تُبْعِدُ» عَنْهَا "حزبَ النهج"، وفي نفس الوقت، تُعِيبُ عليه «ابْتِعَادَه» عنها.
والغرابة الثالثة الملاحظة، هي أن "حزب النهج"، وبعدما اعترف أن «أحزاب اليسار الثلاثة هي التي رفضت التعامل معه»، يعتـقد، تَبَعًا لذلك، أنه برئ من تحمّل أيّة مسؤولية في قضية «تَبَاعُدُه» عن أحزاب اليسار الثلاثة. كما يظنّ "حزب النهج" أنه برئ من أية مسؤولية في قضية «تـقارُبِه» من "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي. وبالتَّالي، إذا تساءلنا: من المسؤول عن الأوضاع الحالية غير السَارَّة لأحزاب اليسار الأربعة بالمغرب؟ الجواب المُعْطَى هو: لَا أحد مسؤول عنها ! ولماذا؟ لأن أحزاب اليسار الأربعة تَعِيشُ وكأنّ هذه الأوضاع عَادية، ومَقْبُولة، ومُريحة، وسَليمة !
[وتوجد غرابة مُمَاثِلة، أو "سِرْيَالِيَة" (surréaliste) أخرى مُشابهة، في الساحة السياسية بالمغرب. وهي أن حزبين آخرين، هما "حزب الاتحاد الاشتراكي"، و"حزب التقدم والاشتراكية"، يعتبران نفسيهما «تـقدّميين»، و«ديموقراطيين»، و«اشتراكيين». لكنهما يتحالفان أَوَّلًا مع أحزاب «مَخْزَنِيَة»، و«يمينية»، و«محافظة»، مثل "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي الأصولي، ومع "حزب التجمّع الوطني للأحرار"، ومع "حزب الحركة الشعبية"، ومع "حزب الاتحاد الدستوري". وثانيًا، وفي نفس الوقت، يَحْتَـقِرُ كُلِّيًا "حزب الاتحاد الاشتراكي"، و"حزب التقدم والاشتراكية"، أحزاب اليسار الأربعة المذكورة سابقًا؛ ويرفضان أيّ حوار، أو تَشَاوُر، أو تنسيق، أو تعاون، مع هذه الأحزاب اليسارية الأربعة. ولَا يقبل "حزب الاتحاد الاشتراكي"، و"حزب التقدّم والاشتراكية"، أن يتعاملَا مع أحزاب اليسار الأربعة إِلَّا من مَوْقِع «القِيَادة التاريخية المُهَيْمِنَة»]!
ويمكن أن نتساءل: ما السِّر في «التَبَاعُد» الملاحظ فيما بين "حزب النهج" وأحزاب اليسار الثلاثة؟ أكيد أن أسباب هذا «التباعد» كثيرة، ومتنوِّعَة، ومعقّدة. ونَجِدُ ضمن أسباب سُوء التَـفَاهُم فيما بين أحزبا اليسار الأربعة، أنها تَتَمَيَّزُ بِتـقاليد، وتَفْضِيلَات، وحَسَاسِيَات، مختلفة. وهذه التقاليد والحساسيات تَعُود إلى الانتماء إلى "مَدَارِسَ سِيَاسية" تَاريخية، ومُتَبَايِنَة. وهذه "المدارس" في مجال السياسة، هي بِمَثَابَة "المَذَاهِب" في مجال الدِّين. ونجد في يسار المغرب "مَدْرَسْتَيْن سِيَاسَتَيْن" بَارزتين. المدرسة الأولى تَنْحَدِرُ من تجربة "حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" بين سنوات 1950 و 1960. والمدرسة الثانية تنحدر من تجربة "الحزب الشيوعي" المغربي في سنوات 1960. وتنتمي كلّ أحزاب اليسار الثلاثة [الطَّلِيعَة، والاشتراكي الموحّد، والمؤتمر الاتحادي] إلى «مدرسة حزب الاتحاد الوطني للقوّات الشعبية». وكلّها تكوّنت تاريخيا إِثْرَ انشقاقات عن هذا الحزب، أو عن خَلَفِهِ "حزب الاتحاد الاشتراكي للقوّات الشعبية". وتعيش تِلْقَائِيًّا هذه الأحزاب الثلاثة تَجَاذُبًا فيما بينها، وتَتَـفَاهَمُ بِسُهولة، وتتشابه في بعض خصائصها. وتَتَـقَارَبُ في تَوَجُّهَاتِهَا النضالية، وفي خُطُوطها السياسية. ويَغْلُبُ أحيانًا لَدَيْها النضال الديمقراطي الإصلاحي، وتُفَضّل أحيانا العمل من داخل مُؤسّـسات الدولة القائمة. وتبقى «ثوريتها» في كثير من الأحيان مُضْمَرَة، وليست مُعْلَنَة، أو بارزة. وتوافق أحيانا هذه الأحزاب الثلاثة على الاشتراكية، أو على الماركسية، دون أن تُحَوِّلها إلى مبادئ وَازِنَة، أو حَاسمة، سواءً في فِكرها، أم في خَطِّها السياسي، أم في مُمَارَسَتِهَا. بينما ينحدر "حزب النهج" من مَدْرَسَة "الحزب الشيوعي" المغربي، عبر انشقاق عن "حزب التحرّر والاشتراكية" وَقَعَ في سنة 1970. وتَنْهَلُ عَادَةً القوى السياسية المُنْحَدِرَة من "المدرسة الشيوعية" من التُرَاث الفكري الماركسي أو الثوري (في بُعْدِه العالمي). ويتميّز "حرب النهج" بِتَعَلُّق أكبر، وأوضح، بالماركسية، وبالاشتراكية، وبالثورية. وَيَحْتَاطُ حزب النهج أكثر من أوهام الإصلاحية، وينفر من العمل من داخل مؤسّـسات الدولة. ويقول بعض مناضلي "حزب النهج" أن حزبهم هذا هو «امتداد لمنظمة إلى الأمام» (التي انشقّت عن "حزب التحرّر والاشتراكية"). بينما في الواقع، يُوجد في عَمَلِيَة خَلْق "حزب النهج" جانبان: جانب «الامتداد» لمنظمة "إلى الأمام"، وجانب «القَطِيعَة» معها. وجانب «القطيعة» هو أكبر، وأهم، من جانب «الامتداد». وإذا أمكن لهذا التَفَاوُت في "المدارس السياسية" أن يفسّر جزءًا من «التَبَاعُد» الحاصل بين "حزب النهج" وأحزاب اليسار الثلاثة، فإنه لَا يُفسّر تَـقَاربَ "حزب النهج" من "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي.
ورغم هذا العرض المُبَسَّط في التَصْنِيف، يبقى الواقع أكثر تعقيدًا. لأنه تُوجَدُ داخل كلّ حزب يساري (من بين هذه الأحزاب اليسارية الأربعة) تَفاوُتَات، وتمايُزَات، وكذلك تطوّرات، في الأفكار، وفي الطموحات، وفي الممارسات، وفي الأساليب. ويَشْتَكِي أحيانًا مناضلو اليسار من النتائج السَلْبِيَة لِلْخِلافات الفكرية أو السياسية الموجودة فيما بين أحزاب اليسار الأربعةِ. لكن الغريب هو أنه يمكن أن نجد، بِدَرجة أو بأخرى، نفس الخلافات داخل كل حزب يساري مَأْخُوذ على حِدَة. وإذا كانت أحزاب اليسار الأربعة تختلف عن بعضها بعضًا (في مجالات الاستراتيجية، والممارسة، والأساليب، إلى آخره)، فإننا نجد، في نفس الوقت، داخل كلّ حزب يساري على حِدَة، تَـفَاوُتَات مُمَاثِلَة، أو اختلافات مُشَابِهَة، فيما بين أعضاء كلّ حزب يساري مُحَدَّد.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي