الشهداء القلائل

ساطع هاشم
2019 / 10 / 1

حدَثَتني وانا لا أؤمن بالأشياء المختلفة دينياً او أخلاقياً ولا يهمني امرها أبداً، عن العاصفة في الشرق الأوسط التي هبت والتي ستهب، وشعرت بأن حواسي لم تخدعني، وانتظرت مستمعاً اليها غير متأكداً من ان حواسي لم تخدعني، بسبب تلك الأنوار الخافتة القادمة من هناك وكأنها خالية من حرارة الضوء لأنها تلاشت سريعاً بالظلام وقبل ان تصلنا كاملة.

القلائل المتألمون حقاً، لهذا العذاب البشري المنتشر في كل مكان بالشرق مثل محدثتي هذه، هم الأبطال المجهولين الوحيدين الذين يملأون فراغ الشهداء مجهولين الهوية اليوم، اولئلك الذين ماتوا وهم يناضلون حقاً في سبيل الحياة، ولكن كيف سنعرفهم؟ هل ارتسمت على محياهم سمات الشهيد؟ هل هناك علامات فارقة تحدد هذا او ذاك؟ هل انهم موجودين فعلاً؟
الجواب ربما، رغم أني غير متأكد من جوابي، لأني استعمل الحدس وليس المعرفة في استقصاء أولئك الذين لا يريدون اشاعة مزيداً من الألم والدماء، من هم في قمة الألم ويبتسمون، من هم لا يشعرون بالفراغ المكاني او الزماني او الروحي او العقلي، لانشغالهم بلملمه وأرشفة آلام الآخرين وفي البحث عن تلك القوى المخفية التي تدير طاحونة الدمار واين توجد وكيف توجد، ومواسات المفجوعين المحاطين بالظلمة الحالكة كأنها حائط يحجبهم عن الدنيا من شدة ما وقع عليهم من استلاب ولصوصية وموت وهدر كرامة وانكسارات متواصلة.
فأمثال هؤلاء هم الامل ومن سيخرج الآخرين من الظلمة الى النور، ويرتفع بهم من كل ناحية واتجاه بصرخات الأمل والشقاء والعذاب والخوف، انهم النداء الذي سيخرجهم الى النور وتضاء الدروب بهم الى أن يتوارى كل شيء ويختفي، وتستمر العاصفة كأنها نداء التضحيات.
من أي نوع هؤلاء، وعلى أي شكل؟
هل للقانون او الطبيعة او التضحيات من حساب عندهم؟
كيف تعمل هذه المخلوقات الحزينة؟ مهما تكن العبارات التي يتفوهون بها

ونعيد السؤال هل يمكن حقاً ملأ فراغ الشهداء مجهولين الهوية اولئلك الذين ماتوا حقاً في سبيل الحياة؟
ويحتل هذا السؤال مكانة هامة ليس لانه واقعي بل لانه حدس ومعرفة في وقت واحد، يذكرنا بعصر الثورات والانتفاضات الهامة.

كان عصراً باسماً من عصور حضارتنا الحديثة يوم أشرق الغربيون من الغيب علينا، بأفكارهم وآلاتهم ولواء الحرية على أكتافهم يمجدون مجدها ويقيمون أساس تطورها بيننا، فساروا وسرنا ورائهم، ووصلتنا الأفكار والايدلوجيا والصناعات والقاطرات والصور والأفلام وأقلام الكتابة والمحن وانتهينا بدونهم الى ما نحن، مشردين، لاجئين، مذلول مهانون، مستَغلون، محتَلون من كل حدب وصوب، وكانوا وكنا في الضلال نعومُ، ثم جاءوا ثانية وثالثة وأخرى طويلة فناموا تحت الجدار يحجبون الدنيا ويحرسون آلهة الظلام.
لقد جعلوا كل ما في خارج الشرق الاوسط يهدينا الى الصراط المستقيم، اما داخله فكل شيء يقود الى الانحراف والهمجية وقتل الضمير، من الطائفية والأحقاد والاقتناع بما لا يمكن الاقتناع به والى المئات من الأوامر العسكرية الهمجية وتعذيب السجون.
والأحياء في الشرق لايمقتون الكذب او يبغضونه مثل بقية الخلق والوجود بالعالم بل يقدسونه، ولهذا السلوك تاريخ طويل، والسبب لأنه وسيلة نضال فعالة مرتبط بالبطولة وبالمقاومة المستمرة للسلطات والاضطهاد وبالمخاطر والمجازفات وبالحرب الدائمة عموما التي تتطلب الأستاذية بالكذب والغش والمراوغة والخداع في الصراع في سبيل البقاء، حتى أصبحت عادة مزمنة في البدن، وأظن بان البشر وبسببها لم تعد ترى أمامها الا القبح وبشاعة الحياة، لهذا يواصل الناس حياتهم هناك بين قاتل وقتيل وبكاء وعويل.
لقد جعل الطغاة القدامى والجدد الناس حول العالم ان ترتعد كلما خطر على بالهم السفر الى بلاد السحرة وأصل القانون، فليس هناك رحمة او امان، فقد جُن الخلق فيها وأعدم الغزاة فيهم انفاس الحياة الحارة
فكيف الان؟
بعض المتفلسفين في احوال الشرق يقولون ان علينا أولا ان نتعلم كيف نكره الهموم ونمقتها لاننا في حالة تيه عما يدور حولنا؟ ولكن لا يشرحون كيف؟ والبعض الاخر ينصح بالبحث عن قائد وطني وبطل قومي وعالم عبقري وقديس علماني يقودون حيرة الخلق نحو بر الأمان.
وكل ذلك وغيره بالمئات ليس الا ضوضاء بلا ضياء ولا شموع تحترق لتضئ كهوف العتمة، فلا يبدو ان هناك احدا ما يستطيع الخروج من هذه الدوامة لإنقاذ مايمكن إنقاذه، غير أولئك القلائل المتألمون حقاً، لهذا العذاب البشري المنتشر في كل مكان بالشرق الأوسط مثل محدثتي الحزينة هذه وهي مازالت في عنفوان الشباب.

هل خدعتني حواسي؟
هل نعرف عدونا الان؟