القوى الكبرى والثورة السلمية في الجزائر

رابح لونيسي
2019 / 9 / 30

أثار موقف عضوة البرلمان الأوروبي ماري أرينا نقاشا في الجزائر كان من المفروض أن لايأخذ هذه الأبعاد لولا محاولات السلطة القائمة إستغلال ذلك لهدفين وهما: إتهام الحراك الشعبي بالعمالة للخارج من جهة وتوظيف هذا التصريح لإعطاء دفع لفكرة ضرورة الذهاب إلى الرئاسيات بأي شكل كان كي نضع حدا لأي تدخل خارجي في الوضع الجزائري، وهذه الأخيرة فكرة قديمة تروج لها السلطة للإبقاء على نفس النظام السائد بالرغم من أنها هي التي كانت تستعين، ولازالت بقوى خارجية للبقاء حتى ولو باعت كل الجزائر ومصالحها، وهي نفس سياسة الرئيس بوتفليقة من قبل، وكلنا نعلم بمجيء الرئيس الفرنسي إلى الجزائر عشية كل عهدة جديدة لبوتفليقة كي يعطي إذنه لدعمها مقابل إمتيازات كبرى أمام سكوت ودعم المتاجرون اليوم برفض أي تدخل فرنسي في شؤوننا، ويتلاعبون بعواطف البعض الذين يتجاهلون بأن هذا النظام لم يأت في 1962 كنتيجة للثورة التحريرية الكبرى التي ضحت بمليون ونصف مليون شهيد، بل كان نتيجة توافق فرنسا الديغولية ومصر عبدالناصر على حساب الثوار الحقيقيين الذين تم إستبعاد جزء كبير منهم من طرف الذين أخذوا السلطة بالقوة، ومنهم الكثير من المفجرين الأوائل لهذه الثورة ، فلنشر إلى الصداقة الكبيرة بين دوغول وعبدالناصر، فكل متتبع للشأن الفرنسي يعرف ان دوغول صديق حميم للعرب في المشرق، وظهر ذلك جليا أثناء نكسة1967، بل كان يعطي نصائح ومعلومات ثمينة لصديقه عبدالناصر، لكن كي يضع دوغول نظاما في الجزائر يبقى مرتبطا بفرنسا وحام لمصالحها كان عليه إضعاف تام للمجاهدين الذين كانوا في الجبال والمطالبين بقطيعة تامة مع فرنسا وضرورة التحرير الشامل للجزائر، وهو ما يفسر تلك الحملات العسكرية الكبيرة التي قامت بها فرنسا ضد المجاهدين، وما يسمى بعملية التمشيط الكبرى في إطار مخطط شال منذ مجيء دوغول في1958، وذلك بهدف فتح الطريق لأخذ مجموعة وجدة المستندة على جيش الحدود السلطة بسهولة في1962 على حساب المجاهدين الذين أستنزفتهم ثورة التحرير والعمليات العسكرية الجهنمية التي قادها دوغول ضدهم، وهو العارف بقراءة حركة التاريخ، وبأن الإستعمار التقليدي زائل لامحالة، لكن ضرورة تعويضه بإستعمار ناعم يحافظ على كل المصالح الفرنسية في الجزائر.
يظهر لنا بجلاء تتبع نشأة وتطور النظام الجزائري منذ 1962 أن الذين اخذوا السلطة في 1962 يعبرون عن مصالح فرنسية-مصرية من خلال المتحكمين في دواليب الدولة الجزائرية منذ تلك الفترة إلى اليوم، فنجد الموالين لفرنسا ثقافيا وعسكريا وإقتصاديا وإداريا مثل الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، وأيضا العسكريين المدمجين الذين أدخلهم وزير الدفاع في حكومة بن بلة إلى الجيش الجزائري برغم بقائهم في صفوف الجيش الفرنسي حتى عام1962(يمكن العودة إلى هذا الموضوع في كتابنا"رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ-تقييم أكاديمي لنصف قرن من تاريخ الجزائر المستقلة")، ونجد إلى جانب هؤلاء مجموعة من الذين كانوا في المشرق العربي، وتأثروا بأيديولوجيات مشرقية، وتحولوا إلى خدمة مصالح دول مشرقية كمصر والعراق وسورية والسعودية وغيرها بحكم الولاء الأيديولوجي والثقافي، كما أعتمد هذا النظام نفس النظام الإداري الإستعماري الذي وضعته خدمة لمصالحها بدل الإبقاء على النظام الإداري للثورة الذي وضع غداة مؤتمر الصومام في1956(أنظر مقالتنا: "الجزائر في حاجة للتخلص من نظام إداري إستعماري الجذور" في الحوار المتمدن عدد5862 بتاريخ2/5/2018)، فحتى في المجال الإقتصادي والإجتماعي فقد طبق مشروع قسنطينة الذي أقره دوغول في 1958 بهدف القضاء على الثورة.
ففي الوقت الذي تحالف فيه هذان الطرفان بولاءاتهما الفرنسية والمشرقية داخل النظام رغم بروز خلافات طفيفة بينهما أحيانا إلا أنهما متفقان على توزيع الريع وإحتقار الشعب البسيط الذي اكتوى بنار الإستعمار، فهذا الشعب البسيط هو الذي خرج اليوم في هذا الحراك الشعبي الذي تحول إلى ثورة سلمية يريد إستعادة سيادتة التامة المغتصبة في 1962 وتحرير بلده من التبعية سواء للغرب أو المشرق، وهو ما يظهر بجلاء في شعاراته الرافضة لأي تدخل أجنبي أو تبعية للخارج سواء كانت فرنسا أو أمريكا أو الإمارات أو قطر أوغيرها، فهذا الشعب البسيط يجسد فعلا أحد مباديء ثورته التحريرية التي يسعى لتجسيدها اليوم فعلا لا قولا وشعاراتيا، فما يرفعه اليوم شبيه بماكتبته أرضية الصومام بأن الجزائر لن تكون تابعة لا لباريس ولا واشنطن ولاموسكو ولا القاهرة، فقام هذا الشعب فقط بإستبداله بأن الجزائر لن تكون تابعة لالباريس ولاأمريكا ولاروسيا ولا الإمارات أو قطر، فهذه الثورة ترفض، وتفضح كل من له ولاءات للخارج سواء غربية أو مشرقية أو غيرها.
أن ما ورد على لسان البرلمانية الأوروبية هو مجرد كلام لنائبة واحدة، لكن رغم ذلك هب هذا الشعب كرجل واحد رافضا أي تدخل في شؤونه، وهو جد حساس لذلك، خاصة أن أي ادعاء من أمثال هؤلاء أنهم يقفون مع الحراك هو مجرد كذب، وما هو في الحقيقة إلا رغبة منهم لتشويهه، ولهذا ننصح كل من يشك في ذلك بقراءة ما كتبه المفكر مالك بن نبي حول تشويه الأفكار في كتابه الرائع "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" أين تلقى كل فكرة خطيرة دعما من أطراف بهدف تشويهها، ونشير أنه قد سبق لوزير خارجية فرنسا أن قام بعملية تشويه لفكرة الإنتقال الديمقراطي التي كان يطالب بها الحراك الشعبي عندما صرح في أفريل الماضي بأنه يقف مع هذا الإنتقال، فاستغلتها السلطة لإتهام كل من يطالب بذلك، بأنه يخدم أجندة فرنسية، فمن غير المستبعد أن يكون قد تم ذلك بالإتفاق بين السلطتين الجزائرية والفرنسية.
فلنعد إلى الغرب فهو اكبر عدو للديمقراطية الحقيقية في بلداننا لأن الشعوب ستحرر نفسها من قبضته على الأنظمة التي نصبتها بعد إستقلالها الشكلي، وجعلت إقتصادها مرتبط بمركز الرأسمالية العالمية (أمريكا وبريطانيا وفرنسا)، وستعمل لفك الإرتباط بهذا المركز الذي هو وراء تخلفها وبؤس شعوبها، فأوروبا اليوم، وعلى رأسها فرنسا تسعى لإيجاد حل لمعادلة إنقاذ السلطة التابعة لها من جهة لضمان مصالحها وإستمرارية نظامها الإستعماري الناعم في الجزائر منذ1962، ومن جهة أخرى رغبتها في ضمان الاستقرار وعدم وقوع فوضى في الجزائر كي لاتتعرض لهجرات كبيرة إليها، ولا ينتشر الإرهاب المهدد لأمنها، فأوروبا، وعلى راسها فرنسا لا تريد خلق سوريا وليبيا أخرى في جنوب المتوسط، فعلينا أن نضع هذا العامل بعين الإعتبار إضافة إلى عوامل أخرى كي نفهم عدم لجوء السلطة التابعة لفرنسا في الجزائر إلى العنف ضد الشعب، فأمام هذه المعادلة ستعمل أوروبا، ومنها فرنسا على إيجاد حل ثالث يبقي على مصالحها بالمساعدة على الإلتفاف على الثورة بالتخلص من هذا النظام شكليا بالعمل على صعود أطراف يمكنها إرضاء الشعب وإسكاته جزئيا، فهنا يقع إتفاق كبير بين السلطة القائمة وراعيتها فرنسا في الإلتفاف على الثورة السلمية بالترويج بأن هناك تغيير قد وقع فعلا في الجزائر.
نعتقد أن الطرف الأمريكي لايتفق مع الأوروبي والفرنسي تجاه الجزائر، فهو بوده أن تقع فوضى في الجزائر، ويعود هذا الموقف إلى تأثير اللوبيات الصهيونية في أمريكا على صناعة القرار في البيت الأبيض، فالكيان الصهيوني همه تفتيت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى كيانات صغيرة يتحكم فيها، فهذا المخطط يعود إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، فعمل هذا الكيان على تقسيم المشرق العربي على أسس طائفية وكنتيجة لإشعال حروب دينية وثقافية خاصة الصراع الشيعي-السني الذي نظر له المؤرخ الصهيوني برنارد لويس، لكن بالنسبة لشمال أفريقيا، فيرى الكيان الصهيوني بإمكانية تقسيم بلادها على أسس "أوهام عرقية:عرب وأمازيغ"، ويلاحظ القاريء إستخدامي مصطلح "وهم عرقي" الذي وضحته بجلاء في مقالتنا ("علاقة نشر التوهمات العرقية بمخطط تفجير الدول المغاربية" في الحوار المتمدن عدد4653 بتاريخ5/12/2014)، ولتحقيق هذا الهدف أشعل الكيان الصهيوني حروب الجيل الرابع ضد منطقتنا، ومنها الجزائر، وهي حرب إلكترونية يهزم فيها العدو، ويدمر المجتمع ذاته من الداخل دون أن يخسر الكيان الصهيوني جندي واحد بإستثناء حواسيب وأموال تدفع لما يسمى في الجزائر اليوم ب"الذباب الإلكتروني"، فيقوم بتحريض الطرفين بعضهما ضد بعض، وقد بدأت هذه الحرب منذ سنوات، فكان هؤلاء المحرضون يقيمون في بريطانيا، ففي إطار هذه الحرب الإلكترونية يتم التهجم وتشويه منطقة القبائل، فلنشر انه عادة ما تبدأ هذه الحرب بحروب ذاكرة التي تتحول إلى حروب أهلية، فهناك هدفين وراء ذلك وهما: دعم الإنفصاليين في منطقة القبائل وتضخيمهم كرد فعل على التشويه الذي يلحق بسكان المنطقة، ومن خلاله ستنفصل، لكن كي يكون منطلقا لإنفصالات أخرى، خاصة المناطق الغنية بالنفط والمواد الأولية والمعادن النفيسة كالأورانيوم في الهوقار(انظر مقالتنا: "تدمير صهيوني لأوطاننا بمواقع التواصل الإجتماعي" في الحوار المتمدن عدد5712 بتاريخ 28/11/2017).
لكن ما يؤسف له هو دخول أطراف من السلطة في نفس الحرب الإلكترونية ضد الجزائر وشعبها في إطار سياسة فرق تسد، بل تساهم السلطة في الجزائر بشكل مريع في إشعال ما يسميه برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون ب"الحروب الثقافية" كمدخل لتفتيت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن ما يفرح، ويدل على مدى وعي الشعب الجزائري هو إجهاضه لكل هذه المحاولات، فأصبحت ثورته هي الحامية لوحدة الجزائر وسيادتها على عكس السلطة التي تعمل ضد ذلك، وهو ما يحق للثورة السلمية أن تحاسب هذه الأطراف من السلطة بعد إنتصارها، وتعاقبها أشد العقاب بتهمة الخيانة الكبرى، لأنها كانت تساعد عدو خارجي وهو الكيان الصهيوني كان يقوم بحرب إلكترونية ضد الجزائر وشعبها ووحدتها.
يبدو أن أمريكا التي كانت ترغب في الماضي إدخال شمال أفريقيا في الفوضى لإقلاق الأمن الأوروبي في إطار الصراع حول الزعامة العالمية معها، إلا أنها قد تخلت عن ذلك اليوم لعدة أسباب ومنها: حاجتها إلى أوروبا لمواجهة الصعود الصيني والروسي، وكذلك أخذها العبرة بما وقع في سوريا حيث الفوضى هناك كانت لصالح روسيا، وليس لأوروبا ولا أمريكا، ونجد نفس الأمر بالنسبة لروسيا التي رأت أن الفوضى في ليبيا وتدخل الحلف الأطلسي فيها قد افقدها مصالحها فيها، فهي تمنع الفوضى كي لاتفقد مصالحها في الجزائر مستقبلا كما فقدتها في ليبيا، لهذا نستنتج بأن الوضع الدولي هو في خدمة سلمية االثورة في الجزائر، وتتفق كل القوى الكبرى على منع دخول الجزائر في فوضى لأنها ستؤثر سلبا على مصالح هذه القوى، فهو ما يجب إستغلاله من الثورة السلمية حتى تحقيق أهدافها كاملة شريطة الإلتزام بثلاث مباديء وهي: الوحدة والسلمية ورفض أي تدخل خارجي والإلتزام الصارم بمبدأ أساسي سطرته الثورة التحريرية (1954-1962)، وهو الحياد الإيجابي، ومعناه رفض أي تدخل خارجي في شؤونها مع إستغلال ذكي للصراعات الدولية لخدمة مصالح الجزائر لا غير.