هل الجيش يحمل البلد علي كتفة

محمد حسين يونس
2019 / 9 / 30

هناك مفهوم غير واضح في علاقة شعبنا بجيشة .. فخلال الفترة من نهاية حكم الأسرة 26 سنة 525 ق.م و هزيمة الجيوش المكونة من المرتزقة الإغريق و اليهود أمام (قمبيز ) الفارسي .. حرص جميع المستعمرين ألا يكون لمصر جيش من أبناءها .. سواء أيام البطالسة من 330 ق.م و الرومان من 30 ق.م أو العرب 600 م أو الفاطميين .. و المماليك و العثمانيين .
أول مليشيات مصرية مسلحة .. ظهرت بعد الغزو الفرنسي في القرن التاسع عشر .. ثم إختفت بعد رحيل المستعمر ..ثم مع محمد علي حين حقق إبنه إبراهيم عدة إنتصارات بجيوش مكونه من المصريين كجنود و قليل منهم كضباط .. و إنتهي مجده بمعركة نفارين حيث تم تدمير أسطولة .. و محاصرة جنودة باليونان .. ثم بعزو الشام .. و تأمر الدول الأوروبية علية .. و منحه هو و عائلته حكم مصر في مقابل عدم تفعيل قوته العسكرية .
الجيش المصرى منذ معاهدة باريس .. أصبح جيشا ذو شكل .. بدون أى فاعلية أو مضمون .. طول فترة حكم أبناء محمد علي .. ..كان هناك جيش .. ولكنه للشكل الإحتفالي حتي سنة 1936 عندما سمح المحتل البريطاني .. يتكوين جيش ذو فاعلية محدودة لمساعدتهم بعد الحرب العالمية ألأولي .. علي حماية الحدود .
أغلب قوات الجيش المصرى من حرس الحدود .. كانت نوبية ..و تركب جمال .. و تمسك كرباج .. و تستخدم لإسكات الإنتفاضات في القرى و النجوع ..لقد كان مقرهم في كوبرى القبة .. و كانوا يستعينون بهم .. في تفريق المظاهرات أنا شخصيا نالني منهم لسعة و عمرى 11 سنة .. عندما تحركت في مظاهرة تندد بالملك و الإنجليز في العباسية .
لم نكن نرى ضباطنا إلا علي ظهور الخيل أمام المحمل .. أو في إستعراضات الإحتفالات الملكية .. أو في أكشاك الموسيقي بالحدائق العامة ..لقد كانت لديهم فرق موسيقات نحاسية فائقة المهارة .. و الجمال .. و تأخذ جوائز في المسابقات العالمية .
المرة الأولي التي نعرف فيها أن جيشنا(المكون من ضباط و جنود مصريين ) يمكن أن يحارب كانت عام 1947 بعد 2470 سنة صمت و سكون و تجهيل..
حرب فلسطين الأولي لم تكن في صالح القوات العربية عموما .. و المصرية علي وجه الخصوص .. و عاد الضباط حزاني يقصون .. كيف أن أسلحتهم لم تسعفهم .. و قادتهم لم يكونوا مدربين ... و أن الجيش زج به .. في معركة لم يستعد لها .
بعد الهدنه .. .. و عدم تطور الأمور لصالح تحديث القوات و أسلحتها .. إنقلب ضباط 1936 .. علي الملك .. ليؤسسوا 1952 لحكم .. تكون فية أسلحة الجيش و تدريبة أولوية لا يقارن بها أى من الأولويات الأخرى .
و حمل الشعب جيشة علي كتفه .. بقتطع اللقمة من فمة ليشترى بها رصاصة .. و يستدين ليشترى له طائرة أو دبابة
و يسير عاريا ليكسي جندى .. و يقتسم ثروته و أمواله و جهده .. ليصبح له جيشا .. حقيقيا.
ماذا حدث بعد ذلك .. ليصبح الجيش هو الذى يحمل البلد علي كتفه كما قال مذيع متحزلق

بعد إنقلاب العسكر علي الملك فاروق .. لم يعد الجيش ملكا للدولة .. لقد أصبحت الدولة و شعبها .. ملك للجيش نعيش تحت جناحية و في رعايته .... و تصرف شباب الضباط بعد أن حصلوا علي وظائفهم الجديدة .. كما لو كان كل منهم يدير عزبة أبوه شخصيا .. يتخذ القرارات .. و يبيع .. و يشترى .. و يقسوة علي الشغيلة لكي ينتجوا .. و يمنح بمحسوبية المتسلقين .. والهتيفة و الملزقين معدومي الكفاءة الفرصة علي حساب من تخصصوا.
رايت هذا بعيني .. و سمعته بأذني .. عندما كان يتحدث والدى مع الضباط من ألأصدقاء أو الأقارب و المعارف .. لقد كان لديهم يقين غريب .. أنهم الأفضل و الأحكم و الأكثر قدرة علي إدارة الإنتاج خصوصا مع طرد الأجانب و تجريف أماكن العمل من الكفاءات و بعد إجراء مذابح التطهير مثل تلك التي حدثت بين القضاة و أساتذة الجامعات .. وأصحاب الأراضي ( الإقطاعيين ).. وأصحاب المصانع ( الرأسماليين) .. و كبار الضباط (اكثر من قائم مقام ) ..
من الفترة من يوليو 52 حتي مارس 54 كان الصراع لا يتوقف .. بين الضباط (الثوار ) حتي كادت القوات أن تعود لثكناتها .. و تترك الحكم للمدنيين ..فإستخدم البعض نقابات عمال النقل ليقوم أفرادها بإضرابات و مظاهرات تجمع حولها الشعب .. تنادى بسقوط الديموقراطية و إستمرار العسكر لإستكمال المسيرة .
من الذى كان يحمل الأخر علي كتفيه في ذلك الوقت .. الضباط الذين يضادون عودة الحياة السياسية أم أبناء الشعب الذين تحمسوا لجيش بلادهم ووثقوا في أنه يعمل لصالحهم .. بعد غيبة عن الساحة طويلة إستغرقت الاف السنين .
وهكذا فرض الأباء الأوائل لجمهوريات العسكر علي الدولة و الشعب خطط ونظم فاشيستية نازية الملامح .. أصبحت بعد ذلك رغم إعوجاجها .. تراث العمل في أروقة و مصالح الحكومة وسمة الشارع السياسي .

الأسوأ علي الإطلاق كان التفرقة بين المواطنين علي أساس الدين .. فالضباط الأحرار لم يكن بينهم ضابط واحد مسيحي .. و كان أغلبهم من الذين يميلون لفكر الأخوان المسلمين ..

ولا يقل فظاعة ما طوروا به نظم التعليم لتصبح علي مقاس فكر الحكام فإنتهت بالتدهور تدريجيا حتي وصلنا اليوم لقوة .. (السناترالخاصة ) التي تزيح المدارس من الساحة و تسوق (للحفظ بدلا من الفهم) .. و (النمطية بدلا من التنوع )... و (المحافظة كنقيض للإبداع ) .
نعم كان الضباط يقومون بالكثير من الأنشطة والمشاريع غير العسكرية .. ولكن هل كان هذا بحكم إنتماؤهم الوطني و تميزهم و كفاءتهم و قدراتهم الإنضباطية أم بسبب الإهتمام برعاية البقرة اللي بيحلبونها .. و بتطلع لهم اللبن و الزبده و القشدة اللي متنغنغين فيها .
مصر في ذلك الوقت كانت شديدة الضعف .. محتلة منذ 1882 وكوادرها الإدارية غير مكتملة أما الإقتصادية أو السياسية فقد كانت فردية أقرب للبدائية .. لقد كان بها أحزاب كرتونية ضاعت مع أول هبة .. و ميزانية متواضعة .. و حتي عدد السكان كان لا يزيد عن 18 مليون .. لذلك لم تحدث مقاومة تذكر لتغلغل نفوذ الضباط الملتحفين ببردة الوطنية (و أهو إبن بلدك أحسن من الغريب ).. فعاثوا فسادا في أسس نظام كان يمثل كلمة البداية .. لشعب يرجو بعد التحرر من الإستعمار.. أن يتخلص أيضا من أوزار الضعف و المسكنة التي فرضها المحتل عليهم .
أول دعوة لتسليح الجيش .. أتذكرها جيدا عربة نقل كاكي .. عليها ميكرفون .. و أغنية (( زود جيش أوطانك .. و إتبرع لسلاحة علشاني و علشانك بيضحي بأرواحة)) .. و كانت السيدات يسلمونهم الحلي الذهبي .. و الرجال يرقصون بالعصي أمام الموكب .. و أنا أعطيتهم الحصالة بالكامل .
عندما سألت عمي محمد الصعيدى و كان واحدا منهم .. عن مصير التبرعات .. ضحك و قال.. راحت لصحاب نصيبها .. إنت عارف المدفع الهاوتزر تمنه كام غويشه و لا حصالة زى بتاعتك .
الشعب المصرى كان يتوق لأن يكون لدية جيشا.. مكونا من الأبناء و الأخوة .. حديث مثل جيوش الحلفاء الظافرة.. له قيادات واعية .. يتحرك لصالح الوطن طبقا لخطط السياسين .. يحتمي و يدافع خصوصا أمام خمسين الف عسكرى إنجليزى لازالوا يحتلون الضفة الغربية من قناة السويس ..
و لكن ضباط يوليو حرموهم من هذا الأمل و هذا الفخر .. بعد أن قرروا أن يصبح جيش مصر شبيه لجيوش (المحور ) نازيا فاشيستيا بفرض وصايته علي المصريين بالقوة و العنف و البوليسية و الأرهاب .. يعلمهم و يعيد تربيتهم ..و ترويضهم و ينفق ثروتهم .. و نقودهم علي مغامراته و سوء تقديرة .. و خبرته المحدودة التي تجعلة يقرأ تخته الرمل بصورة غير واقعية دائما .
العدوان الثلاثي علي بورسعيد .. كشف الحقائق للمدركين ،ولكن سرعان ما أطلق عبد الحكيم عامرو رجاله غمامات و سحابات الدخان الكثيفة علي بصر و بصيرة المصريين .. بالحماس الزائف والأغاني الوطنية الفارغة المحتوى .. و الحواديت الخرافية التي تجعل البعض يتصور (حتي الأن) بعد مرور ستة عقود .. أن المقاومة الشعبية التي قادتها عناصر من الجيش قد إنتصرت علي إمبراطوريتين و تابعتهما إسرائيل .
عندما نتأمل تلك الفترة من 54 حتي 56 .. نجد أن ضباط جيش الملك المنقلبون علية قد حرموا الشعب من أن تكون له دولة ديموقراطية ذات سيادة ..

ثم زادتهم أكاذيب الإنتصار المزيف عام 56 غلوا ...فتسلقوا القمة .. و رفعوا أعلام المنتصرين ..كما لو كان بولجانين و أإيزنهاور لم يوقفا الغزو
لقد جمع زعماء ما بعد 56 جمال و عامر جميع الخيوط بأيديهم كما حرصوا ألا تعود الحياة النيابية الديموقراطية مثلما حدث لبعض الدول المستقلة حديثا ولم يثب علي صدرها جيشها يروع الأبناء .
الدول التي عانت من إستعمار طويل المدى .. و أنهكت روحها وإنتهكت ثروتها .. و جرفت من النابهين .. إذا لم تسعي حثيثا في إتجاه الديموقراطية كما حدث في الهند و جنوب إفريقيا و إسرائيل و تونس و لبنان .. فإنها ستسقط حتما بين يدى رجال جيشها يزاولون نفس دور المستعمر
الإنحراف السياسي و الإجتماعي و رفع شعارات الإصلاح اليسارى مع تعويق اليساريون أنفسهم .. لتعود للوعي ذكرى ما فعلته الإنكشارية العثمانية و المماليك .. وكأنهم قد أعادوا إحتلال البلاد بأبناءها الضباط .. .. و علي الشعب المحتل الطاعة ..
و ((جبتك يا عبد المعين تعيني .. ركبت فوق نسفي و عيتني)) .. من الذى حمل الأخر علي كتفية .. جيش يرى أنه مبعوث العناية الإلهية لشعب ساذج .. أم شعب كادح عليه العمل و الشقي لتوفير كل إحتياجات جيشه .. فيترك أسلحته التي دفع ثمنها خصما من قوته و هو منسحب من سيناء عام 56 . ( يتبع )

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول