عربات الخريف

ساطع هاشم
2019 / 9 / 27

هناك دائما اجسادا من النور تشع في ادمغتنا وهي حبيسة عقولنا كلنا، نحن الذين لا نمتلكها، نحن ذوو العقول الصغيرة، الذين لا يتمنون الا نيل الاشياء الصغيرة المصممة على مقاسات ضحالتنا، ألم تسمع بقول الشاعر:
وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم

فتاة زينت وجهها بالأصباغ، تشد المارة اليها، رأيتها أمس في كل مكان، اخرها عندما كنت في مقهى بمركز المدينة، وعندما جلستُ غير بعيداً عنها امتزجت في ذهني رائحة اصباغ المرسم بهذا الذي تتزين به وما اكتست به أجواء المقهى حولنا من ألوان داكنة نوعما.
هل اخفقَت بالحب مثلي؟ هل اخفقَت عن بلادة وغباء ام بسبب رجاحة العقل؟

بدت في أرديتها الزرقاء الهادئة وكأنها استيقظت من سبات وافاقت من رقدة طويلة وكأنها تحمل قوة غائبة حاضرة، او هكذا خيل لي على اية حال، فقد راودتني الاحلام واستبدت بي الافكار والاوهام وانا اراقب جيدها وتعابير وجهها وانعكاس الضوء الأزرق الفاتح في ملبسها على رقبتها وجزء من خدها الأيمن، فكلنا نعيش عالم النزوات والرغبات المكبوتة، نساءا ورجالا ولا نعرف متى سنفصح عن هذه المكبوتات، ويقال ان المرأة لا تلاطف رجلاً الا اذا كانت وحيدة وقريبة منه، اما أنا فأقول وانا أتطلع الى المشهد ازرق اللون امامي إن هذا كله هراء فالنساء مثل الرجال مشغولات بجمع التواقيع وأرشفة الأفكار الشهوانية وانتظار رسائل الغزل

وبعد اقل من ساعة ذَهبت هذه الفتاة، وشعرت بانتهاء أحلام اليقظة التي غمرتني، وسيذهب عني الوهم والسرور الناتج عن هذا الوهم، لقد كنت دائماً في حياتي اردد: أريد - اما الان فاني غالباً ما اردد: أريد ان لا أريد، وبانت علامات الألم والندم، وكأني لم أكن ابحث عن شيء، وأمعنت بالأفكار المجردة، وشعرت بالاغتراب، واعتقدت بان العالم كله تطوف به نفس ما يعتري ذهني الان من أفكار، وكأنها كانت حبيسة تابوت قديم وقد تفجرت الان، والآن فقط تبددت بالفضاء، فامتصها إسفنج دماغي، ثم تسرب اليأس الى نفسي، وازداد خطورة، وتذكرت سنوات قديمة مضت وكيف كنت احاول ان اعيش الحياة بأنواعها، الثقيلة منها والخفيفة

ثم توقفت عن الهذيان، وجلستُ على كرسي عتيق، وشعرت بالبرد فانكمش جسدي كله، فتخيلتُ نفسي هيكلاً عظمياً ممدداً بالأفق، ولا أدرى كم دام ذلك، ولَكَم كانت دهشتي عندما زال هذا الوهم، وعدت مرة أخرى الى كرسيِّ العتيق، وكان وَقعُ ذلك عليَّ وقعا مفزعاً، وكأني نهضت من هوّةٍ لتتلقفني أخرى.

فنحن أبناء البوادي والعربان أنستنا وسائل الإعلام وسرعة انتشار الأخبار وصور الممثلات والقادة الفاشلين التافهين ورجال الدين الفاسقين الفاسدين، ليس فقط طبيعة الأشياء بل حتى الطريقة التي نعتقد بان على الأشياء ان تكون عليها، ووضعتنا في قلب الوهم وتلك اللذة والسرور الناتج عنه.
وفكرت باللون الأزرق الذي كانت ترتديه هذه المرأة، فهو اكثر الألوان انتشاراً في عالم اليوم، أينما ذهبت ستجده أمامك في خدمتك وخدمة شرودك الذهني، وبسب من طاقته العالية في ضوء الشمس فهو مدمر، وبسبب من برودته في الطبيعة والأشياء التي يراها البشر في الماء والسماء وجدران المستشفيات فهو مهدأ ومخدّر، وبسبب هذه القدرات فقد قسم تجار وصانعي أصباغ النسيج الأوربيين في القرن الثامن عشر ثلاثة عشر تدرجاً لونياً للأزرق من الفاتح الى الغامق، ومن أشهرها ازرق الملكة المعروف حالياً منذ نهاية القرن التاسع عشر بأزرق الملوك، وهو أجملها وهذا ماكانت ترتديه فتاة المقهى هذه، وربما لهذا السبب رأيتها في كل مكان.
وشرد ذهني مرة أخرى وعاد بي الى الشرق، حيث كانت قرارات الإعدام في مصر وسوريا والى وقت قريب تكتب باللون الأزرق، والنساء العربيات يفضلن ملابس الحداد المصبوغة بصبغة النيلة يعني الأزرق الغامق على الأسود وهذه تقاليد فرعونية ثم قبطية قديمة بسببها جاءت العبارة المشهورة التي نعرفها من الأفلام المصرية (كتك نيلة) وترجمتها أماتك ربك.

وتساءلت في سري في معنى قول المتفلسفة من البشر: القوة الخلاقة لأفكارنا وآمالنا
أهو قول سخيف؟
واحترت في تفسير ما يعنيه بعض المختصين بعلم النفس الحديث من مطلع القرن العشرين الماضي، الذين قالوا بان: خلق الافكار يساعد على تخليص الناس من الأسى وذرف الدموع.

وآنذاك فقط وانا في غمرة حيرتي فهمت ما قيل قبل ألف عام:
وتعظم في عين الصغير صغارها