المثقف ومكافخة الأشاعة

محمد أبوالفضل
2019 / 9 / 27

بات من الضرورى تكاتف جميع شرفاء الوطن من أحل مكافحة آفة وجرثومة الٱشاعة فقد لا يعلم الكثيرون أنها تعد من بين أشرس الأسلحة والأشد فتكا بالشعوب والأمم، وإن هناك جيوشا جبارة صمدت طويلا أمام أقوى تكنولوجيا الحرب، لكنها هزمتها في النهاية «إشاعة» مثل الجيش العراقى فى عصرنا الحالى
ومن وحي تجاربنا العربية،هناك أمثله عديدة منها المغول التتار عندما فكروا بإجتياح بغداد محوا من رؤوسهم أية مخططات لخوض منازلة مباشرة مع أهل العراق وقرروا أن يغزوها أولا بالطابور الخامس من مروجي الإشاعات وبث الفتن فاستأجروا من العراقيين أنفسهم والعرب أناسا أوكلوا لهم مهمة إشاعة قصص خياليه وأسطورية عن شجاعة الجندي التترى المغولي وضخامة جسمه، وقوة ساعدية، ووحشية بطشه .. حتى إذا ما أنتشرت هذه الأخبار، وتناقلتها المجالس كالنار والأسواق كالنار فى الهشيم كان أهالي بغداد قد هزموا نفسيا قبل الدخول فى أية مواجهات عسكرية قتاليه على أرض المعركة .. ويروي المؤرخون أن جيوش المغول التتار عندما غزت بغداد كان الجندي المغولي يطرق على الباب فيخرج له صاحب الدار فيطلب منه إحضار سيفه حتى إذا ماجاء به تناوله منه وقتله به ! وذلك كان بفعل الرهبه بسبب الإشاعات المسبقه
اما الإشاعة في زمننا الحاضر فأصبحت علم تفرد له المؤسسات العسكرية إدارة خاصة بأسم الحرب النفسية، ليس مهمتها بث الإشاعات وحسب بل الأهم هو رصد الإشاعات، وتحليلها، وتعقب مصادرها ثم إعداد الخطط المناسبة لمواجهتها وصدها وتفنيدها.
والخطأ الفادح الذي تقع به بعض الدول هو أن جهازها المنوط به رصد الإشاعات قد يكون ليس على دراية كامله بأليات تنفيذ مهامه وغير مؤهل كفاية، أو يعاني معاناة شديدة من ضعف في قيادته المركزية، أو الجهل بآليات تنسيق البيانات ومعالجتها، فيحدث ألا تدرك الإشاعة إلا في وقت متأخر، وبعد أن تكون أستفحلت في الوسط الشعبي وأنتشرت كسريان النار فى الهشيم ، وبدأت تأتي ثمارها، مما تصعب عملية مواجهتها تماما .. لكن في أحيان أخرى لا يكون الخلل في أجهزة الرصد وأنما بأجهزة تحليل الإشاعة وتقرير وتقدير سبل وأليات مكافحتها وهو ما ستترتب عنه ضلال الجهود لأهدافها الصحيحه ونجاح الإشاعة في خلق للرأي العام الذي تريده.
وفي كل الأحوال فإن عامل الزمن مصيري جدا في مكافحة الإشاعات والخبرات الفنية حاسمة في تقرير مستوى الفاعلية، كما أن الأستعدادات المسبقة ونظام العمل تلعب أدوارا رئيسة في تحديد مستقبل المواجهة في الحرب النفسية.
وفي مصر يأتي القلق الرسمي من الإشاعات مبررا، نظرا لمحاولة تجهيل المجتمع منذ أمد بعيد ولأرتفاع مستوى الأمية والجهل والفقر التي تعد البيئة الأوفر حظا لبث الإشاعات، علاوة على أن تقاليد المصريين تكفل فرصا أخرى لسهولة إذاعة أي خبر وتناقله في الأوساط الشعبية بخاصه.. كما أن حريات الصحافة تضاف إلى أسباب القلق حيث أن بعض الصحف لا ميثاق مهنى لديها ولا تلتزم بأخلاق مهنية راسخه ولا تحترم الثوابت الوطنية وعاجزة من تقدير مسئوليات الحالة التي تروج لها ولا تلتزم الحياد والجديه .. وفي جميع الحالات الآنفة ليس بوسع الدولة نشر الوعي بين ليلة وضحاها، ولا إغلاق المقاهى وأماكن التجمع ، ولا التراجع عن حريات الصحافة والتعبير،، وهو ما يجعل مهمة مكافحة الإشاعة معقدة وصعبة إلى درجة كبيرة.إذن تتحول المهمة إلى مسئولية وطنية مناطة بكل المخلصين الشرفاء من حملة الأقلام ـ سواء كانوا صحافيين أم أدباء ، أو معلمين، أو مثقفين بشكل عام إلى جانب السياسيين والعسكريين وغيرهم وبغض النظر عن أية انتماءات حزبية نظرا لكون الإشاعة غالبا ما تستهدف الوطن وليس شخصاً أو حزباً بعينه .. وغالباً ما تستهدف زعزعة الأستقرار الأجتماعي للبلد عبر أكاذيب وتزوير وتضليل للرأي العام، إذ أن الحقائق تفرض نفسها على أرض الواقع وليست بحاجة لمن يسوقها بإشاعات.. كما أن القوى الوطنية المخلصة لا تلجأ إلى أسلوب الإشاعات لتسريب بعض الآراء أو المواقف، والأحداث مادامت تمتلك مؤسسات دستورية تمنحها حق المساءلة والمحاسبة كما هو الحال مع مجلس النواب، وتمتلك صحافة حرة بوسعها طرح مالديها عبرها وتحمل مسئوليته و الجهل والفقر متأكده منه.إن الشرائح المثقالواعية مسئولة على فرض المنطق على أرضية الواقع اليومي وتحكيم العقل في كل مايتم تداوله بين عامة الناس وتفنيد كل قول غير سوي بالحجج والمنطق المقنع لتجنيب بسطاء الناس من الوقوع ضحية الإشاعات والأكاذيب .. وإننا عندما نخص الشرائح المثقفة والواعية بالمسئولية إنما لأنهم قادة الرأي ونخبة المجتمع المتميزة، أولأنهم الأكثر معرفة بما يعنيه غياب الأمن والأستقرار في مجتمع ما.. وما تعنيه الحياة عندما تحكمها الفوضى والشائعات المضللة.