نتائج الآنتخابات التونسية والهوس الجماعي

عزالدين بوغانمي
2019 / 9 / 21

صحيح الولايات المتحدة هي أكبر قوّة استعمارية في العالم. وبحكم حجمها وطبيعة نظامها فهي تتدخل في الدول في محاولة لترتيب أوضاعها وفق مصالحها هي. ولكن لا يجب أن يُفهم ذلك على أن أمريكا قادرة على كل شيء، وتتحكم في كلّ شيء في هذا العالم بحيث هي التي تثير الاحتجاجات العمالية والطلابية، وهي التي توجه مواقف الأحزاب السياسية، وهي التي تدير الانتخابات في تونس عبر صفحات الفاسبوك المدعومة، وهي التي تقطع الماء في نابل يوم العيد ...
الأمور لا تُفهم بهذا التفكير السّخيف الذي عادة ما يرتكز على تقارير مخابراتية، غايتها التأثير على الرّأي العام. أو على تخمينات الناس البسطاء الأمّيين.
إنه لمن دواعي السّخرية الحديث عن مؤامرة أوصلت قيس سعيّد للدور الثاني. وهذا المنطق يذكّرني بذلك الخطاب الفاشل الذي واجهت به قناة 7 البنفسجية أحداث 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد ، حين صرّحت أنّ مجموعة من الشبان تلقوا منحا تدريبية في دراسات إدارة النزاع عبر وسائل الاتصال الاجتماعي بدعم من جهات أجنبية، هم من حركوا الانتفاضة ونفذوها بوصفهم مرتزقة.
وهو المنطق الذي يذكرني بالحديث عن مؤامرة أحيكت بين الإخوان والبيت الأبيض لإسقاط الأنظمة. أو بين السّبسي والأمريكان ضد الإخوان. أو بين قيس سعيّد والبنك العالمي ضد يوسف الشاهد.
المضحك هو أنّ نفس "الامريكا" قدمت أسلحة ومعدات عسكرية وتدريبات تساوي مليارات الدولارات في شكل منح لأجهزة أمن عربية على امتداد عقود من الزمن. تلك الاجهزة التي فشلت في توقع غضب الشعب ومواجهته.
ولقد كان مفهوما منذ البداية أن الفئات المتضررة من ثورة الشعب عمدت إلى تصوير ما حدث في المنطقة كمؤامرة وليس كدليل على فشل أنظمة الحكم الطغيانية وتهاويها بعد أن اهترأت ولم يعد باستطاعتها الصمود أمام تطلع الشعوب للدّيمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إن المرحلة التاريخية النّوعية التي دخلتها المنطقة منذ مطلع 2011 هي ما يفسّر انتصار المواطنين العُزّل على حكومات وأجهزة أمن مدججة بالأسلحة شديدة التدريب على البطش وكسر إرادة السكان.
الجميع يعلم أن الأمريكان قدّموا مليارات كثيرة عدًّا ونقدًا لتعزيز شوكة أنظمة الاستبداد والفساد التي حكمت الدول العربية منذ عقود، بينما تصرخ برامج التلفزيون وممثلي الشرائح التي قامت ضدها الثورة حول الدعم الأمريكي للإخوان المسلمين لتخريب المنطقة !
وبنفس المنطق تدوي يوميا أصوات الدّعاء على نفس “الامريكا” الكارهة للإسلام والتي ساعدت في إسقاط حكومة محمد مرسي، وكأنه لا وُجود لشعب مصري أصلا. أو أمريكا التي تقاعست في اسقاط بشار الأسد! وكأن الحل والربط بيد أمريكا والشعوب لا شيء.
رأيتم كل هذا التناقض؟
مع ذلك تشرئب أعناق العامة لتصديق مثل هذه الشائعات.
البارح مثلا، قرأت تدوينة على جدار محسن مرزوق المعروف بخصومته الجذرية مع "جماعة المؤامرة"، يطابق فيه بطريقة عجيبة غريبة بين ما حدث في مصر ووُصول قيس سعيّد للدور الثاني في الانتخابات، ويصف تزامن الحدثين ب"أمر دُبّر بٍليل".
يعني كل التفسيرات المشعوذة والتي لا ترتكز على أيّة حجة مقبولة، والأمر الوحيد المرفوض هو الاعتراف بأنّ السّياسات القديمة التي فجّرت الثورات العربية وجميع أساليب الحكم التآمري يجب أن تتغير. وهذا الخلل وانعدام التّماسك وغياب المنطق في تفسير الظواهر والأحداث يجيب عنه علم الاجتماع السياسي حين يؤكد أن "الجمهور في الزّمن السياسي الصّعب مستعدّ لتصديق مئة كذبة، ولكنه غير جاهز لتصديق حقيقة واحدة".
لذلك، بصراحة، لا يمكن بناء حوار رشيد حول أسباب تفوّق الأستاذ قيس سعيّد في الانتخابات وسط هذه الهستيريا التي لا تستند سوى على عناد أصحابها وانخراطهم في الولْولة وتعظيم التعجّب والاستغراب بدل تذكّر أمور بسيطة يعيشها التوانسة يوميا، منها مثلا مشاهد الأمّهات اللواتي تلتقطن بقايا الخضر من مزابل السوق لتطعم أطفالها.
ألا يكفي مشهد كهذا لكي نفهم سبب التّصويت الشامت للشعب وإسقاط رموز منظومة الحكم؟
أمّا عن نظام السيسي فلن يستمر وسيسقط لأنّ الثورة المصرية اندلعت لتغيير أوضاع الناس ولإنهاء الاستبداد. وكما أن إسقاط مرسي كان موجة من موجات الثورة، فإن إسقاط السيسي موجة جديدة لتحقيق لتحقيق أهدافها. ويجب أن نكون على يقين أنّ المنطقة تشهد تحوّلا تاريخيا عميقًا خارج عن كل الإرادات. ومن المؤكد أن هذا التحوّل لن يكون سهلا وبسيطا متّخذا خطًّا مستقيما، ولكنه ماضٍ في اتجاهه بسبب استنفاذ النظام العربي الرسمي كل إمكانيات الحياة. فنحن نعيش على وقع انهيار النظام الإقليمي الذي نشأ غداة الحرب العالمية الأولى وانهيار الدول التي احتضنها، والقيم التي شرّعت استمراره. بل وانهيار الجماعة الوطنية التي نشأت بموجبه وحكمت باسمه.
ولذلك فإن كل الأحزاب وكل الجيوش وكل الأفكار التي كانت سائدة في المنطقة خلال المئة سنة الماضية ستنهار ولن تقوى على البقاء مهما قاومت رياح التغيير الجارفة.
ويتعين علينا أن نذهب إلى الأعماق، ونفسّر لِلنَّاس ماذا يجري بشجاعة أفضل ألف مرة من استسهال تفسير الظواهر بكونها مؤمرات دُبِّرت بليل.

فمن أين طلع قيس سعيّد؟
إن تراكم الفقر وتوسّعه هو الذي فجّر ثورة 14 جانفي. وقد ذُهِل النّظام حينها أمام انفجار الشّوارع، وأُلّفت قصص المؤامرة الخارجية لأنّ النُّخب الحاكمة لم تفهم أنّ غضب أغلبية السكان وشعورهم العميق بالعار تحوّل إلى حالة استعداد عامّة للموت انتهت بإسقاط نظام الحكم.
في صيف 2013 ،انفجر الشعب مرة أخرى ضد نظام التّرويكا بسبب شعوره بالخديعة والانقلاب على مطالبه، وكان الاغتيال الثاني قد هزّ الضّمائر وشرّع الخروج على الحكم. ولقد ذُهل قادة الترويكا آنذاك، وألّفوا قصص مؤامرة الثورة المضادة على "الشّرعية"، وحاولوا التصدّي لاعتصام الرحيل لأنّهم لم يفهموا أنّ المطالب الاجتماعية هي الرّكن الأساس في التمرّد العام، وأنّ الجوع حين ينهض، قد يتّخذُ لُبوسًا وأشكالًا مختلفة، ولكن مهما كان الشعار الذي يرفعه، فهو لا يُصدُّ ولا يُردّ. ولذلك أُجبرت حكومة علي العريض على التنحّي.
بعد ذلك، جرت مياه كثيرة. وحدث ما حدث. ونجح الباجي قائد السّبسي في صنع الأمل في تغيير أحوال الناس المعيشية، فكان أن ملأ الفراغ واحتل مركز الحكم.
ومرّة أخرى أصيبت تلك الكتلة الأغلبية بالإحباط سنة واحدة بعد انتخابات 2014 ، إذ لم ينظر الحاكم الجديد في أحوال المواطنين، بل تمّت محاولة فرض "مُصالحة" بدت كما لو أنّها انتصارًا للأثرياء السرّاق على حساب الأغلبية الفقيرة.
ومنذ ذلك الحين دخلنا في موجة تمرّد جديدة على منظومة الحكم ظلّت تتصاعد ، وقد غذّاها انفجار الصراع في الحزب الفائز بالانتخابات ممّا سبّب شللًا في كافة مؤسسات الحكم.
أُجبر الحبيب الصيد على الاستقالة، وجيء بمراهق فجّ عديم الإحساس ينظر إلى رئاسته للحكومة كقدر ربّاني وأمر من مشيئة الخالق. وما أن أدّى اليمين حتى ترك مشاكل التّوانسة جانبًا، وبدأ يُحارب تمهيدا لانتخابات 2019. وتحوّل المشهد السياسي إلى سوق سوداء تُديرُها تضامنات مافيوزية مندمجة بعالم التهريب والمال والإعلام المأجور والقضاء الفاسد والأجهزة الأمنية الموازية والبرلمانيين السّماسرة. وانهارت المقدرة الشرائية، واشتعلت الأسعار، وسقط الدينار، وعمّ اليأس والجريمة... وتفاقمت الخصاصة حتّى صرنا نرى أمّهات تلتقطن فضلات الأسواق وتذرفن الدّموع.
ظلّ المجتمع يقاوم بكلّ الأشكال الاحتجاجية من الإضرابات إلى الانتحار. وتمادى النظام في المخاتلة والمراوغة والكذب وتشويه الاحتجاجات والمماطلة. وجاء الردّ بيِّنًا صريحًا من خلال المقاطعة الجزئية للانتخابات البلدية والتي أعطت ما يشير إلى قطيعة ملموسة بين الشعب والطبقة السياسية بِرُمتها، بحيث تراجعت شعبية الأحزاب بشكل لافتٍ، فيما حظت القائمات المستقلة بأغلبية أصوات الناخبين. وبرغم كلّ تلك المؤشّرات لم يدرك السياسيون أنّ المجتمع يعيش حالة إحباط وغضب تُقيم في الفقر واهتزاز الثقة في "السيستام".
من هنا خرج قيس سعيّد. وهذا هو السّبب الذي جعل حوله شبابا من كل الجهات ومن كل الفئات ومن كل المشارب الفكرية. وهذا ما يُفسّرُ ذهول النهضة وبقايا التجمع واليسار المُتكلّس وكلّ الفئات المرتزقة المتمعّشة من مختلف الموائد، من موائد الشريحة المتبرجزة في حركة النهضة، إلى موائد الشرائح المافيوزية المتحكمة في ما يسمى "العائلة الوسطية الحداثة"، إلى الموائد الفكرية المتبقية من أحزان الاتحاد السوفياتي السابق.
قيس سعيّد أيها السّادة هو بؤس التوانسة وخصاصتهم وماؤهم المقطوع وبيوتهم المظلمة ودواؤهم المفقود. وهو غضب أبناؤهم أصحاب الشهادات العليا الذين حُرموا من الشغل ومن العيش. وهو صور الغرقى على جدران البيوت ودمعة أمّ لا صوت لها ولا ظهير.
قيس سعيد هو مطالب الثورة التي عبث بها نظام الحكم. ولستُ متأكّدًا أنّ الرجل سيكون أمينًا على تطلعات من صوّتوا له، ولكن يجب أن تتواضعوا قليلا وتنظروا إلى الواقع دون مرايا مُحدّبة، وتكفّوا عن تأليف القصص الخيالية ورمي الدّاقزة وضرب الكفّ. وتكفّوا عن الاستغراب وتخويف الناس ورمي الرجل تارة باليساري المتطرف، وأخرى باليميني المتطرف، لأن من يجمع حوله اليمين واليسار ويجعلهم يشتركون في نفس الصرخة ونفس الدمعة هو الشّعب فقط.
وأخيرًا ، افعلوا ما شئتم. أعدّوا أنفسكم. توحّدوا. اختزلو أحزابكم في عنوان واحد ختّى لا تخسروا الأصوات، لن تنجحوا في إزاحة هذا المارد. وتذكّروا على الدّوام أنّ الثورة قامت ضد نظام بن علي من أجل الشغل والحرية والكرامة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية