دكتاتورية الشعوب

محمد أبوالفضل
2019 / 9 / 20

الشعب كالمهرج في بلاطه المتقلب إذا راقت له كلماتك نلت رضاه وإعجابه وكنت عنده من المحظيين وإذا لم تروق له كلماتك فأنت إذا من المغضوب عليهم المنبوذين يوما يصنع منك وينصبك بطلا مغورا ويكاد يعطيك وسام الصداره والشرف ويوما يخونك كيفما يشاء ويكاد يرتدي عمامة ويصعد المنابر ليكفرك كيفما يشاء أيضا وإن كنت حادا ولاذعا بما فيه الكفاية فإما سيحلل إراقة دمائك وإما ينصب كلامك منزلا بحسب هواه ومزاجه ومرونته تجاه سخريتك.
ومن ذا الذى سيمنعه؟ ألسنا في زمن الديمقراطية؟ زمن حرية الرأي والرأي الآخر؟ زمن الكلمة كلمة الشعب؟ والشعب يقول كلمته بحرية مطلقة ويقوم بتوزيع صكوك الوطنية كما يحلو له وصكوك الإنسانية أيضا فإذا عبرت عن تعاطفك مع ضحية حاسبك على عدم تعاطفك مع باقى الضحايا الأخرين قد تكون فيما سبق قد عبرت عن تعاطفك معهم فهو يمنح لنفسه الحق بتجاهل ما يريد هو ومحاسبتك كما يحلو له هو أيضا وبأن يراك كما يريد هو كذلك

فإذا عبرت يا سيدى عن مساندتك لقضية ما ولا تشغله البته خلع عنك وجردك تماما من وطنيتك وأتهمك بأنك مكتبجى وقلم مأجور يباع ويشترى وطالب بكسر قلمك وبتكميم صوتك فيقرر متى يشاء متى يكون قبليا وعنصريا وطائفيا وديكتاتورا ومتى يكون ذو وازع إنسانى يهتم بأخيه الإنسان أينما كان

كالدكتاتور لا يحتاج أبدا لأن يكون عادلا ولا منصفا ولا محقا بل يكفيه أن يريد فقط وباتت له كافة الأدوات ليحكم كما يريد هو زمن اللايكات وكفى زمن حكم الشعب زمن طالما حلمنا به وانتظرناه بفارغ الصبر زمن الديمقراطية الحقه فصفعنا الزمن بتلك الديمقراطيات التى على الطريقة البوتينية من فلاديمير بوتين لم ندرك أبدا أن الشعوب المقموعة لا تعرف مسئولية الديمقراطية وأنها حين يقدر لها الحق أن تحكم فإنها غالبا ما ستقلد الأمثلة التي تعرفها وتفهمها

 كالدكتاتور الموسوس تكفيه كلمة هـمست له ضدك لكي يحاربك بكل ما يملك وبكل ما أوتى من جبروت كالدكتاتور المصابٌ بداء البارانويا يتوقع منك الخيانة في كل وقت وحين فلا يعطيك سوى الأمان الزائف كالدكتاتور يشجع فن التجهيل ويشجع أيضا التفاهة ويقمع الحكمة والحكماء ملايين يصفقون لكيم كارداشيان ومقلداتها، ثم عندما تنتهي الرقصة من رقصتها يلتفتون إلى أول صوت عقل يجدوه وينخرطون في محاولة تشويهه بل وتلطيخه بالسواد

 كالدكتاتور يحاول التجهيل والقمع كما يريد وقولبة كلامك كما يريد وأن يسكتك بل يخرسك حين يشاء ويرفع صوتك عاليا صداحا حين يريد لكن حتى في الديمقراطيات البوتينية فالإمساك بجهاز التحكم عن بعد لا يعني التحكم بالصوت بل بالسمع فكل ما تتحكم به هو أذنك وهل تريد أن تسمع أم لا؟ هل تريد أن تعرف أم لا؟

 كالدكتاتور يفضل أن يتكلم دون أن يسمع لوجهة نظر يصم أذنيه عن كل ما لا يروق له من كلام وأكثر ما لا يروق له هو تحمل المسئولية كاملة فالمسئولية تعني أن يسمع ويصغى أن يعى ويعرف أن يحكم ويعدل وأن ينصف
المسئولية واجباته هو قبل أن تكون حقوقك أنت وكالدكتاتور يذكرك بواجباتك أنت دون حقوقك وبحقوقه عليك دون واجباته نحوك أنت

دكتاتورية الشعوب هي فخر للأنظمة القمعية يستريحون على أريكتهم وينظرون لنتائج أعوام من التدجين والترويض تفرخ أشباها لهم، يمارسون ما يمارسونه من قمع وقهر دون حتى أى أجر أو تفويض أو لقاء لا حاجة لشكرهم حتى لولائهم المطلق للفكر الشمولي وإن ضلت بوصلة الشعب لا قدر الله وأتجهت نحو ظلم الدكتاتور، يكفيه أن يهمس بأسم فريسة جديدة يوجه أنظارهم نحوها، بعيدا عنه.

 كيف نستغرب ونتعحب؟ كيف كنا نتوقع أن يكون شكل الحرية مختلفا عند من لا يعرفها؟ عند من لم يحلم بها؟.. هذا هو كل الفرق بين من يستغل الحرية لقمع الآخر وبين من يحارب من أجل حريته وحرية الآخر، حتى لو كانت الحرية لقمعه هو

 كان هناك، كما كنت أنت. هو لم تهتز شعرة في جسمه أمام كل ما رآه، وأنت حتى لو كتمت صوتك، سمعت عقلك يستنكر ويغضب ويحلم بالحرية يوما لترفع صوتك وتقول لا. فعندما جاء زمن حرية الصوت، وجدت صوته أعلى من صوتك.

 هل تمسك جهاز التحكم وتصم أذنيك كما يفعل هو؟ هل اكتسبنا الحرية لنمارس بها حوار الطرشان؟ هل ترفع صوتك أكثر؟ وهل يعلو صوتك على صوت الشعب الدكتاتور؟ هل الحرية هي شريعة الغاب؟ هل هذا ما حلمت به؟ معركة الصراخ الأقوى؟ أم أن الدكتاتوريات تشوه كل ما هو جميل لتبقى؟