صراع الطبقات وانتلجنسيا السلطة في مصر

احمد البهائي
2019 / 9 / 19

امتاز الصراع الطبقي في مصر بخصائص وصفات جعلته مختلفاً تماما عن الصراع الطبقي في المجتمعات الأوروبية، لسبب بسيط أن اقتصاد مصر لم يكن نتاج تطور طبيعي لأنماط الإنتاج المعروفة، وإنما كان نتاجا لمؤثرات خارجية دخيلة عليه، وهي مؤثرات الاستعمار، وبالتالي، فإن الطبقات التي أفرزها المجتمع المصري كانت حتما مختلفة عن مثيلاتها في المجتمعات الأوروبية، من حيث تركيبها وتكوينها وأسس العلاقات بينها، بل بين شرائح الطبقات نفسها، كما أن علاقتها الإنتاجية اختلفت، أيضاً، عن علاقات الطبقات الإنتاجية الإجتماعية الأوروبية، وترتب على ذلك أن الصراع الطبقي كان في البلاد الأوروبية بين الذين يملكون والذين لا يملكون، أما في البلاد المستعمرة أو شبه المستعمرة كان صراعاً، ومازال، بين الذين يملكون والذين يملكون، بدرجة الصراع نفسها بين الذين يملكون والذين لا يملكون!
كان صراع الطبقات التي كانت لا تملك في البلاد الأوروبية موّجهاً ضد طبقة مالكة واحدة، ويتركز ضدها، أما في مصر فالطبقة التي لا تملك دائما ما تجد فوقها طبقتين مالكتين تستغلانها، طبقة البورجوازية، تركبها طبقة قوية تملك وتحكم، وهي الطبقة الاحتكارية، بجناحيها الزراعي الصناعي والتجاري المالي، تلك الطبقتين اللتين كانتا تتحالفان وتتحدان من أجل الحفاظ على مصالحهما، وهذا ما جعل الصراع محكوماً عليه دائما بالفشل، وهذا تجده في البلاد التي كانت خاضعة للاستعمار أو شبه استعمار ومنها مصر.
من ناحية أخرى، هناك جناح ظهر في مصر أوائل الثمانينات، يدعي أنه من الطبقة المتوسطة، لكنه في الحقيقة طبقة صنعتها سلطة الدولة ومن داخل مؤسساتها، تندرج تحت مسمى "انتلجنسيا السلطة" التي هي أحد أجنحة البورجوازية الكبيرة الآن، فالمعروف أن الانتلجنسيا طبقة يصنعها الشعب، أما في مصر فهناك طبقة تصنعها الدولة، وتكون في خدمتها، وهذا ما نراه الآن في مصر، فعندما قامت ثورتا 1919 و23 يوليو 1952، كانت الانتلجنسيا تمثل العمود الفقري في الطبقة البورجوازية الصغيرة التي تتكون من الطلبة والموظفين وأصحاب المهن الحرة من المحامين والمهندسين والأطباء والصحافيين وأساتذة الجامعات وصغار التجار والصناع وغيرهم، والتي كانت تمثل في مصر نفس الدور الذي كانت تمثله الطبقة الوسطى الأوروبية في مناصرة الديموقراطية الليبرالية، لكنها كانت في مصر تمتاز بصفة في التكوين، فكانت تستمد أهميتها من التركيب الطبقي الاجتماعي والثقافي، فكانت الانتلجنسيا المصرية تنحدر من طبقتين اجتماعيتين، هما الاستقراطية والوسطى، وهذا ما كان يميزها في عملها السياسي وفكرها الاقتصادي والاجتماعي. ولكن، في أواخر الخمسينات، دخلت في صراع داخلي بين فرعيها، بفعل عدة عوامل ومتغيرات، أثرت على الأصول الاجتماعية والثقافية للانتلجنسيا، إلى أن تم التخلص من فرع الانتلجنسيا الأرستقراطية، وظهرت الانتلجنسيا الوطنية، التي أرادت أن تتجه إلى طبقة البروليتاريا التي تمثل العمال الصناعيين والفلاحين، لتوسع من قاعدتها، ولكن بعد فترة وجيزة فشلت تلك التجربة بفعل عوامل خارجية وداخلية.
لو قيض لهذه التجربة النجاح لأعطت نموذجا فريدا سجل باسمها، فمن أسباب عدم نجاح انتلجنتسيا الوطنية أنها ظلت تسير على أسس ومفاهيم وآليات انتلجنتسيا البورجوازية الصغيرة ولم تضع الأسس الخاصة بها التي تساعدها على التطور مع تطور الحركة الوطنية، كذلك وقوفها إلى جانب القومية بالأسلوب والطريقة التي تمليها عناصر القومية الحاكمة ضد فكرة الجامعة الإسلامية تارة، وضد الديموقراطية تارة أخرى دون أن يكون لها فكر ومنهج وأسلوب خاص بها، لينتهي بها المطاف إلى حدوث صراع داخلي مرة أخرى داخل الطبقة الواحده، ويتم تحييد قطاع عريض كان أساسها، ويشمل المثقفين والطلبة وأساتذة الجامعات، لتظهر انتلجنسيا السلطة الرافضة تماما أن ينضم إليها أي قطاع أو فئة أو شريحة، وخاصة من الطبقة العاملة الكادحة، الذين ينظرون إليهم على أنهم خداما وعبيدا لهم، وهذا كان واضحا في التصريحات الأخيرة لمن ينتمي إلى انتلجنتسيا السلطة البورجوازية، الذين ملأوا مؤسسات الدولة وأجهزتها دون استثناء، واعتبروها ملكا لهم ويجب أن تورث من الجد إلى الأب إلى الابن .
النهوض بالدول سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، لا يتحقق إلا بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فالثقة وحدها لا تكفي بل يجب الاختيار على أساس الكفاءة والموهبة والخبرة والقدرات والسيرة الذاتية، فمن المعروف أن تكوين الشخص العلمي والاجتماعي والفكري والثقافي وخاصة بالنسبة للمسؤول تحدد نوعية القرارات التي يمكن أن تتخذ في إطار مبادئ الثورة، فكل مرحلة لها أشخاصها التي تحدد طبيعة المهام التي يقوم بها، فالقيادة لا تتوقف على المقدرة الإدارية فحسب، بل يجب توّفر كاريزما اتخاذ القرار، ولهذا يجب على القائد أن يحدد الهدف بوضوح لكل مرحلة ومن ثم اختيار العناصر الملائمة والصالحة لكل مرحلة وخاصة القادرين على تنفيذ الأهداف. وحتى يحدث تغييرا محسوسا وملموسا يشعر به المواطن العادي، يجب استخدام أشخاصا يتسمون بالجرأة والقدرة على اتخاذ القرار بما تقتضية الحالة، كذلك المغامرة ولكن يجب أن تكون داخل إطارها وأصولها وقواعدها.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية