عندما يبني الرئيس دولة عمرها6360 سنة

محمد حسين يونس
2019 / 9 / 19


في تعليق للسيد الرئيس علي ما جاء بمنولوجات (ممثل غاضب .. بسبب إختلافات في الحساب مع الهيئة الهندسية).. قال سيادته أنه (يبني دولة ).. في حين أنه يحكم كيميت ( مصر ) أقدم الدول (بمعني ملك و وزير وحكومة مركزية و أمراء مسئولين عن 20 نوم (محافظة ) في الدلتا و 22 بالصعيد و نظام ضرائب عادل .. و قانون نافذ .. و حقوق إنسان )
كيميت تاريخيا كانت متواجدة مع بداية التاريخ المكتوب سنة 4341 ق.م .. لقد وحد النهر و التجارة و تبادل المنافع أهلها و أكسبهم لغة مشتركة جعلت من جماعات متنافرة متصارعة أمة قبل 6360 سنة
النهر يتحرك من الجنوب للشمال .. و في نفس الوقت تهب الرياح من الشمال للجنوب فسهل هذا حركة البشر و البضائع و الأفكار ذهابا مع التيار و عودة بفرد شراع المركب و تسليمة للرياح
جماعات الكيمتيون المتفرقة تعارفوا و إختلطوا بسبب سهولة الحركة فوق سطح النهر ( علي الرغم من وجود حيوانات خطرة تسبح بجوارهم مثل التمساح .. و سيد قشطة ).. و في مواجهة فيضان النهر و تدميره للقرى و النجوع تماسكوا ..و زاد من أواصر وحدتهم.. تكوينهم لمجتمعات زراعية مستقرة علمتهم كيف يتكاتفون في مواجهة الخطر
ملوك كيميت .. القدماء ..كان بإستطاعتهم السيطرة علي الإقليم .. من الشلالات إلي البحر الأخضر الكبير بدون شرطة أو جيش أو مخابرات .. وفي نفس الوقت تسيير الحملات العسكرية إذا إستلزم الأمر لردع الأعداء علي الحدود .. وفي كيميت كان هناك نظام تحصيل ضرائب بإنتظام .. وكان بإمكان الوزير حشد الناس لترويض النهر و الدغل .. و تمهيد الطرق و بناء المعابر و الجسور و المساكن .. و المعابد و القصور كما لو كانوا يعيشون اليوم بيننا
الإختلاف بين ملوك الأمس و حكام اليوم .. يأتي في صالح القدماء ...حيث قام نظام الحكم علي أربعة دعائم .. الأولي (ماعت ) نتريت العدالة و الإستقامة .. و الثانية (تحوت ) نيتر الحكمة و الثبات و الإنتظام و مبدع اللغة و مراقب الميزان .. و الثالثة (أوزيريس ) نيتر الخصب و التجدد ..و الأمل .. و الرابعة (أمحتوب ) نيتر الطب و الهندسة و العلم و الفن
لفهم هذا قد يفيد أن نقرأ ما كتبة ديورانت المجلد الأول صفحة 91
((و كان الملك و أعيان الأقاليم يستعينون بالكتبة للمحافظةعلي النظام و سلطان القانون في الدولة .. و تصور بعض اللوحات القديمة الكتبه و هم يقومون بعملية الإحصاء و يحسبون ما دخل الخزانة من ضريبة الدخل .. و يستعينون بالمقاييس النيلية التي تسجل إرتفاع ماء النهر لمعرفة ما سيكون علية موسم الحصاد فيقدرون منه إيرااد الحكومة في العام التالي و يخصصون لكل مصلحة من المصالح ما سيكون لها من نصيب في هذا الإيراد)).
بمعني خطة و موازنة مبنية علي تقديرات عادلة .. من 6000 سنة
((و كان عليهم فوق ذلك أن يشرفوا علي شئون الصناعة و التجارة و لقد أفلحوا من بداية التاريخ تقريبا في وضع نظام إقتصادى تشرف الدولة علية))
.. هذه هي دولة كيميت .. التي يتصور البعض أنها خرابة و يريد بناء علي نصائح صندوق النقد و البنك الدولي بناءها بعد 6000 سنة
فلنكمل ((و كانت القوانين المدنية و الجنائية غاية في الرقي كما كانت قوانين الملكية و الميراث في ايام الأسرة الخامسة قوانين مفصلة بدقة و كان الناس جميعا متساوين مساواة تامة امام القانون )).
بمعني أن إعادة إنشاء الدولة .. يستحسن أن يبدأ بدراسة ما كنا علية ..من الاف السنين
((لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاما و كانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ و كان الوزير علي رأس الإدارة كلها يشغل منصب رئيس الوزراء و قاضي القضاة و رئيس بيت المال و كان الملجأ الأخير للمتقاضيين لا يعلو علية في هذا إلا الملك نفسة .. وترى الوزير في نقش علي قبر يخرج من بيته في الصباح الباكر ليستمع إلي مظالم الفقراء و يصغي إلي ما يقوله الناس لا يميز فيها بين الحقير و العظيم)).
فلنختم هذه الإقتباسات بجزء من خطاب الملك لوزير معين حديثا
((إجعل عينيك علي مكتب الوزير و راقب كل ما يحدث فيه و إعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد ، ليست الوزارة حلوة بل هي مرة و إعلم أنها ليست إظهار الإحترام الشخصي للأمراء و المستشارين و ليست وسيلة لإتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا أنظر إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلي فإحرص علي أن يجرى القانون مجراه في كل شيء و أن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده ..و أن يعطي حقة , إعلم أن المحاباة بغيضة إلي الإله فأنظر لمن تعرفه نظرتك لمن لا تعرفه و إلي المقربين من الملك نظرتك إلي البعيدين عن بيته .. أنظر إن الامير الذى يفعل هذا سيبقي في هذا المكان و ليكن ما يخافة الناس من الأمير أنه يعدل في حكمة)).
بماذا تهتم الدولة المعاصرة.. الأكثر تقدما .. تهتم بأن يكون سكانها هم مصدر السلطات مصان حريتهم الفردية و ملكيتهم الخاصة و يتمتعون بالعدالة و المساواة و المشاركة الإيجابية ...
و ألا يكون هناك من هو فوق القانون ..و يعتبرون الموظف العام ..خادم للشعب و خاضع للنقد و الرقابة بكل أنواعها ( شعبية ، برلمان ، أجهزة متخصصة مستقلة ) ..
تهتم بفصل السلطات الأربعة كحجر الزاوية للبناء المؤسسي .. و الحرص علي عدم تغول السلطة التنفيذية علي التشريعية .. و القضائية و الإعلامية شرط أساس وضمان لحسن سير الدولة
. . هل الكيمتي القديم فعل ما هو أقل من ذلك .
في كيميت كان هناك حاكم محلي لكل إقليم .. و نظام ضرائبي ..وقانون و محاكمات عادلة و تقاليد ترفع من شأن المرأة .. و تحض علي أن يحترم الصغير الكبير .. ورغم إحتفاط كل جماعة بمنظومتها الدينية إلا أن (كائناتهم المقدسة) كانت تعيش متجاورة في تسامح و تفهم مما أكسب الكيمتيون مرونة إستيعاب الأخر و قبوله و دمجه في منظومة قيم متحضرة
أنصح بقراءة كتاب (فجر الضمير ) لهنرى بريستد أو كتاب (تاريخ مصر من أقدم العصور) .أو الجزء الثاني الباب الثامن من موسوعة (قصة الحضارة ) ول ديورانت .. و هي كتب لا نتداولها في المدارس أو الجامعات أو الأكاديميات العسكرية
الدولة الموحدة و نظام تحصيل ضرائب عادل .. و حسن إستخدام و توظيف الثروة .. بالإضافة إلي علوم الكهنة المتفرغين للتدريب و الإرشاد و التعليم .. و حماس الأمراء و الجنود و قدرتهم علي تحقيق الأمن علي الحدود .. ساعد علي إستقرار البلد و نمو الحرف و الفنون و حول كيميت إلي أول دولة في المنطقة منضبطة.. متحضرة.. يتمتع أهلها بالأمان و العدالة ..و الرفاهية .. و نفاذ القانون .. فهل هذا هو ما يريد سيادة الرئيس بناءه
قبل نشوء الدول .. كان البشر يعيشون في قطعان منفصلة متناحرة علي هيئة قبائل أو عائلات أو تجمعات قروية مهددة .. معظم الوقت بواسطة أعداء معروفين أو غير منظورين.. الموت و المرض و الجوع و الخوف ..الجهل و الحشرات و الزواحف .. و الحيوانات .. كلها كانت تمثل بيئة عدوانية .. تقصف عمر البشر .. و تجعلهم يعيشون يرتابون في كل حدث أو حديث
القطيع البشرى سواء كان أموى ( يلتف حول أم ) أو ابوى (يخضع لسلطة زعيم ) دام تجوله علي ظهر الأرض لفترات طويلة .. ثم تميز إلي قسمين أحدهما ظل علي بداوته يجول في الصحارى و الجبال و الغابات .. و الأخر إستقر حول مجارى الأنهار مكونا مجتمعات زراعية.منها كيميت.
الصراع بين البدو .. و اهل الزراعة لم يتوقف ابدا .. غزو و إعتداء و نهب .. من البدو .. و تأديب و إبعاد لهم بواسطة الزراع ..عن طريق تجريدات تضمن .. سلامة و أمن الحدود .إنها القصة الأطول في تاريخ البشر و العلامة الفارقة في مسار بلدنا .
نحن لسنا بصدد كتابة تاريخ بلدنا .. بقدر رصد أن نظام الدولة الذى وضعه الأجداد ظل ساريا يطبق علي مدى العصور .. في زمن الرخاء ( 4000 سنة إستقلال ) .. و في أيام الإنكسار( 2500 سنة إحتلال منذ الغزو الفارسي 525 ق .م) .. لم يغيرة الحاكم إبن الوطن .. و لم يعدل فيه المحتل ...إلا في حدود زيادة قدرات الجباية .
الكيمتيون .. لم ثوروا من أجل التغيير .. بقدر ما كانوا ينتفضون من الظلم .. يصخبون و يدمرون .. ثم يعودون لما كانوا علية .
كانت الإنتفاضة تأتي عادة كرد فعل لزيادة مقدار الضرائب ( علي المحصول .. و الضرع .. و الزواج و الطلاق .. ألخ ) .. فلقد كان النظام الذى قرره الأجداد متوازنا لدرجة أن يبق للمزارع أو الصانع أو التاجر ما يكفية لإعادة دورة الإنتاج.. وفي نفس الوقت يضمن تحصيل ضرائب تسمح بإجراء الإصلاحات اللازمة لإستمراره ...
فإذا ما زاد حجم الجباية أدى هذا لجوع الناس و تذمرهم .. و إذا ما إنخفض المحصول أصبح السبب في مضاعفة الجور و عنف الجباية .. وظلم مبين .
الكميتي ينتفض عند إختلال الإتزان الإقتصادى .. إنتفض ضد ملوكه ..وضد الفرس .. و الرومان .. و العرب والعباسيين .. و عشرات المرات ضد المماليك .. و الأتراك و الفرنسيين .. و الإنجليز .. والسادات .. و مبارك .. و في كل مرة كان السبب هو الجور و إفتقاد عدالة الجباية .. و فظاعة طرق التحصيل ..و في كل مرة لم يتغير الموقف إلا في حالتين مع إنتفاضة (أحمس ) و طرد الهكسوس في نهاية الأسرة السابعة عشر .. وأخرى مع أبسماتيك الأول 610 ق.م ضد الأشوريون في الدلتا .. و الإثيوبيون في الصعيد .. و إنهاء حكمهم .
باقي الهبات .. لم تحدث تغيرا في أسس النظام ..هزته و لكنها لم تهزمه .
أول هبة (ثورة ) في التاريخ كانت ضد ( بيبي الثاني) خامس ملوك الأسرة السادسة بسبب زيادة الضرائب و سجلها الحكيم إيبور في كتاباته .. في الدولة المتوسطة لم تتوقف الهبات ضد الهكسوس ثم في الحديثة (الأسرة 18 ) ضد رمسيس الثالث بسبب جور الكهنة و جامعي الضرائب .. و زمن البطالسة .. قامت هبة واسعة ضد بطليموس الرابع... و مع الإحتلال الروماني لم تتوقف الهبات و لكن أكبرها التي كادت أن تنهي حكمهم بعد أن وصلت للأسكندرية .. يطلق عليها ( حرب الزرع ) أو البكولية .. ثم إنتفاضة البشموريين ضد الخلفاء العباسيين .. التي إضطرت المأمون لإعادة غزو مصر .. ثم عشرات الهبات ضد المماليك و العثمانيين و الفرنسيين و الإنجليز.
لقد كان نزح حصيلة الضرائب للخارج أو إنفاقها فيما لا يعيد دورة الإنتاج ..و إهمال الإنفاق العام لصالح الوطن عاملا مساعدا علي الغضب ..فترك الترع و المصارف دون تطهير و منع المياة عن الزراع .. و كثرة اللصوص و الشطار ..و عدم صلاحية الطرق للحركة .. تجعل الكميتي غير قادر علي المحافظة علي قوته .. و محصولة .. و نتائج عملة و شقاه .فينتفض .. و قد يهرب من الأرض التي يناله فيها الجور
وهكذا نستطيع دون أن نبتعد كثيرا عن الواقع أن نقول .. أن الدولة المصرية بقوانينها و تقاليدها .. و أساليب عملها ..الكيميتية .. لم تتغير في أى عصر .. و أن سر تميزها هذا ..كان عائقا أمام تطورها .. حتي مع إحتلال الفرنسيين و محاولاتهم .. تغيير النظام ليصبح فرنسي الطابع ..أوبعد أن فرض الإنجليزى نظم إدارية أخرى .. ظلت العلاقة .. بين الحاكم و المواطن ..بائسة .. أو كما أوردها ..جمال حمدان في موسوعته.في الجزء المعنون ((في السياسة ونظام الحكم )) الصفحات من 575 و حتي 577
(( لاشيء يقينا ككلمة الفرعونية يلخص و يشخص مأساة مصر السياسية المستمرة بلا انقطاع طوال التاريخ والمجسدة بلا حياء ما تزال في صميم حياتنا المعاصرة فلقد صارت هذه الكلمة التعسة (السيئة السمعة )علما علي الطغيان المصرى البشع البغيض في كل مراحله حتي وإن إختفت التسميات والمسميات أو تطورت الاشكال والشكليات . فالسلاطين و المماليك في العصور الوسطي هم كما أوشك المقريزى أن يضعها فراعنة ولكن مسلمون ، مثلما كان الفراعنة أنفسهم أباطرة وقياصرة وأكاسرة ولكن مصريون هذا بينما عد محمد علي بعد ذلك آخر المماليك العظام وأول الفراعنة الجدد .إن الفرعونية بوضوح مطلق الآن هي لاشك أبرز مثلما هي أسوأ مظاهر الاستمرارية في كيان مصر )).
بالطبع يقصد من الفرعونية هنا .. السلوك الناتج عن ما يسمي بالإستبداد الشرقي .
((أما العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهي تقليديا علاقة قهر و مقت و إكراه وكره، استبداد وحقد ،بينما العلاقة بين الحكومة والشعب هي الريبة والعداوة المتبادلة بكل التفاهم الصامت إن لم تكن الأولي العدو الطبيعي للثاني في نظر البعض)).
السؤال هل .. يريد سيادة الرئيس تغيير هذه المعادلة الظالمة .. و هو يبني مصر ...إن كان هذا فنحن معه .. قلبا وقالبا ....أم أن البناء لدى سيادته هو صب الخرسانة .. و إقامة الحوائط.. و الشعب بقالة 6360 سنة كدة .. نخليهم .. ستة الاف تلتماية و تمانين .. مش حيجرى حاجة.. فنحن له معارضون .
بالمثل ، فإذا لم تكن مصر –لحسن الحظ – ((لم نعرف طبقة حاكمة وراثية علي غرار سلالات الارستقراطيات الأوروبية فإنها - لسوء الحظ أكثر- عرفت غالبا (العصابة الحاكمة)، ولا نقول الحثالة الحاكمة ، بمعني عصبة مغتصبة تستمد شرعيتها من القوة غير الشرعية ومن هنا فلنثن كانت مصر الطبيعية حديقة لا غابة فقد كانت علي العكس بشريا غابة لا حديقة وإن كانت زراعيا مزرعة لا مرعي فقد كانت سياسيا مرعي لا مزرعة للاسف . بالتالي فكثيرا ما كانت مصر الي حد بعيد حكومة بلا شعب سياسيا وشعب بلا حكومة اقتصاديا)).
نعم صديقي .. خصوصا حكاية شعب بلا حكومة إقتصاديا ..
((وهذا ما يصل بنا فى النهاية الى ذروة النظام ـ وذروة المأساة أيضا . لقد كانت مصر أبدا هى حاكمها ، وحاكمها هو أكبر أعدائها ، وأحيانا شر أبنائها . وهو على أى حال يتصرف على أنه ( صاحب مصر ) ، ( ولى النعم ) ، أو الوصي على الشعب القاصر الذى هو ( عبيد إحساناته ) ، وظيفته أن يحكم ووظيفة الشعب أن يُحكـَم ، وأن الشعب الأمين هو شعب آمين ، والمصرى الوطنى الطيب هو وحده المصرى التابع الخاضع ، إن لم يعتقد حقا أن المصرى لا يكون مصريا إلا إذا كان عبدا أو كاد)).
كتب المؤلف هذا قبل وفاته عام 1993 .. في نبوءة غريبة .
((والحقيقة أن حاكم مصر طول تاريخها الماضى إن لم يكن ينظر غالبا الى الوطن كضيعته الخاصة والى الشعب كقطيع ، فقد كان على أحسن تقدير يتبنى فكرة الراعى الصالح والرعية التوابع ، أى فكرة الأبوة وألابوية العتيقةالطيبة أو القاسية بحسب الأحوال، وبحيث كان الحكم المطلق أشبه عمليا بالحكم الرومانتيكى، والدولة الفردية أقرب فى الواقع الى الدولة الشخصية)). Personal State
((وبالمقابل أو فى الاتجاه المضاد، ولكن للمزيد من الأسف والأسى أيضا ، فإن مصر المحافظة أبدا المفرطة الاعتدال جدا والتى لا تؤمن بالطفرة ولكن بالتدريج الوئيد أساسا ، لم تعرف الثورة الشعبية بالكاد ولكن الانقلاب العسكرى فقط وذلك منذ الفراعنة والمماليك حتى اليوم بلا استثناء ولا إختلاف ، إستمرارية، يعنى فى قاعدة الانقلابات وغياب الثورات.
فخلال أكثر من خمسة آلاف سنة لم تحدث أو تنجح فى مصر ثورة شعبية حقيقية واحدة بصفة محققة مؤكدة، مقابل بضع هبات أو فورات فطرية متواضعة أو فاشلة غالبا ، مقابل عشرات بل مئات من الانقلابات العسكرية يمارسها الجند والعسكر دوريا كأمر يومى تقريبا منذ الفرعونية وعبر المملوكية وحتى العصر الحديث ومصر المعاصرة)).
((وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا ومن البداية الى النهاية شعبا غير محارب جدا أو الى حد بعيد فى الخارج ، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادى فى الداخل وبالتالى كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم ، وفى ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسى وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكرى، أى كان يمارس الحل السياسى مع الأعداء والغزاة فى الخارج والحل العسكرى مع الشعب فى الداخل، فكانت دولة الطغيان كقاعدة عامة إستسلامية أمام الغزاة بوليسية على الشعب .))
((فى هذا وذاك ( كيف لا؟ ) جاءت لعنة خضوع الحكم العسكرى الاغتصابى الاستسلامى للاستعمار الأجنبى على المستوى الخارجى ولعنة خضوع الشعب السلبى المسالم للحكم البوليسى فى الداخل . وهى جميعا سلسلة متناقضات ساخرة ، بقدر ما هى قطعة من الاستمرارية المأساوية المحزنة المخجلة)).
الدكتور جمال حمدان شخص المشكلة بصورة تقترب من الواقع.. بحيث أنها لازالت قائمة بعد ربع قرن من مغادرته (1993.). و بالتالي .. فالعلاج .. هو تطويع ذلك النظام .. الراسخ ليصبح معاصرا .. تحويل الإستبداد الشرقي ليكون ديموقراطية .. تحويل الحاكم .. من متسلط علي الشعب إلي واحد منهم يتم إختياره و تغييرة .. و محاسبته .. و تقييمة بواسطة المحكومين .. فإذا ما كان مطلوب بناء دولة جديدة تكسر إستمرارية النظم الكيميتية .. و تخرج إلي نور معاصرة ..فلن يتم هذا بالقصور و الطرق و الأبراج ..و المنوريل و المؤتمرات .. و الدورات الإفريقية لكرة القدم .. و لا بقوة و نفوذ و دجل أجهزة الدعاية و البث .. ولا بنشر الخوف و الحذر و الفزع .. بل بقراءة جمال حمدان العالم الصادق الذى توفي دون أن تقدر جهدة بلده
هل نحن في حاجة لبناء دولة من جديد .. و الإجابة بكل تأكيد.. نعم .. و لكن أى دوله .. هل هيكلية شكلها عصرى و في داخلها إستبداد ممرض كما فعل الخديوى إسماعيل .. أم هي دولة كالتي نسمع عنها في اليوتوبيات ..ولا تتحقق علي مر الزمن .. أم هي دولة معاصرة مثل اليابان و الصين و الهند .. تتبع نظم ديموقراطية .. و تصون الحرية .. وتزاول إتزانا إقتصاديا يوفق بين الإحتياجات و الإمكانيات
الخروج من متاهات الإستبداد الشرقي أمر ممكن .. لو إستطاع الناس .. تحييد صوتين أحدهما أصحاب القوة المسلحة .. الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء علي شعوبهم .. و الكهان الذين يسوقون للطغاة طغيانهم .. و يميعون الصراع في غير صالح المضطهدين المستضعفين . و هو ما حدث في كثير من الأقطار التي إبتليت بالمستبدين
الإستبداد الشرقي لم يخص (كميت) فقط... فالمجتمعات الزراعية كلما تواجدت في شكل دولة .. كانت الغلبة فيها للجماعة الأقوى التي يخرج منها الحكام .. و هذا يعطيه حقوقا أقرب لإرادة الأرباب .. فهوالأكبر و الأعظم و كلمته مسموعه سواء كان ملكا أو قيصرا أو كسرى أو خان أكبر .. أو خليفة أو ديكتاتور يحكم شعبا مستسلما بإستبداد يسمح له أن يأمر بالقتل دون أن يتحرك له جفن .. أو يعفوعن من لا يستحق العفو أو يمنح البعض و يبخل و يقتر علي أخرين .. كما جاء بالجملة المشهورة عن أحد المستبدين (ذهب المعز و سيفه ).
المستبد يحتفظ دائما بأوليجاركية عسكرية مطيعة ...تحمية و تنفذ أوامرة ..وفي نفس الوقت تأكله إذا تباطء في تقديم طعامها .. و لا يهم إن كانت محلية أو مرتزقة فالعبرة بالنعيم الذى سيسبغه عليهم .. و بجوارها .. فصيل من الكهنة الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف ..
يبررون .. و يلفقون .. و يضللون .. ما دامت الفتة و الهبر جاهزة... ثم فريق المساعدين من القضاة والجباة و العسس والسجانين .. هذه العصبة أو العصابة .. هي التي تمنح البغاة قبلة الحياة .. يضاف لها منذ الزمن الهتلرى .. جوقة البث و الدعاية .. التي لا تتوقف عن تزويق الزيف .. و تسويق الباطل
جميع شعوب الأرض مرت بهذه الفترة المأساة .. و جميع شعوب الأرض الزراعية طاردتها خيول العسكر و فتكت بأهلها سهامهم .. و نبالهم .. و سيوفهم.. وسرقت ثرواتهم .. خصوصا في الهند و الصين و اليابان حيث الأرستقراطية العسكرية .. تستولي علي كل الخير .. و لا يهمها أن يهلك الملايين جوعا ..
ماذا حدث .. لشعوب عانت من إلإستبداد الشرقي و برأت منه .. و كيف تخلصت من نيرة
علينا أن نتأمل مسيرة اليابان في بداية القرن التاسع عشر .. و كيف نهضت عندما تعلم الياباني أن يصنع الاته و أسلحته .. و بواخرة .. في نفس زمن نهضة محمد علي مع الفارق أن نهضة اليابان إستمرت رغم أنها ضربت بقنبلتين نوويتين .. و لازالت تبهر العالم بعلماءها و صناعاتها ..
اليابان من الإستبداد الشرقي إلي المعاصرة عبر إعتناق الليبرالية
الصين أيضا كانت محتلة .. و كان المحتل يخضعها بإدمان تدخين الأفيون .. و كان الجوع علامة .. و التفرقة و الجاسوسية و القهر عمل يومي .. و إنتصر الحزب الشيوعي في زمن يقارب حكم الضباط الأحرارلمصر .. و توالت الإنتصارات .. و النكسات .. و التي إنتهت بهم أقوى إقتصاد في العالم .. يناهض أمريكا
الصين من الإستبداد الشرقي إلي المعاصرة عبر إعتناق الشيوعية..
الهند كان بها أسوأ تمييز طبقي عرف في التاريخ .. حيث يوجد بعض من سكانها يولدون منبوذين .. لا يأكل من وعاء إلا و يحرق .. و علي ذكر الحرق كانت الأرملة تحرق مع جثة زوجها المتوفي .. الهند كانت بها مجاعات و أوبئة .. و مشاكل إنسانية محبطة .. و مع ذلك فنهرو .. صديق عبد الناصر .. و شريكة في عدم الإنحياز عبر الهوة لتصبح الهند واحدة من ملاك الأسلحة النووية ..
الهند من الإستبدا الشرقي إلي المعاصرة عبر إعتناق الديموقراطية
الدول الثلاثة النموذج تغيرت .. و تركتنا .. ننعم بإستبداد شرقي مزمن .. لا نريد أن نهجرة .. لقد جاءت الفرصة مع محمد علي لنصبح مثل اليابان .. و مع بداية الثورة لنصبح مثل الصين .. و مع عبد الناصر لنصبح مثل الهند .. و لكننا في كل مرة يفوتنا القطار ...بسبب مغامرات عسكرية تنتهي دائما بالهزيمة والنكوص و الإستسلام
عندما إستقر الإنسان في منطقتنا حول الأنهار .. كان سكان العالم قد إنقسموا إلي نوعين من المجتمعات .. أحدهما زراعي عبودى مستقر .. مثل بلاد مابين النهرين و مصر و الشام ..إستخدم أسراة ليعملوا لقاء لقيمات عزيزات لذلك كثرت الحروب و الغزوات من أجل السبايا و العبيد و تبادلت الشعوب النصر و الهزيمة مع جيرانها
و النوع الأخر بدو يجوبون الصحارى و الجبال ..كالعرب و اليهود و الأتراك .. و المغول و التتار .. و يعتدون علي الجيران كلما سنحت الفرصة لنهبهم و سرقتهم ..
تبادل الإعتداءات بين المجتمعين .. لم يتوقف إلابعد سقوط حصون المجتمعات الإقطاعية في فخ الترف و ألإنفصام عن شعوبها .. و الإستعانة بالمرتزقة لجيوشها .. فإنتصر البدو سواء كعرب أو يهود أو ترك .. و فرضوا علي الشعوب المغلوبة جزية .. و مكوسا ثقيلة لا تسمح لهم ببناء حياة جديد ة قادرة علي هزيمتهم ..
وادى النيل و بلاد مابين النهرين .. و الشام بلاد منكوبة بإنقلابات عسكرية لا تتوقف .. تهدر الطاقة .. و تبدد الأمل و تمنع أن تتطورها إلي مجتمع ديموقراطي إشتراكي إنساني إلا في الشعارات .. و الكتب ..
في أوروبا وحتي مطلع القرن السادس عشر .. كان الإستبداد علامة .. يتحالف فية رجال الدين الكاثوليك .. مع الأمراء و الأباطرة الإقطاعيون ..
و كانت الحروب لا تتوقف .. و النهب و التجريف للثروات لا يؤثم .. و كان البابوات يعيشون في ترف .. لا زلنا نرى أثارة في متحف الفاتيكان..
ثم بدأ عصر جديد عندما كسرت مراكب أسبانيا و البرتغال .. حدود بحر الظلمات .. و إكتشفوا قارات جديدة .. بها قوم سذج يبادلون الذهب و الجوهر بعقود الخرز ..
نهب العالم الجديد .. وإستخدام العبيد المجلوبين من إفريقيا و الصراع البحرى عبر المحيط .. و الثروة التي تجمعت بأيدى التجار .. قلبت الموازين ..
و تغيرت محددات البناء التحتي بالمغامرة و الصناعة و إكتشاف البخار ثم البترول فالكهرباء .. ليصبح ساكن المدينة البرجوازى .. هو المتحكم في المجتمع ..
و مع تغير البناء التحتي تغيرت القوانين و العلاقات البشرية ليسودها الحرية.
الحربين العالميتين .. أنهيتا دور الإقطاع و الإستبداد بعد أن عشش بين الناس لقرون و خرجت بهم إلي براح الحرية و الديموقراطية و حقوق الإنسان ..
رحلة البشر من مرحلة العبودية .. إلي الإقطاع إلي الرأسماية إلي الليبرالية إلي الإشتراكية .. رحلة طويلة .. قطعتها كل شعوب العالم .. ما عدا حمادة فنحن لازلنا في العقد الثاني من القرن الحادى و العشرين نعيش إستبدادا شرقيا ..و عندما نفكر في بناء دولة جديدة .. نتجه نحو تقليد دول العربان التي لم يكمل عمرها قرن .. متخلصين من 6300 سنة و كفاية علينا الستين .
كيف نخرج من هذه المتاهه .. فلننظر حولنا .. و نرى كيف خرجت الهند و الصين .. و كانتا في علي فوهة بركان .. أو كيف تغيرت اليابان .. و نتعرف علي معني الحرية و الديموقراطية و بناء الإنسان .. بدلا من بناء مقلدات لمدن الخليج .. بالقروض و الديون

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول