الطموح وحده لا يصنع الفارق

محمد السعدنى
2019 / 9 / 18

يمكن للطموح وحده أن يصنع الفارق، شريطة أن يكون طموحاً رشيداً له ما يدعمه من تخصص وتفوق وموهبة وإبداع وتخطيط وكفاءة، هذا ما يتصوره كثيرون منا حين يحسبون الفارق بمقدار ما يتحقق من ثروة وشهرة وسلطة، وهم لا شك مخطئون إذ لاقيمة لفارق يتحقق مالم يضاف إليه ما يعطيه القيمة. والقيمة المضافة هنا هى قيمة النموذج والمثال والقدوة وبراعة الفكرة وعمق التجربة والمعنى والبعد الإنسانى. وهذا ما يتوجب علينا أن نبحث عنه وأن نوجده إذا أردنا تحقيق ذواتنا وطموحنا، سيان فى ذلك الأفراد والشعوب والأمم. فلا تحسبن الطموح ومهما عملت لتحقيقه هو قادر وحده أن يضيف إليك قيمة فى المجتمع وبين الناس والأمم، فكثيرون حولنا حققوا الشهرة والثروة وربما الجاه والسلطة، لكنهم ظلوا بلا قيمة بين الناس حتى ولو احتفوا بهم ودفعوا الآلاف ليتفرجوا عليهم فى أفلامهم وحفلاتهم، ورغم ذلك لن يعدوا أن يكونوا إلا ظاهرة فى حالة مد لابد آتيها الزمن بموجة الجزر لتجرفها الأيام، فلا تكاد تترك فى الحياة بعدها أثراً. والأمثلة فى حياتنا الفنية والسياسية والعلمية أمثلة كثر على ما أقول، لكن لا يبقى منهم فى ذاكرة الناس والحياة إلا من أضافوا إلى ماحققوه من طموح قيمة رفيعة، تبقى علامة على التفرد والرقى والتفوق والإنسانية، وبما يتركون من بصمات تبقى فى ذاكرة الناس وضمائرهم حتى بعد أن يسدل الستار أو يغادروا إلى غير رجعة مسرح الحياة.
أقول هذا رداً على كثير مما جاءنى من تعليقات القراء على مقال الأسبوع الماضى «فى مديح مايكفى» وما أثاروه فى رسائلهم من أفكار وتساؤلات أحسبها جادة ودالة فى الوقت ذاته على أن القارئ لم يعد ذلك المتلقى الطيع بل غادر موقعه إلى حيث المشارك والمناقش والمعارض والناقد والمفكر أحياناً آخر. الملاحظ أن الرسائل جاءت من طيف عريض بداية من الشاب البسيط إلى المثقف الواعى لأستاذ الجامعة لأصحاب التجارب والمواقف والرؤى والأفكار، وهى فى مجملها رسائل جديرة بالمناقشة والعرض والتحليل. وهذا فى ذاته دليل على أن ذلك المجتمع الذى يعامله إعلامنا محدود الوعى والرؤية عديم الكفاءة على أنه قاصر بليد، قد أنضجته المعاناة والتجارب والسماوات المفتوحة وثورة المعلوماتية فشب عن الطوق بينما يحاولون إلباسه ثوبا ضيقا مليئا بالثقوب، ويقتلون طموحه للأفضل والأحسن، على خلاف ما يفعل الإعلام الغربى الذى يقود بأفكاره وكياناته وشخوصه عملية تطوير وتحديث الأفكار وخدمة المتلقى بما يقدمونه من معرفة وإعلام وتنوير، ويحضرنى هنا أمثلة كثيرة لإعلاميين أوروبيين وأمريكيين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بالعلم والفكر والثقافة، وقدموا النموذج علامة على إعلام حداثى يدفع للتقدم والرقى واحترام المواطن بلا تكلف أو تسطيح وتفاهة وابتذال. إعلام يصنع الفارق، بينما إعلامنا تديره عقول السناجب.
فى كتابه الشيق «كيفما تكون كن أفضل»، يقول بول آردن الكاتب والإعلامى البريطانى: «قد تساعدك الموهبة، لكنها أبداً لن تأخذك إلى حيث يمكن أن يصل بك الطموح» فى إشارة إلى أن الموهبة واحدة من شروط تحقيق الطموح، إذ لا طموح لا تدعمه الموهبة والكفاءة والجدية.
ولعلنا نقدم لك فى مقال آخر قراءة لهذا الكتاب المهم الذى حقق أعلى المبيعات فى إنجلترا منذ خمسة عشر عاماً. وعلنا أيضاً نشير إلى واحد من أهم كبار إعلاميينا هو الكاتب والشاعر المثقف الكبير جمال الشاعر، وهو مثال على أن بارونات إعلامنا الفارغين من كل معنى هم من يتصدرون الصفوف، بينما القادرون على صناعة الفارق يتوارون خلف مراكز شرفية لا يخاطبون من خلالها الجماهير. فى مقال له بالأهرام بعنوان «عقول من النوع السنجابي» كتب جمال الشاعرعن أولئك الذين يأخذهم الطموح إلى حيث الطمع، لا إلى شىء سواه، لكأنهم كما السناجب تقضى عمرها فى قطف وتخزين ثمار البندق بكميات أكبر بكثير من قدر حاجتها. ولعل جمال الشاعر دون أن يفصح فى مقاله كان يؤكد رؤيتنا بأن الطموح وحده لا يصنع الفارق، فالفارق فى قيمته ومعناه ونموذجه وإنسانيته قبل كمه وقدره ووفرته.