تونس: استنتاجات أولية بعد ترشح قيس سعيد ونبيل القروي للدور الثاني للانتخابات الرئاسية

بشير الحامدي
2019 / 9 / 16

تونس: استنتاجات أولية بعد ترشح قيس سعيد ونبيل القروي للدور الثاني للانتخابات الرئاسية

الانتقال الديمقراطي وبما انتهى إليه من مأزق وفشل في الثماني سنوات الأخيرة لم يكن ممكنا له أن يسمر دون أن تظهر شخصيات من خارج ممثليه التقليديين وتلعب لعبة المخلّص في عيون ضحايا سياساته.
نبيل القروي أو قيس سعيد ليسا من خارج السيستام وإن كان يحسب لقيس سعيد أنه من خارج منظومة الفساد وكلاهما لم يكن يوما ضد مسار الانتقال الديمقراطي (الانقلاب على 17 ديسمبر) وقد فرضت صعودهما أزمته ومن سيصل منهما لكرسي قرطاج لن يحكم بإرادة من انتخبه بل سيحكم بما تتطلبه مصلحة السيستام وقواه المتنفذة واستمرار سياسات الانتقال الديمقراطي.
...
الأغلبية التي انتخبت قيس سعيد ونبيل القروي من اللذين ذهبوا لصناديق الاقتراع هو تلك الشريحة التي تقبع في القاع الاجتماعي مذ عشريات تلك الشريحة التي داست عليها دولة بورقيبة ودولة بن علي ودولة الانتقال الديمقراطي تلك الشريحة التي ضاقت بها سبل الحياة وصارت تعيش بخوف دائم وعجز مستمر حتى عن تلبية أبسط المقومات شريحة تعيش باستمرار تحت غائلة الفقر والتهميش ولم يعد لها من أمل في تغيير أوضاعها في دولة لم تنجح طيلة أكثر سبعين عاما غير مراكمة الفقر لدى الأغلبية والمال والنفوذ لدى أقلية مفصولة فاسدة ومرتبطة.
الذي جاء بقيس سعيد وبنبيل القروي للدور الثاني هم أولئك الذين كما يقال ليس لهم ما يخسرون هم أولئك الذين لا لم يعد بإمكان لا وسائل الدعاية التقليدية ولا للخطاب الحزبي الخشبي أن يدجينهم لقد خبروا هذا الخطاب ووقفوا أكثر من مرة على زيفه هم أولئك الذين لم يعد يجمعهم بالسيستام القائم أي جامع هم أولئك الذين أصبحوا يرون أنهم غير معنيين بصراعات الفوق الفاسد وبخطابات الدعاية الممجوجة للأحزاب وفي كلمة هم أولئك الذين لا يعنيهم غير قلب الأمور جميعا لعل أملا ما يمكن أن يتحقق وينقلهم من الأوضاع التي هم فيها إلى ما هو أحسن وليكن حتى المجهول فليس لهم ما يخسرون بالنهاية.
لكن لا يجب أن نغفل على أن الشريحة التي صوتت لقيس سعيد و إن كانت في عمومها تنتمي لهذا القاع إلا أنها تحمل تمايزا عن الشريحة التي صعدت نبيل القروي لا بد من الوقوف عنده وهو أن طليعتها وتحديدا من الذين قاموا على تنظيم حملة قيس سعيد هم من "شباب الثورة" كما يسمون أنفسهم وهم فئة من المتعلمين الشباب الذين ظهروا بعد 17 ديسمبر ونشطوا كثيرا في تياره الواسع و عايشوا مختلف منعرجات مسار الانتقال الديمقراطي وتبنوا ملف شهداء وجرحى الثورة وجمعهم تصور سياسي راديكالي يقوم أساسا على القطيعة مع النظام السياسي التقليدي وعلى مجموعة من الأفكار الهلامية المتعلقة برؤيتهم للدولة وللنظام السياسي ولأشكال الحكم تتقارب كثيرا مع طرح قيس سعيد المتعلق بقلب هرم النظام السياسي وتغيير النظام الانتخابي وإرساء ما يسميه بالحكم المحلي.
...
وصول قيس سعيد ونبيل القروي للدور الثاني قد يكون أحد السيناريوهات التي ستمكن حركة النهضة من الخروج من السباق لقصر قرطاج والبقاء على الحياد والاشتغال أكثر على الانتخابات التشريعية التي تعتبرها هي الآلية الوحيدة التي تضمن لها البقاء في الحكم وتمتين تحالفها مع يوسف الشاهد دون المجازفة بدعم قيس سعيد خصوصا وهي تعرف أنه يمكن أن تتكبد راءه هزيمة ثانية في الدور الثاني إضافة لهزيمتها في الدور الأول.
أما بالنسبة لنبيل القروي فمروره للدور الثاني سيفتح أمامه مجال تفاهمات مع مجموعة الأحزاب التي دعمت عبد الكريم الزبيدي وهي تفاهمات سيتمكن نبيل القروي من الخروج من السجن ومن الوصول لقصر قرطاج وستضمن للكتلة التي دعمت الزبيدي تشكيل كتلة برلمانية وازنة مع كتلة نبيل القروي التي ستفرزها الانتخابات التشريعية وحضور في الحكومة القادمة إلى جانب حركة النهضة وحزب يوسف الشاهد.
هذا السيناريو هو السيناريو الأقرب لخارطة القوى الحزبية التي ستشكل الأغلبية التي ستتقاسم النفوذ في الطور القادم من الانتقال الديمقراطي: حركة النهضة وحزب يوسف الشاهد من جهة وحزب نبيل القروي والأحزاب التي دعمت حملة عبد الكريم الزبيدي الرئاسية من جهة أخرى.
...
صحيح أن وصول قيس سعيد للدور الثاني حمل طموحات جزء من الناخبين "الأنتي سيستام" ولكنها أحلام وطموحات محكوم عليها بأن تتلاشى لأنها ستصطدم من جهة بواقع مازالت تتحكم به قوى السيستام ويتحكم فيه أولا وأخيرا لوبيات عصابة الانقلاب على 17 ديسمبر برغم ما عليه هذه القوى من فساد وعداء صريح لطموحات أوسع الجماهير الشعبية و من جهة أخرى بعجزها الذاتي وهي التي اختارت طريق التغيير بشروط السيستام بدل التغيير الجذري عبر دفع الأغلبية إلى الاستقلال التنظيمي والسياسي عن النظام والاعلان الصريح عن استئناف الثورة و اسقاط مسار الانتقال الديمقراطي.
ـــــــــــــ
بشير الحامدي
16 سبتمبر 2019