اللي تعوزة العشة ... يحرم علي القصر

محمد حسين يونس
2019 / 9 / 16


في بلدنا خلال زمن عمرى شهدت أربع مراحل أساسية مر بها سوق العقارات
الاولي :- عندما كان الريف متخلفا فقيرا .. غير صحيا .. و قد نقول غير أدميا .. يعيش فيه الفلاح و دوابه في نفس المكان بمنازل عشوائية الطابع مبنية بالطين ينتج كل إحتياجاته بنفسه من عيش و جبن و لبن .. و خضروات ..و بيض و دواجن .. و بجوارها قصر الإقطاعي تفصله عن مساكن الأقنان أسوار عالية .. و نقلة نوعية في الحياة ..
ثم أهل المدينة .. المخططة جيدا .. و المهتم بنظافتها .. و حسن الحركة فيها و تيسير وسائل الإعاشة .. و المواصلات و التعليم و الصحة
في هذا الزمن .. كان المستثمرون يبنون المنازل في الأحياء غير الشعبية من أجل تأجيرها .. و كانت تدر لهم دخلا حسب مكان العقار و إتساعة .. و كان المقاولون في أغلبهم أجانب و التشطيبات مستوردة .و كنت تتحرك في مدينة القاهرة فتجد إعلانات (( شقة للإيجار )) معلقة علي البلكونات بمختلف المستويات .. موجودة بكثرة .. فالمعروض أكثر من الطلب
و الثانية :- بعد 52 و إهتمام الضباط .. بأحوال الفلاحين و حماسهم لتغييرها .. ثم تطبيق قانون الإصلاح الزراعي و تمليك المعدمين لأرض الإقطاعيين ..فإنقلبت الحياة هناك ظهرا علي عقب و توقف الفلاح عن إعالة ذاته فلقد كان رغيف القمح الأبيض متوفرا في الأفران رخيصا.. و فرص العمل في المدن سانحة خصوصا في أعمال التعمير .. والبناء ..
و علي ذلك ففي نفس الوقت الذى كان عمال المقاولات يبنون فيه مساكن الطبقة المتوسطة في مدينة نصر و مدينة الإعلاميين .. و يبني المساكن الشعبية .. للأسر الأقل حظا .. كان ينشيء لنفسه مدن الصفيح علي حدود العاصمة أو الأسكندرية .. فنجد عشوائيات منشية ناصر و الكيلو 4.5 في القاهرة .. و في الأسكندرية ميرغم و العصافرة و غيرها ..
الإنقلاب الذى حدث في نشاط (الريال ستيت) .. كان له ملمحان .. أحدهما أن العقارات أصبحت تمليك .. و تراجع البناء من أجل الإستثمار خصوصا بعد قانون تخفيض إيجارات السكن .. و الأخر الإعتداء علي مساحات واسعة من الأرض الزراعية .. و زرع الأسمنت(و الطوب الأحمر ) بدلا من الأشجار في تصرف عشوائي .. غير مخطط و غير مدروس فيه إحتياجات المجتمع والمستخدمين ..جرف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية
زيارة واحدة لمباني الستينيات سواء الإقتصادية أو المتوسطة .. سيدهشك حجم التعديلات التي أجراها السكان علي منازلهم .. بحيث اصبحت كتل مشوهه غير متجانسة .. و غير صحية .. أو إنسانية .و مرورا بين مزارع مصر في أى محافظة .. ستذهل من حجم التعديات علي الأرض الخصبة
المرحلة الثالثة :-.. جاءت مع الإنفتاح الإقتصادى .. و الإستيلاء علي الأراضي بوضع اليد أو بالإتفاق مع العربان .. بحيث تحول طريق مصر الأسكندرية الصحراوى إلي طريق المنتجعات و التجمعات السكانية المحمية ذات التكاليف المرتفعة ..
و أصبح لكل فئة مساكنها .. المهندسون و الأطباء و القضاة .. و ضباط الشرطة .. و ضباط القوات المسلحة أو الطيران أو البحرية .. مساكن مرتفعة القيمة .. محمية بالأسوار و الحراسات و بجوارها تتوسع العشوائيات أيضا ..
و بدأ إستثمار الحكومة ببيع أراضيها (علي أساس أن كل القطر المصرى ملكا لها حتي يثبت عكس ذلك ).. و منافسة مطورى الريال ستيت في أعمالهم ...و (كما هي العادة بحسن نية ) الكفراوى يبني قرى الساحل الشمالي السياحية.. و يقول ( نأخذ أرباح المساكن الترفيهية لنبني بها وحدات شعبية ) ..
حتي جاء محمد إبراهيم سليمان .. فوزعها علي الحبايب من المسئولين بأسعار التكلفة ..ثم تركها للسوق يرفع قيمتها ليحصدوا أرباحا خيالية تدعم مكانته لديهم وإستمرار إحتفاظه بالكرسي
ثم توالت الوزارات تتنافس في تحقيق إيرادات أعلي .. المغربي جعلها بالمزاد .. فتزايد الإقبال .. حتي و صلنا لمرحلة أن يصبح سوق الريال ستيت مغريا لكل من يريد تكوين ثروة سريعة
المرحلة الرابعة: - دخلت الحكومة (أخيرا ) بثقلها وأصبح بيع الأراضي و الإسكان الفاخر الذى يصل قيمة الوحدة فية إلي عشرات الملايين وسيلة سد عجز موازنتها .. و جمع إستثمارات بدون جهد .. و تجميد السيولة النقدية بالشارع .. في اصول ثابته .. فيما يسمي إقتصاد الريال ستيت و أصبح إغراء المستثمرين الأجانب بأماكن أمنة بعيدة عن المدن المكتظة هدف النظام .. الحكومة .. و البرلمان .. و القوات المسلحة .. و كل من يؤمن بهذه السياسة الإقتصادية... لنعود إلي المربع واحد... الفقر المذل و الغني الفاجر متجاوران .. و لا يوجد وسط
في ظل هذه الفوضي في الإنشاء التي لا تتبع أى دراسات جدوى أو لها مردود إجتماعي إيجابي .. و مع ظهور الاف المقاولين الذين يسعون خلف الأرباح بعد أن برك القطاع العام .. ظهر ضباط يوليو 2013 .. يحملون شعار (( يد تبني .. و يد تحمل السلاح )) .. بدأوا بالكبارى و الطرق .. ثم إنقضوا علي الأوزة السمينة .. يقطعونها تقطيعا
عشوائية التعامل مع (الريال ستيت) أدت إلي كارثتين أحدهما إجتماعية .. فإن أغلب سكان مصر يحتاجون لسكن نظيف و مريح و هو غير متوفر بواسطة الحكومة أو القطاع الخاص .. فتلجأ للعشوائيات .. و أن ما تم إقامته من وحدات يزيد عن حاجة أغنياء المكان فظلت الاف منها غير مستخدم و مغلق إنتظارا للفرج ..
و الظاهرة الثانية إرتفاع سعر البيع للاراضي و للوحدات السكنية .. و الذى يتجاوز مئات المرات التكلفة الفعلية .. ليجن السوق علي كل المستويات ...فقد تحولت العقارات إلي سلع .. غير محكوم سعرها ..وتزيد تأجيجة الاسعار المعلنة لوحدات مشاريع الحكومة و القوات المسلحة و التي إنتهت إلي تجميد كميات كبيرة من السيولة في السوق وإضطرابات بين البنوك الممولة لسلعة راكدة
مشاركة القوات المسلحة في إقتصاد الريال ستيت بدأ بتنازلها عن أجزاء من أراضيها لتبني عليها مساكن للضباط و أحيانا للصف ضباط .. .. سلوك فئوى غير ضار..
كانت الشقة في زمن عبد الحكيم عامربمدينة نصر .. بالف و خمسمائة جنية .. تدفع شركة التأمين علي الحياة المقدمة .. و تقسطها جنيهين كل شهرعلي الضابط .. ثم سبع جنيهات قسط للشقة ..
بعد ذلك في زمن ابو غزالة .. كان هناك صندوق إسكان يظل الضابط يدفع أقساط الشقة فيه حتي يستلمها .. و يقسط الباقي علي سبع سنوات .. ( زهراء مدينة نصر ) كانت التجارب الأولي لصندوق الإسكان .. و الحقيقة لم تكن ناجحة حيث أن شركات المقاولات سلمت الشقق في حالة سيئة مدعية أن السعر الذى إستلمته من الصندوق لم يكن كافيا
ثم بدأ كل سلاح .. يقيم لمنتسبية مساكنهم .. مستغلين أراض كان يمتلكها الجيش .. ثم تطور الأمر فشاركت القوات المسلحة شركة (إعمار ) و غيرها لبناء مدن الأحلام علي مناطق كانت إلي عهد قريب معسكرات .. و إنتهي الأمر في السنوات القليلة الماضية للإشراف علي جميع أعمال الإسكان و العقارات التي تبنيها الدولة بما في ذلك العاصمة الإدارية و جبل الجلالة .. و العلمين ..و جزيرة الوراق ..و مثلث ماسبيرو...و أب تاون أو داون تاون .. و ما يشبهها
القوات المسلحة سواء في وحداتها الفرعية .. بحرية ، طيران ، مدرعات .. مخابرات .. أو في شكل الهيئة الهندسية .. ليست لديها الإمكانيات لتصميم و إختيار مكان و تطوير وإقامة المباني و القرى السياحية .. لذلك توكل العمل إما بالقائمة أو بالأمر المباشر ..لمقاولي باطن مجهولين تم تأسيس شركاتهم علي عجل .. من الاقارب و الأصدقاء و الأحباب .. .. .. و منهم شركة( أملاك) .. التي كشف صاحبها ..أن أساليب العمل داخل هذه المؤسسة لا تختلف عن ما يجرى في باقي هيئات الحكومة .. وأن الهيئة لم تغير روتين عملها منذ الزمن الذى كانت توكل أعمال التجهيز للمعركة للقطاع العام بأوامر تنفيذ سخية و كريمة شوية.. للمحظوظين
في الأنظمة الحديثة ..للإنشاء .. يكون هناك مالك .. له مطالب معينة للمنتج النهائي .. و مقاول ينفذ هذه المطالب بناء علي تصميمات و مواصفات معتمدة منه .. و بينهما حكما يسمي (المهندس ) .. فمن الطبيعي أن المالك يريد أن يحصل علي كل شيء بافل الأسعار .. و المقاول يريد أن يعطي اقل جهد بأعلي الأسعار .. و يحتاجان لجهه محايدة فنية تحكم بينهما يوميا من خلال قانون عالمي يسمي (الفديك ) يثق فيه كلاهما
هذا الحكم ( المهندس ) لم نعرفة في مصر إلا عندما بدأت الشركات الأجنبية في العمل و أصرت علي وجوده .. و إستمر بشكل أو أخر في مشاريع عديدة .. حتي عاد طوفان الامر المباشر .. فإختفي (الحكم) .. و تحول النزاع المهني أو المالي إلي إستعراض قوة .. بين البائع المستكين مقاولي الباطن .. عبد إحساناتهم .. و المشترى مالك مفاتيح الجنة المفترى الذى بيده جميع الخيوط بالإضافة لقوة السلاح و السجون و الإعلام و التشوية .... كما لاحظنا في معارك تدور اليوم علي وسائل الإعلام
تمسك الحكومة أو القوات المسلحة بإحتكار عملية الإعمار حتي لو تمت بالدين و الشحاته .. و عدم الحرفية .. أمر لا يدعو للتساؤل .. فهي فعلا الفرخة التي تبيض بيضة ذهب ..و إن كنت أرجو ألا ينطبق عليهم في النهاية المثل ( طمعنجي بنى له بيت .. فلسنجي سكن له فيه )) فلأى مدى و حتي أى زمن سيقبل السوق بناء شقق و مباني فاخرة وقصور لا تستخدم .. في حين أن أعداد كبيرة من المتوسطين و الفقراء لا يجدون عشة للسكن

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول