لا تسموا اولادكم -مارتن-

رفعت عوض الله
2019 / 9 / 16

منذ فترة ليست بالقصيرة انتشر علي وسائل الاتصال الاجتماعي (يوتيوب) عظة للانبا رافائيل فيها يتحدث عن شفاعة القديسين ،ويذكر ان القديسين الذين رحلوا من عالمنا الأرضي هم احياء في السما ، لذا هم يصلون من اجلنا .
لذا علينا ان نسمي أولادنا بأسمائهم فهذا يساعدهم علي ان يعيشوا حياة الايمان .
من هذا المنطلق تحدث عن فترة زمنية مضت كان الآباء والامهات يسمون أولادهم أسماء عامة لا تحمل دلالة مثل عماد وعصام وغيرها، وتلي ذلك فترة اخري فيها انتشرت أسماء القديسين وعمت مثل كيرلس ومينا وغيرها ، ويستطرد الحبر الجليل فيتكلم عن الفترة الحالية والتي انتشرت فيها الأسماء الأوروبية والتي لا يعرف لها عامة الانسان معني .
وأضاف من الأسماء التي يتسمي بها الابناء اسم "مارتن" ، ومارتن هذا يعني المصلح الديني مارتن لوثر خرب الكنيسة وانكر شفاعة القديسين فكيف نسمي ابناءنا باسمه . وضرب مثلا هل يجوز اني نسمي ابناءنا باسم يهوذا ؟ رغم ان يهوذا هو السبط الذي منه جاء المسيح ، ولكن يهوذا "عمل حاجة وحشة " ومن ثم لا يجوز ان نسمي أولادنا باسمه .
هذا هو رأي الحبر الجليل الانبا روفائيل في مارتن لوثر .
أولا : مارتن لوثر محق تماما في الخروج علي الكنيسة الكاثوليكية رغم انه لم يكن يريد إنشاء كنيسة جديدة ، فنظرة سريعة علي أحوال الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطي ومطلع العصر الحديث تكشف لنا عن كم الفساد الرهيب الذي استشري في جسد الكنيسة وتمكن منها . فقد راجت تجارة صكوك الغفران التي روجت لها الكنيسة ، بل وصيرت الكهنة والأساقفة ابواق دعاية لهذه التجارة المشينة ، لكي تمتلئ خزائن البابا بالمال والذهب..... لماذا ؟
لكي يستطيع البابوات بناء الكاتدرائيات العظيمة الجميلة البديعة وتزين بالرسوم التي يقوم بها كبار الفنانين ، وترصع بالتماثيل الجميلة التي ينحتها عظماء الفنانين ،وتُغشي حوائطها وابوابها بالذهب والفضة فتصير تلك الكنائس والكاتدرائيات ايات في الجمال الذي يبهر عيون الناس ويفتن عقولهم ،
ولكي يعيش البابا والأساقفة في البذخ والترف والنعيم والمتع وهم خدام المسيح الذي لم يكن له اين يسند رأسه ، وعاش البساطة والفقر والتجرد .
في الوقت الذي كان فيه الناس يرزحون تحت وطأة الفقر والمرض والجهل .
حين ذهب الرجل (مارتن) لزيارة روما في سنة 1510 وهو الراهب الفقير والذي ينتمي لدير يجلله الفقر والعوز راعه العظمة والترف والفخامة والمتع التي ينعم بها البابا ورجال الكنيسة هناك ، ونال من نفسه ان يرتقي سلما طويلا علي ركبتيه ليصل لقدمي البابا فينال البركة .
عاد من روما ساخطا منكرا ان تكون هذه هي المسيحية .
ثانيا : أدخلت الكنيسة في روع الناس ان المدخل للخلاص هو الاعمال فلتعمل أيها المؤمن اعمالا صالحة ، ولتشتري صكوك الغفران ، ولتصلي وتصوم ، وتمارس الاسرار فتنال الخلاص . في النهاية درس مارتن لوثر الكتاب المقدس واسترعي نظره وعقله وروحه النص القائل : " اما البار فبالايمان يحيا ".
وخلص الي ان الخلاص ليس بالاعمال ولكن بالايمان ،الايمان هو علة وسبب الخلاص .
كم من خطاة اثمة ليس في قلوبهم اثر من ايمان يعملون اعمالا صالحة ، فهل ما يقومون به يجعلهم بررة امام الله ويجعلهم يخلصون .
الاعمال تابعة للايمان وناتجة عنه وليس العكس ، بذا يكون مارتن لوثر قد صحح الوضع المقلوب في الكنيسة .
ثالثا : هناك سبعة اسرار بالكنيسة رفض مارتن خمسة منها ، ومنها سر الكهنوت . فقد رأي انه ليس هناك كهنوت في المسيحية ، والكهنوت يعني ان الكاهن وسيط بين الله والناس . الكهنوت المقصود ان جميع المؤمنين كهنة فلا وساطة ، وبالتالي لا سلطة للكنيسة في تحديد معاني الكتاب المقدس وبالتالي الكتاب المقدس خاضع للفحص الحر ، ويستطيع كل مسيحي ان يقرأويدرس الكتاب ويفهم .
احتكر الكهنة والأساقفة تفسير الكتاب ، وكم من خرافات وكم من أفكار تتناقض مع نصوص الكتاب المقدس شاعت وراجت واتبعها الناس لأن الكهنة والأساقفة قالوا بها . علي سبيل المثال : ان الذي يشتري صكا من صكوك الغفران تُغفر خطاياه وسوف يدخل ملكوت السموات بغض النظر عن عدم أخلاقية حياته .
النتيجة المذهلة المترتبة علي ما ذهب إليه مارتن لوثر هو إبطال تحريم وجود الكتاب المقدس بين ايدي الناس ، فانتشرت معرفة الكتاب ودراسته علي مستوي عامة المسيحيين .
رابعا : ترتب علي مقولة ان الكتاب المقدس خاضع للفحص الحر شيوع النظرة النقدية وإخضاع كل الموروث الثقافي والحضاري للنظرة النقدية ، فكان الإصلاح الديني هو المقدمة الأولية للتنوير والذي يعني إعمال العقل في الموروث الحضاري الإنساني ، مما ادي الى التحرر من التقليد والجمود والاتباع ، فخرج الانسان من ظلامية العصور الوسطي الي نور العصر الحديث ، وابتداع قيم الحداثة والاقرار بحقوق الانسان .
ما نعيشه اليوم من قيم حضارية تتمثل في إعلاء قيمة العقل والفردية وحرية الانسان وحقوقه ، وشيوع قيم الحداثة من علمانية وليبرالية وديمقراطية مرجعها الأول عمل هذا المصلح العظيم الذي بدأ تنويرا في المسيحية ترتب عليه تنوير عام شمل كل الإنسانية . لذا لنا أن نفخر بأن نسمي أولادنا "مارتن" .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير