الجفاف والفيضان متناقضان ملتقيان بجنوب شرق المغرب

لحسن ايت الفقيه
2019 / 9 / 6

أضحت مشاهد الفيضانات بالجنوب الشرقي المغربي حقيقة واقعية، تُرى بالصور والأشرطة الحية. ولا غرو، فقد بات هذا الشريط المهمش من الوطن، يرسو على الحضيض، ليس بقوة الفقر والإهمال، وتخلف التنمية، ولكن الطبيعة المختل توازنها مكرهة، بسبب الاحتباس الحراري غيرت الفعل فطفقت تعدم الحياة البشرية والحيوانية والنباتية.
طبيعة الجنوب الشرقي المغربي منتظمة تضاريسيا في شريطين – مجاليين- سمتهما الهشاشة. الشريط الجبلي الكلسي، (الأطلس الكبير الشرقي وجزء من الأطلس الكبير الأوسط)، الممتد من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي، بمثابة خزان هيدرولوجي يغذي ثلة من الوديان تحففها الأشرطة الواحية في المنبسطات الجنوبية الممتدة جنوب الانكسار الأطلسي الجنوبي. والجبل والواحة مجالان كانا على شفا حفرة من الانهيار والدمار، في حينه. صحيح أن هناك أرضين واسعة أدرعا قارية منبسطة، لا تعلوها المياه السطحية، ويمكن استثمارها لغنى فرشها الباطنية بالماء، ويمكن تصدير الأزمة إليها، مؤقتا، لكن التدبير البشري للمجال لا يسير في خط يقبله نهج التنمية المستدامة.
إن هذا الوضع قديم للغاية، ويمكن القول، إنه نشأ يتبلور ليرسوَ على هذه الشاكلة، منذ حوالي عشرة آلاف (10000) قبل الميلاد. ظهرت الصحراء الأفريقية الكبرى لتفصل شمال القارة عن وسطها، وفي وقت ما ظهر الجمل عونا ساعد الإنسان على عبور الصحراء، ونشطت التجارة بين السودان الغربي وحواضر المغرب. لكن الوضع حمل ما جدّ جده كل الجد، ولا يسمح لنا بالوقوف مكتوفي الأيد. وإن ما جد، في الأمر، دخول عنصر الاحتباس الحراري، وهو عنصر منذر بالهلاك، لن يكف عن ممارسة الإهلاك حتى يعدم الحياة البشرية والنباتية والحيوان على سطح هذه الربوع المهمشة من الوطن.
ينتظر كل سكان الجنوب الشرقي المغربي حلول شهر غشت (أغسطس، آب)، في كل سنة. وكلنا يقول عن شهر غشت:«أوله تين وآخره طين»، ففي يوم حلول يحل موسم جني التين وفي نهايته ينزل المطر ويغشى الأرضَ بلل وطين. وحسب التنجيم الزراعي الأمازيغي تكون السنة جافة، كلما قصف الرعد في يوم الفاتح من شهر غشت بالتقويم الجولياني. ذاك هو الواقع المألوف إلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي، وفي وقتها ساد الشعار:«غشت إنزين»، أي: أملنا غشت المبكرة بالأمازيغية، غشت الرطوبة المبكرة. ومازال السكان يرفعون شعار غشت الرطوبة المبكرة حتى نزل الهلاك، وتغير المعتقد.
مظاهر الهلاك تكمن في ندرة المياه الشروب، التي أضحت منذ صيف سنة 2017 أساسا لاحتجاج سكان إقليم زاكورة، على وجه الخصوص، لقد ثبت النقص المهول في منسوب الماء. صحيح أن السكان لم ينتبهوا، بعد، إلى أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم، ويرتكبون خطأ كبيرا، إذ هم دأبوا على ممارسة زراعة البطيخ الأحمر. لقد طفقت الفرشة المائية الباطنية تُستنزف بمزارع الفلجة المجاورة لمدينة زاكورة، وبكثافة مرتفعة، لأن السكان تمادوا في استثمار الأرض واستنزاف خصوبتها وإهلاك رطوبتها بالبطيخ الأحمر. إنهم ينتجون اختلال التوازن البيئي، بدون وعي، وقد يواجهون، في المستقبل القريب، مثبطا صعبا، ويضعون أقدامهم في نقطة يتعذر فيها الرجوع نحو الوراء. أو ليس هناك من ينبههم إلى عقلنة الاستغلال المائي، إن لم يقتنعوا بالكف عن ممارسة زراعة البطيخ الأحمر.
وفضلا عن غياب الرشد والرشاد في استغلال الموارد الطبيعية لم ينتظم نزول التساقطات، وطالما يمتد الجفاف إلى قلب السنة الزراعية، فالجفاف قائم والسكان يحتجون كلما حل فصل الصيف، وسيأتي يوم يندر فيه الماء في فصل الشتاء.
وفضلا عن الجفاف، شاع أن حريقا ، في بحر شهر يوليوز الماضي، شبّ بغابة النخيل بقصر الزاوية القديمة، أتى على 60 في المئة من الواحة المسقية، بواد زيز، وهو حريق حُطَم، امتد إلى غابة قصر بلاغمة، والتهم كل شيء. وبعد ذلك «لقي شخص مصرعه اختناقا»، مساء يوم الأربعاء 14 من شهر غشت من العام 2019 «خلال محاولته إخماد حريق اندلع بواحة نخيل، توجد بمنطقة قصر أولاد عيسى التابعة لجماعة أوفوس ضواحي الرشيدية» ولا شك أن الحريق خلف خسائر فادحة، لقوة رياح السيروكو يومها.
وإلى جانب الحرائق والجفاف، كثر الحديث عن الفيضان. إن الحديث عن الجفاف والفيضان، في وقت واحد، أو كما لو كان يسيران في خطين متوازيين، تناقض لا يقبله المنطق ولا العقل، لأن المتناقضين لا يلتقيان ولا يرتفعان. فالحديث عن الجفاف ممكن، وإن ارتفع الجفاف فسيحل الفيض. ولم يكن القول فصلا الحديث عن الجفاف والفيض في نفس الوقت، ولا منزلة بين المنزلتين، هنا.
لقد صح القول بما يتنافى والمنطق، لأننا أمام حقيقة واقعية. فمع الاستنزاف المهول للفرشة المائية، تنزل أمطار طوفانية تهلك الحرث والنسل، ولا نقوم بتعبئة مياهها.
لقد عرفت هذه السنة غشت المبكرة. فمنذ يوم الخميس 08 من شهر غشت من العام 2019، نزلت أمطار سببت الفيضانات فتوقف المرور بالممر الجبلي «تيزي ن تيشكا»، بفعل الانجراف والانهيارات الصخرية، وسكنت الحركة بالطريق الوطنية رقم 09، الرابطة بين مراكش وورزازات. وباختصار، حينما يزخ المطر، وتفيض المجاري، يزداد هول الانجراف، ويتفاقم الانجراف، ويتضرر الشريط الواحي سواء بالقسم الجبلي، أو بالأرض السهلية. يزداد الانجراف لأننا لا نهتم بتشجير السفوح الجبلية، بل إننا نهلك الشريط الغابوي ونستنزفه، وطالما نتهاون فتندلع فيه النيران.
ولأن السفوح الجبلية جرداء فقد زخت فوقها أمطار طوفانية وغمرت أعالي الأودية، «أسيف ملول»، و«زيز»، و«غريس»،أوحالٌ، وقلما تصادف حقولا ناجية من الهلاك. وأما واد تاغوشت التابع لمنطقة تونفيت بإقليم ميدلت فقد فرض العزلة على السكان. ذلك هو الوضع باختصار، مساء يوم الأربعاء 28 من شهر غشت من العام 2019.
صحيح أن عمالة إقليم ميدلت مارست التعبئة طمعا في فتح الطرق المقطوعة أمام المواطنين كنحو الطريق الجهوية رقم 706 الرابطة بين الريش وإملشيل، والطريق الرابطة بين تونفيت وأكديم، والطريق الجهوية رقم 708 الرابطة بين الريش وكرامة، وهو إنجاز قد يساعد على تمكين الأساتذة من السفر والالتحاق بمدارسهم في مستهل شهر شتنبر. وصحيح أن «السلطات المحلية بإقليم الرشيدية قامت خلال هذه السنة الجارية، بعدة مجهودات من أجل مكافحة حرائق الغابات... وعقدت لقاءات خصصت لمدارسة الخطوط العريضة لمخطط عمل سنة 2019 الخاص بالوقاية من حرائق الغابات، وعلى الخصوص الواحات المنتشرة بإقليم الرشيدية»، كما نقلت أحد المنابر الإعلامية، لكن الإشكال بنيوي لغياب سياسة تنموية ملائمة بالمناطق الجبلية والواحية، والتدبير العقلاني للموارد المتوافرة. فإذا كان الأمازيغ يرفعون من قبل شعار:«أملنا في غشت الرطبة»، وجب عليهم استبدال الشعار:«درءا لغشت الهالكة».

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار