تسعين مليون كومبارس صامت

محمد حسين يونس
2019 / 9 / 6

لا أعرف بالضبط .. كيف إنقلب الحال .. خلال أربع أو خمس سنوات من حب و تقدير جارف لضباط القوات المسلحة ليصبح كل هذا الإنتقاد و عدم الثقة .. بل و في بعض الأحيان التضرر من وجودهم .. الذى عاينته في تعليقات بوست أمس
يونيو 2013 مظاهرات ضد إستمرار حكم الرئيس مرسي و الإخوان المسلمين .. 3 يوليو .. رئيس المحكمة الدستورية رئيسا مؤقتا بدلا من الرئيس المعتقل ..26 يوليو مظاهرات معدة جيدا في حماية القوات المسلحة تدعوها و تفوضها ((لمحاربة العنف و الإرهاب )).. يناير 2014 .. الرئيس السيسي يعلن عن رغبته في ترشيح نفسة للرئاسة لو أراد الشعب .. 26 مارس من نفس العام أراد الشعب ترشيح سيادته ليبدأ حكم الفترة الأولي في 8 يونيو 2014
من 30 يونيو 2013 .. حتي 8 يونيو 2014 .. سنة من الحب و الغزل .. بين الشعب و الجيش .. ثم تمض خمس سنوات.. فأتلقي كل هذا الكم من الرفض علي بوست كتبته أقول فية لا تظلموا ضباط الجيش .. بما كررقوله مقاول سفية .. بحق .. ضباط قادة في الهيئة الهدسية
و لان أغلبنا لا يلتفت لما تفعله الحكومة و برلمانها إلا عندما يصاب في مصالحة أو أمواله .. فأغلبكم لا يتذكر .. أنه في إبريل 2016 أى بعد سنتين من تولي الرئيس السيسي ولايتة الأولي .. صدق مجلس النواب علي برنامج الحكومة للإصلاح الإقتصادى و يشمل ..(( بيع جزئي لشركات و بنوك حكومية بما في ذلك شركات مرافق )).. .. و في نفس الوقت ((العمل علي توفير مناخ بسمح بالنهوض بالإستثمار الوطني من خلال الإستثمارات المباشرة فضلا عن توفير أراض للإستثمار المحلي و الأجنبي))
لقد كان الرئيس و حكومته .. و برلمانه جادين في تغيير شكل الحياة علي المحروسة .. و تسليم إقتصادها لأيدى غير مصرية .. بالبنك الدولي .بغض النظر عن أن الشعب المحب الداعم قصر تفويضه علي محاربة الإرهاب .. المستمر حتي اليوم .و لم يذكر من قريب أو بعيد حكاية أى إصلاحات .. إقتصادية
إيه اللي عملته الحكومة بعد ذلك غير تنفيذ برنامج صدق علية البرلمان ..تبيع وتوفر أرض ( م هي كتير و ملهاش صاحب ) .. و تهد الطبقة الوسطي البيروقراطية لتنبي مكانها طبقة فاحشة الثراء من المستثمرين اللي بيلعبوا لعب بالفلوس الجديدة .. بعد تعويم الجنية في نوفمبر من نفس السنة
سنتين تجهيز لأرض المعركة .. يتم فيها صك دستور علي المزاج يحمل عوامل تعديلة .. وقت اللزوم .. ثم وزارة يرأسها وزير مهندس تخطيط معمارى .. لبناء المدن .. و الإشراف علي إقتصاد (الريال ستيت ) .. وبرلمان من ناسهم ( ضباط سابقين و رجال مخابرات .. و شوية مرتزقة سيدات علي شباب علي أقباط ).. و أعضاء الهيئات السيادية راضيين و مرضيين بالعلاوات و المكافئات .. و التعديلات المالية التي لا تجعلهم يتأففون .. من القادم ..
العناصر الإقتصادية المحدودة التي أنشأها أبو غزاله لتلبية إحتياجات الجيش .. و سقاها الشهد طنطاوى لتخرج ذهبا إبريزا للقادة و المحاسيب .... تتوسع و تزدهر .. و تورق أشجارا وارفة تظلل حياة حضرات الضباط .. و تحميهم .. من عواصف تسونامي التغيرات الإقتصادية
لقد أتمت الحكومة .. مراحل الإعداد ثم بدأت المعركة .. بخطة واضحة .. كانت بين يدى الجميع .. صدقها البعض و ركض تجاه مغارة الأربعين حرامي و عبي دهب مرجان ياقوت .. أحمدك يا رب ..
بينما وقف الأخرون يبكون و يولولون من إرتفاع الأسعار .. و إنخفاض قيمة الجنية .. و ضيق سبل الرزق
في الزمن الحديث أصبح من يحصل علي المعلومة مبكرا يجني من كنوزها ..كما جني محمد علي إياه
ترى من الذى كان يعلم باضغاث الأحلام هذه إلا من كان بيدهم القرار .. و بدأوا يلاعبون الشعب الأعمي بعد أن أطفأوا الأنوار و ملئوا الجو بالدخان
عندما نفكر في معاناتنا .. و الحياة الصعبة التي يعيشها أغلب سكان المحروسة .. لا يخطر ببالنا ..ابدا أن هناك من يراقبنا .. و يسجل علينا أنفاسنا .. و يخطط لنا مستقبلنا .. و يحدد لنا مساراتنا ..و أذواقنا.. و إستهلاكتنا .
نحن نتصور أن هذا العك السياسي و الإقتصادى نتاجا لتخلفنا .. و إحتراف البعض منا الطمع و صيد الثروات واستنزاف الأخرين ..
لا .. إنه السوق العالمي .. الذى لا يسمح لك إلا بالإستهلاك فقط .. الطعام .. الملابس ..التكنولوجيا ..السلاح .. الدواء .. الأفكار .. و عندما يوجه قيادتك نحو التعمير .. فهذا يعني تشغيل مصانعه .. التي تخرج البلدوزرات و الشوفلات .. و محطات انتاج الخرسانة و نقلها و صبها ..و مستلزمات الكبارى و السقالات و الفورم المعدنية .. و الأسانسيرات للأبراج و التكييف و تكنولوجيا مقاومة الحرائق .. و طلمبات نزح المياة ..
أكثر من 60 بالمائة .. من قيمة أكبر جامع أو كنيسة .. يذهب إلي جيوب أصحاب التكنولوجيا التي نستوردها لإنشاءها و يستفيد منها المسيطرين علي السوق .. حتي المنتجات المصرية كألأسمنت و الحديد و الطوب .. بتصب عوائدها .. هناك عند بتوع التكنولوجيا .. .. حتي أجور العمالة و الصنايعية .. بتحرك بضائع في مكان ما ينتج للعجزة الخاملين .
و لاننا سوق مغر .. يضم مائة مليون .. مستهلك .. فلقد كان لمندوبي التجار في الولايات المتحدة و إسرائيل و السبعة أو التسعة الكبار .. رأى في إختيار الحاكم الذى سيضمن لهم سهولة الحركة .. و سيولة تدفق الأموال من جيوب الغلبانين.. لخزائن بنوك الشبعانين ..
لذلك فلم يعني الجالس في البيت الأبيض إن كان الحاكم من رجال الدين و لا أصحاب الكابات .. إلا فيمن ينفذ برنامج حلب مصر ..أو كان ديموقراطي أو فاشيستي .. كل ما يهمة أن يحزمة بمجموعة من الإلتزامات تضمن تواجده السلبي في السوق كمستهلك شره لبضائعهم . و لذلك عندما إنتهت التحضيرات .. و بدأ تحويل الديون لمشروعات عبثية و أبراج تنعي من بناها .. و نزح فوائدها لبنوك الديانة .. إبتسم ترمب .. و ضحك .. و أثني علي هذا الشعب المطيع و قيادته الحازمة .
إذن آن الأوان أن نصدق بأن هناك إنقلاب واضح قد تم علي إسلوب الحياة القديمة و أن هناك عمل دؤوب يجرى لإعادة هيكلة علاقات أفراد الشعب بخلق طبقة كومبرادورية .. غنية في مواجهة تاريخية مع لحظة عكسية تشبهها يوم صدر المثاق الوطني الناصرى منذ نصف قرن .. 2016 مقابل 1961 . برافو أمريكا .
الطبقة الجديدة لها حدود عليا .. تشمل كبار رجال الأعمال .. و موردى المعدات .. و مستوردى إحتياجات الشعب .. محمية بمجاميع كثيفة من رجال البنوك .. والحقوق .. و الذين ينفذون القانون . ستصطدم بهم كل خميس في قاعات أفراح الفنادق حيث تقام ليلالي الف ليلة و ليلة .. و يتفق عليها عشرات الملايين .. دون أن يرجف لصاحبها رمش
حدود الطبقة الجديدة الدنيا .. شوية أرزقية ..مقاولون .. و ضباط أصبحوا مقاولون أو موردون بحكم إن طباخ السم بيدوقه ....و رجال دين .. (من الجانبين ) .. و إعلاميين محكومين بسلطات تمنح و تمنع من أباهم الذى في المخابرات .. و سماسرة و تجار .. و مدرسين سناتر .. و أطباء مستشفيات فندقية .. و مهندسين بيلقطوا رزقهم ..و إستشاريين للشركات الأجنبية الوافدة ..و منظمي حفلات .. و مؤتمرات .. بتوع كرة القدم .. و الخير كتير يا ولداه اللي ميلحقش هبرة من أنجر الفته لا يلومن إلا نفسه .
الطبقة الجديدة في حدها الأعلي تتكلم بالمليارات .. و في حدها الأدني تتحكم في الملايين .. و هي قابلة للإختراق السهل .. لو أرادت أجهزة الرقابة و الأمن ذلك .. لكن يمكن أيضا تجريدها من ورقة التوت .. في ثانية .. و الحد من كل نفوذها ومصادرة ممتلكاتها .. لو ساقت العوج .
إجمالي أفراد هذه الطبقة .. من 5 % إلي 10 % من الشعب المصرى و هو رقم كبير .. عشرة مليون مستريح سيجد أفضل سكن آمن .. و طعام من الصوب أورجنيك أو لحوم و أسماك متربية علي الغالي .... و شواطيء تفتح النفس .. و سيارات أخر موديل .. منها الجاجور و الرولز رويز ..و بنوك بتعرف تتعامل مع كبار العملاء .. و فن خاص بهم أغلبه مستورد .. و ملابس و إكسسوارات (سينية ) متفردة .... و تسعين مليون كومبارس يخدمونهم .. بحماس .. و ينتظرون الفتات منهم .
هل كان ألامر سهلا أو بسيطا ..بالطبع لا .. فلقد فشل في تحقيقة السادات .. ثم مبارك .. و إبنه .. عندما تغيرت الرياح لتطلق شراع الإخوان .. فشلوا أيضا ..و لم يؤدى هذا في زمن قياسي إلا رجل المخابرات الذى لدية أطنان من المعلومات .. عن هذا الشعب و هذا الوطن .. فأطفأ الأنوار و أطلق سحابات الدخان .. و لم يبق مبصرا إلا رجاله .. يحركون قواتهم .. بإسلوب ذهب المعز و سيفة .. و محركين باساليب الفاشيست .. النزاعات الداخلية .. مسطحين أفكار الخلق .. مستجلبين أضعف العناصر الإنتهازية .. لتكون أدوات .. تحقيق الأهداف علي المستوى السياسي .. و الإنتخابات .. و الإستفتاءات .. و إصدار القوانين و التعليمات .. و علي المستوى الإقتصادى فبدروا المكان بأنصاف المتعلمين .. المقاولين الذين يبحثون عن مكان و كلمة سر مغارة الثروات المنهوبة .. و علي المستوى الإعلامي .. بفرض النغمة الموحدة و الخطبة الموحدة .. الضربة الموفقة التي لم تحدث من قبل و لن تتكر هو أن حضرات الضباط نجحوا .. في تكوين مجلس نواب موال بصام مطيع بعد أن حول الناس إلي قطيع .. أكثر طاعة من قطيع المرشد . كل دة في سنين .. يا بلاش .. روعة يا حاج .
القطاع الخاص غير المطيع تم إستبداله بالإقتصاد العسكرى .. شبه الخاص .. بمعني أننا لا نعرف حتي الأن بأى أموال يخاطر و ينشيء الشركات .. و كيف توزع الأرباح ..و ما الأهداف المحددة له .. هل خدمة المجتمع أم خدمة ضباط الجيش أم جني الألاباح .
بعض الأنشطة شارك الجيش فيها بالأرض و التسهيلات في غابة القوانين و اللوائح .. بصفته جهه سيادية .. و في مشاريع أخرى قدم التسهيلات فقط و ترك الشريك ينفق و يدير .. والبعض بوضع اليد علي المساحات المجاورة للطرق الجديدة .. ( بالقانون .. فعندهم برلمان ملاكي )..
البزينس العسكرى .. إستغل خبرات المجندين .. و إمكانيات الحكومة .. و ثقة المستثمرين في الحصول علي عائد يجرى له اللعاب .
و هكذا بدأت الطبقة المستجدة تتشكل .. فبنت لها الحكومة قصور و منازل بملايين الجنيهات .. و ملاجيء في كومباوندات بعيدا عن الإضطرابات و تطفل الجرابيع .. و جهاز حكومي متفهم تماما أن القادم بالخير له الأولوية .. و برلمان .. من ناسنا .. (مننا و علينا بيوافق علي القانون قبل م تعرضة الحكومة )..و مؤتمرات شباب سنوية باذخة مكلفة..و حفلات لا يشاهد فيها إلا الوزيرات و كبار القوم
و هكذا تكونت الطبقة الجديدة .. بعد أن أصبح الملعب خاليا.. إلا من فريق منتقي جيدا مشهود له بالولاء .. منكسر يكفية كام مليون .. و تكاثر الأقارب و الأصدقاء و المعارف و الأوفياء ينهلون من النبع الذى لا ينضب .. و يسعون خلف أعضاء الحكومة الذين أصبحت البوسة في يدهم رطل .. (( نظرة يا ست )) (( بس إنتوا إرضوا و سامحوا في الفتافيت اللي بتقع منكم )) إنها فرصة صعب تكرارها .. قبل أن تتصلب الطبقة الجديدة و تصبح شرسة في الدفاع .. عن ما نهبت .
و لكن يبدو أنها قد تماسكت و بدأت في طرد الشوائب و الدخلاء .. الذين فصلوا بهدوء فيما عدا .. عم محمد علي .
المشكلة أنك عندما تقارن .. بين مرتبك و مرتب سيادة الصول أو الملازم تشعر بالضئالة .. و أنك عندما تدفع الكثير لتتمتع بنواديهم و مستشفياتهم .. تشعر بالحرمان .. و أنك حيثما وجهت نظرك ستجد ضابطا يسعي لركوب الموجة .. في الحكومة .. في البرلمان .. في شركات المقاولات .. كمندوبي موردين .. في شركات الإستثمار .. و الأمن .. و النظافة .. فتتصور أن الجيش منذ يونيو 2014 إحتل البلد و يحكمها .. في حين أن هؤلاء لا يمثلون إلا جزء من الهرم الصغير البازغ من المياة لجبل الثلج .. الذى سيطر علي الغافلين مسطحي التفكير البكائين من الذين لا هم لهم إلا النواح .. و الصراخ .
مشكلتك أنك تبالغ في الحب و تبالغ في الكرة و تبالغ في الأمل و تبالغ في اليأس .. أنت لست في صراع فئوي.. أو أن الضباط سقطوا بالبراشوت علي مراكز إتخاذ القرار و إحتلوها .. و شكلوا طبقة إقتصادية .. أو أن البعض منهم يستخدم قوته و نفوذة في مواجهة لسلب حقوقك .. أو أن أمام كل كشك تحصيل فردة عبور الشارع أو الكوبرى ضابط عظيم بيبرق لك .. أو إنك مهدد بالمحاكمات العسكرية ... بقدر ما أننا في مواجهة ..مع من يعيدون تشكيل المجتمع و تطويعة و حلبه ليصبح علي غرار جمهوريات الموز الأمريكية قبل أن تخرج الأرض ما بباطنها إن شاء من يعلم أين يجد الكنوز .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول