خدعونا فقالوا - ابن الطاعة تحل عليه البركة -

منسى موريس
2019 / 9 / 4

" إبن الطاعة تحل عليه البركة " مقوله يرددها الكثير من المسيحيين ونستطيع أن نقول أن السواد الأعظم من المسيحيين صارت هذه المقولة بالنسبة لهم مسلمة من المسلمات وصارت مع مرور الوقت بمثابة " آيه " أو نص موجود فى الكتاب المقدس حتى الكثير من المسيحيين يعتقد فعلاً أنها آية موجودة بالنص فى الكتاب المقدس ووحى من الله.

ولكن علينا تحليل المقولات التى تشكل وعينا ننحن المسيحيين لأن المقولات الراسخة فى الوعى الجمعى هى المسؤلة عن تطورة أو تدهورة لأن المقولات هى التى ينبنى عليها الفكر ومن ثم السلوك فلايمكن تطوير المجتمعات وبناء حضارة متقدمة إلا من خلال المفاهيم التى يرتكز ويتكئ عليها الفكر .

وتحليل المفاهيم يجب أن يكون على أساس نقدى عقلانى منعزل تماماً عن العاطفة والشعور حتى يتضح حقيقة المفهوم أمام العقل , ونبدأ الآن فى نقد وتحليل هذه المقولة من الناحية العقلية الواقعية ومن الناحية الكتابية أيضاً .

أولاً : متلازمة الطاعة والبركة : عند تحليل مقولة "إبن الطاعة تحل عليه البركة " نجد أن هناك تلازم وترابط بين الطاعة والبركة فكلما كان الإنسان أكثر طاعة كلما حصل على بركة أكثر ولاتوجد بركة مع عدم الطاعة, وهذا يكشف لنا عن إشكالية كبيرة فما هو حال الإنسان الذى يفكر وينتقد والذى لايطيع ثقافة الوعى الجمعى نتيجة خطأ فكر الوعى الجمعى ؟؟؟ سيكون قطعاً محروم من كل البركات لأنه تخلى عن الطاعة وبدأ يفكر بطريقة مستقلة تخالف المجتمع الذى يعيش فيه وربما يكون فكره صحيح والمجتمع فاسد فى فكره , أيضاً حسب هذه المقولة سيكون محروم من البركة حتى ولو كان فكره صحيح؟ !!!

ثانياً : الطاعة وتغييب العقل : حينما تكون الطاعة أساس للبركة فى مجتمع أغلبيتة بسيطه من الناحية الثقافية واللاهوتية فلك أن تتخيل نتيجة وتأثير هذه المقولة ستكون النتيجة سلبية فى كل الأحوال لأن بدل من أن ترفع من ثقافة هذا الشعب ووعية عن طريق التفكير النقدى ستزيد من نسبه جهله بل ستجعل الجهل مقدساً وشريفاً أيضاً لأن الطاعة ستكون مرتبطة بالدين الذى شكل شخصية المرء فى مجتمعاتنا وكل فكره أمامة سيكون عقله مطيع لها وفى طاعتة سيكون مرتاحاً جداً لها لأنها ستكون سبب للبركات الإلهية ومن هنا يبدأ تقديس الجهل ويكون بركة أما التفكير النقدى فهو عدو للبركة وبالتالى سيصبح لعنه وغباء وتشكيك وهجوم وإنكار وجحود.

ثالثاً : الطاعة لمن ؟ : هذه المقولة ياليتها رسخت فكره الطاعة للسيد المسيح نفسه ولكن تم ترسيخها فى عقول الشعب على أن الطاعة هى طاعة رجال الدين وأن كل ما يقولة رجل الدين صحيح وإطاعتة واجبة لآنها مصدر للبركات لانه رجل الدين هو الذى يفهم فى كل شىء من الصغيرة إلى الكبيرة أما الشعب عندما ماتت فيه روح النقد فتحول عقلة بكل إمكانياتة إلى القبول والإيمان والتسليم ولك أن تجد صدى هذا التأثير وإنعكاسة على أرض الواقع أنظر كيف ينظرون إلى من ينتقد رجال الدين ستجدهم ينظرون لهم كالخونة والعملاء والمهرطقين والأغبياء دائماً كل من ينتقد تلصق فيه جميع التهم, أنظر لمجتمعنا لمن الكلمة المسموعة هل للعلم أم لرجال الدين؟ أليس هذا يدل على صحة كلامى؟؟

رابعاً : ماهى البركة ؟ : قالوا لنا أن " إبن الطاعة تحل عليه البركة ولكنهم لم يخبرونا ماهى هذه البركة؟ حتى نعرف من الذى حصل عليها من الذين يطبقون هذا المبدأ هل هى مكاسب روحية ؟ أم مادية ؟ أم ماذا ؟
لو كانت مكاسب روحية فالله يحترم ويقدر كل من يفكر وينتقد ويبحث فمن الممكن يكون شخص فى نظر هؤلاء غير مؤهل للحصول على البركة لأنه ينتقد ويفكر ولايقبل بثقافة الخضوع والطاعة لكنه فى نظر الله مبارك لأنه يبحث عنه بكل صدق , وإذا كانت مكاسب مادية فهذه المكاسب يحصل عليها الجميع سواء المؤمنين وغير المؤمنين حتى المجرمين والسراق والقتلة يحصلون عليها ؟ فماهى البركة التى يتحدث عنها هؤلاء؟؟

خامساً : الكتاب المقدس ضد هذا التعليم :
بعض آيات من الكتاب المقدس التى تتناقض مع هذا التعليم
"وَكَانَ هؤُلاَءِ أَشْرَفَ مِنَ الَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟" (أع 17: 11)
"فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي."... (يو 5: 39-47)
الإيمان فى الكتاب المقدس وحسب المسيح لايكون إيمان إلا إذا كان مبنى على الإقتناع وأيضاً أن يختبر الإنسان بنفسه الله والإختبارهنا معناه الخوض فى تجربة روحية أى وجود الله ينتقل من الفكر إلى الوجود ويعايش الإنسان الله فى العالم الواقعى وهذا لايمكن أن يحدث من خلال ثقافة الطاعة لأن الطاعة الحقيقية هى التى تأتى بعد الإقتناع ولكن هؤلاء رسخوا فى عقول الناس أن الطاعة هى الأساس وأصل كل بركة وهى قبل كل شىء فهذا المبدأ تسبب فى ضياع مفهوم الإيمان الصحيح فكيف يطيع الإنسان شىء لم يقتنع به ولم يختبره؟ أليس هذا يصنع إيمان سطحى ساذج متعصب أعمى ؟ " إيمان بدون إيمان " ؟ وهذا الإيمان الزائف يدخل الإنسان فى حالة من الخداع الذاتى يعتقد أن بالطاعة وبالتسليم يكون مؤمناً ايمان حقيقى وهو لايعرف أى شىء عن ما يؤمن به؟ هل هناك كذبة أكبر من هذه الكذبة؟

فالكتاب المقدس يقول على الذين يبحثون ويفحصون أنهم أشراف مع العلم أن الذى يفحص ويبحث ويفكر هو لايطبق مبدأ " إبن الطاعة تحل عليه البركة " بل يطبق عكس هذا المبدأ النقد والتحليل والبحث والتفتيش
ياليتهم علمونا أن "إبن النقد والتفكير تحل عليه البركة "