أنا سوري ويانيالي :

فلورنس غزلان
2019 / 8 / 30

أنا سوري ويانيالي:ــ
هللنا لباب التواصل الاجتماعي وهرعنا نحوه ، لأننا عطشى للتعبير بحرية، لأننا لانعرف بعضنا، فوجدنا في هذه " الهبة التكنولوجية " هدية كبيرة ، وبدلاً من أن نتخذ منها باباً للمعرفة والتطور، باباً للتواصل بين أبناء البلد المشرذم والمحروم من الكلمة الصادقة منذ عقود خمسة ونيف، أن نفتح نوافذنا تجاه بعضنا ليعرف ابن الجزيرة ابن حوران وابن حلب يتعرف على ابن حمص وهكذا...
لكنني فوجئت وأفاجأ كل يوم بأن هذه الأبواب تحولت لمضافات لتبادل التهاني والتعازي، وتبادل المديح أو الذم والشتم والردح، يختلط فيها الغث بالثمين، ويتبارى البعض في مدح أصوله ومنطقته...ويفاخر بعشيرته ويتعصب لها كما يتعصب لمذهبه وهذا الأخير أشد وأبشع أنواع التعصب المَرضي الذي يفتك بمجتمعنا ويشكل خطورة عليه بالقدر نفسه لما يشكله الاستبداد السلطوي.
ناهيك عن التناحر العرقي والاثني، بين كرد وعرب وسريان وأكراد ، وأرمن وشركس !
وعندما يتصور البعض أنه وطني سوري لاغبار عليه، تجده يلعن الكون برمته ولا يسمح لأحد أن ينتقد أي سوري مهما كان ، ولا يرى في بشاعة السوري وتصرفاته وأمراضه الاجتماعية مايدعو للخوف ويبحث له عن تبريرات!، أي أنه أيضا يتعصب لسوريته بشكل أكثر مرضية من التعصب العرقي أو المذهبي.
هذه الأوبئة الاجتماعية الفتاكة كلها ناتجة عن ضعف في الوعي أولاَ وفي الانتماء الوطني السليم ثانياً، كما في المحاكمة العقلية والمنطقية ثالثاً
وكي لا أظلم فقط أطلب لمن لديه مستوى ثقافي محترم أن يجول ويتحدث لمجموعة من الشباب والفتيات السوريين سواء تواجد في الغربة أم في الوطن ويتحاور معهم، وأولهم من حملة الشهادات الجامعية، فسيجد أن الغالبية العظمى ــ وقد تصل النسبة المئوية لدرجة مخيفة ــ أميون في الثقافة والقراءة خارج مناهج المدارس والجامعات، فقد حرصوا فقط على حمل لقب "دكتور، مهندس، ومحام ...الخ" وهذا بالنسبة له قمة النجاح ...يفتح أمامه أبواب العمل وبناء أسرة ومستوى "اجتماعي مرموق "! ...حسب المقاييس المجتمعية القائمة على معايير نجاح مغلوط...والفتيات لايهمهن سوى من يوفر لهن بيتاً مريحاً ، ويؤمن لهن الرفاهية المادية ، وحتى الحب بالنسبة لهن مجرد وسيلة اصطياد للأفضل ،
الشكل قبل الجوهر...لأن الجوهر فارغ المحتوى عند الطرفين الشاب والفتاة....
وندرة من يخرج عن هذه المقاييس، وإجمالا فإن نجاحات الناجحين المثقفين فعلا ...تتركز عليهم شخصياً وعلى أعمالهم التي برزت بعد الثورة ...وإن بحثنا جيداً نجد أن معظمهم درس في الخارج أو ينتمي لأسرة مثقفة أو سياسية .
لا أحد يرى ماينتظر مجتمعنا فوق كل ماعاشه ورآه وما سيأتي وهو الأشد مرارة، أجيال من الأميين، ملايين بلا مدرسة، بلا معيل، بلا أسرة حقيقية، بلا حماية مجتمعية ــ قانونية خراب ودمار مادي وعلمي وثقافي وتردي في العلاقات الاجتماعية ، التي تغيرت بفعل سخط ثمانية أعوام من الحرب المدمرة للروح والجسد والبيت والمدرسة والمشفى، وعلاقات الجيرة والمحبة والتلاقي والتفاهم والتواصل القائم على المشاعر الوطنية والإنسانية ، مجتمع هش بلا ضوابط ، بلا روابط ...بلا دولة وبالتالي بلا وطن.
فهل سنظل نتواصل للتسلية والترفيه ، أو للبكاء والحنين؟ أم سنفتح قلوبنا وعقولنا وعيوننا ونجد مخرجاً ، نشكل نادياً ــ على أقل تقدير لتبادل الرأي في مواضيع حساسة تتطلب دراسات واعية تفيد المتداخل والكاتب والقاريء.
إنها صرخة صادقة من الأعماق أرجو ألا تذهب أدراج الرياح وكلي استعداد لتلقي آراءكم واقتراحاتكم.
فلورنس غزلان ــ باريس 29/08/2019

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت