الروح الديمقراطية للجمعة بين الجزائريين وطرح الصادق النيهوم

رابح لونيسي
2019 / 8 / 28

الروح الديمقراطية للجمعة
بين
الجزائريين وطرح الصادق النيهوم

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران1-


يعد يوم الجمعة يوما عظيما ومقدسا لدى المسلمين بإقامة الصلاة الخاصة، وقد نزلت سورة كاملة تسمى ب"الجمعة" تأمرهم بالإنتشار في الأرض لإبتغاء فضل الله بعد إنقضاء صلاة الجمعة، ففهم البعض منهم فضل الله ب"الرزق"، لكن ألا ينفذ الجزائريون هذا الأمر الرباني كل جمعة بخروجهم في مسيرات بعد إنقضاء الصلاة؟، أفلا يمكن لهم فهم "فضل الله" بالخير العام دون تحديد، وأن القيام بما يفعله الجزائريون اليوم، سيعود بالخير الكبير على القائمين بذلك مثل التقدم والرفاهية والسعادة والحريات والعدل وغيرها؟. قد ورد بقوة في التراث الديني الإسلامي فكرة أن الجمعة وخطبتيها يجب أن تأخذ طابعا سياسيا، وتخوض في شؤون الأمة ومشاغلها، لكن ما يجهله الكثير هو ذهاب بعض الباحثين إلى التشكيك في طريقة أداء المسلمين لصلاة الجمعة وإتهامهم بني أمية بتحريفها عن جوهرها وهدفها بعد أخذهم السلطة وتحويلهم الخلافة الراشدة إلى ملكية وراثية أستهجنها الله سبحانه وتعالى الذي قال في الملوك بأنهم إذا دخلوا قرية أفسدوها.
يعد المفكر الليبي الصادق النيهوم من أبرز هؤلاء الذين شككوا في طريقة أداء المسلمين لصلاة الجمعة اليوم، وذلك في عدة مقالات نشرها في بداية التسعينيات في مجلة الناقد التي يصدرها نجيب الريس في لندن، فقد نشر النيهوم هذه المقالات بكل النقاشات التي صاحبتها في عدة كتب، أبرزها كتابه "إسلام ضد الإسلام" على شاكلة كتاب المفكر الإيراني علي شريعتي "دين ضد الدين" الذي يبدو ان النيهوم قد تأثر به في طرحه القائل بأن ما يعيشه المسلمون اليوم من ممارسات للدين ليست هي نفسها عند مجيء ذلك الدين، ويقول شريعتي أن كل دين بعد ما يتوفى نبيه يتم إختطافه من المستبدين والإستغلاليين لتوظيفه لخدمة مصالحهم، فيحرفونه بمساعدة رجال الدين، فأعطى فرعون كرمز للإستبداد وقارون كرمزللإستغلال، بل أطلق شريعتي عليه مصطلح "الرأسمالي الإستغلالي الجشع"، أما هامان فأعتبره رمزا لرجل الدين المحرف للدين الأصلي والمبرر لسلوكات المستبد والإستغلالي، ولهذا دعا شريعتي علماء الإجتماع الديني إلى الحفر عميقا لنزع كل ما ألصق بالدين عبر التاريخ من إنحرافات حتى الوصول إلى جوهره الأصيل.
يقول النيهوم أن الجمعة في عهد سيدنا محمد(ص) والخلفاء الراشدين كانت يوما سياسيا تتم فيه محاسبة الخليفة، ويستند على عدم نقل الرواة لخطب الرسول(ص) يوم الجمعة في الوقت الذي تم فيه الحرص على نقل كل صغيرة وكبيرة عنه، ويقول أن في عهد الخلفاء الراشدين كان المسلمون هم الذين يتحدثون، وينتقدون الخليفة في صلاة الجمعة، ويورد مثلا تنبيهم للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قميصه ومطالبتهم له بتبرير طوله، وكذلك وقوف إمراة في وجه عمر قائلة له، بأي حق تلغي الصداق الذي فرضه الله.
يرى النيهوم أن يوم الجمعة كان يوما لمحاسبة الخليفة، لكن بعد إستيلاء الأمويين على السلطة، منعوا ذلك بجعل الإمام هو المتحدث الوحيد، وأختلقوا الحديث الشهير بأنه كل من تحدث أثناء خطبتي الجمعة بطلت صلاته، كي يمنع الناس من نقد ممارسات الأمويين في ذلك اليوم.
لايهمنا نحن ما يورده النيهوم، بل نريد فقط توظيف ذلك سياسيا لإعطاء الرقابة الشعبية في دولنا طابعا مقدسا، فلنتصور لو يتعرض يوم الجمعة كل مسؤول من القاعدة إلى القمة للمحاسبة أمام الملآ كما يقول النيهوم، فهل سيجرؤ هذا المسؤول على التعدي على حقوق الناس أو يفرط فيها؟.
فمن دواعي الصدف أن نجد روح ما طرحه النيهوم حول الطابع السياسي والرقابي للجمعة، يكرره اليوم الجزائريون كل جمعة في هذا الحراك الشعبي، لكن يتم ذلك بعد أداء صلاة الجمعة، كما أعتادوا القيام بها، ثم يخرجون إلى الشوارع في كل المدن للمطالبة بحقهم في إستعادة سيادتهم المغتصبة ورفض ماتريد السطة فرضها عليهم، ويصر الشعب على مواصلة هذا الحراك كل جمعة حتى تتحق كل مطالبه المشروعة، لكن إنطلاقا مما أوردناه من قبل حول الجمعة، فلماذا لايتحول هذا اليوم مستقبلا إلى يوم مخصص لمراقبة المسؤولين في كل المستويات وفضحهم في حالة الإنحراف، فيتحول هذا اليوم إلى يوم سياسي شعبي، ويمكن حتى ترسيمه دستوريا كيوم للرقابة الشعبية بالتظاهر والمحاسبة للمسؤولين، ويتم ذلك كله بعد أداء صلاة الجمعة كما يقع اليوم مع الحراك الشعبي.
نعتقد أن إعطاء يوم الجمعة هذا البعد السياسي والرقابي الشعبي هي إحياء لروح الإسلام، فقد تعود الجزائريون خاصة، والمغاربيون عامة على ذلك عبر تاريخهم، فلنشر أنه بعد الإنحراف عن الروح الجمهوري والديمقراطي للإسلام الذي مارسه الخلفاء الراشدين، تمكن الأمازيغ إعادة هذه الروح عن طريق الدولة الرستمية التي كانت ذات طابع جمهوري وديمقراطي شبيهة بدولة الخلفاء الراشدين، فلنشر أن الدولة الرستمية التي تعد أول دولة تنفصل عن دولة الخلافة، وتؤسس دولة خاصة بها، لكنها متناقضة مع الفكر السياسي المطروح آنذاك سواء عند الأمويين والعباسيين القائلين بأن الخلافة يجب حصرها في قريش أو الشيعة الذين حصروا الإمامة أو الخلافة في أهل البيت، لكن المذهب الإباضي الذي تبنته الدولة الرستمية وأغلب الأمازيغ آنذاك كان يقول بأن من حق أي مسلم توفرت فيه شروط العلم والدين تولي الإمامة أو الخلافة حتى لو كان زنجيا رأسه مثل رأس زبيبة حسب حديث يروى عن سيدنا محمد(ص)، فهل سيقوم أحفاد هؤلاء اليوم بنفس المهمة وترسيم الجمعة كيوم للعبادة والسياسة والرقابة الشعبية، فيعيدون للجمعة روحها الديمقراطي؟.
تقول العديد من الدراسات أن الأمازيغ قد أعتنقوا الإسلام على مذهبي الإباضية والصفرية المتقاربين جدا رافضين للأمويين ولمذهبهم معتبرين أياهم غزاة جاءوا لسلب أرضهم وثرواتهم بإسم الدين، وحاربوهم حتى طردوهم من أرضهم، خاصة أن هناك عدة روايات أوردتها أغلب مصادر التاريخ الإسلامي تقول أن نسبة كبيرة جدا من الأمازيغ قد أعتنقوا الإسلام قبل مجيء الأمويين، وكانوا مقبلين عليه بقوة، وقد تم ذلك بعد ذهاب وفد منهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه للإستفسار عن هذا الدين الجديد.

البروفسور رابح لونيسي