ضياء بلا ظلال

ساطع هاشم
2019 / 8 / 23

طريقة الرسم بالضوء والظل او التدرج من المضيء الى المعتم، والتي بواسطتها يتم رسم الصورة ثلاثية الأبعاد وابراز الحجم والبعد والقرب، او الإيهام بالبعد الثالث على سطح مستوي من بعدين مثل سطح الورقة او الحائط وماشابه، هي الطريقة التي تميز الفن الأوربي عن بقية فنون الأمم، وقد سادت بالفن الأوربي منذ ان طورها بالتوازي مع اختراعه لقواعد المنظور الفنان المعماري والصائغ الإيطالي برونولسيكي بحدود سنة 1417 ، وفي نفس تلك السنوات من بداية القرن الخامس عشر، تم اختراع الرسم على القماش في فينيسيا بإيطاليا واستعمال الأصباغ الزيتية في هولندا أولا ثم إيطاليا وبقية اوربا وكذلك ادخال علم التشريح بالرسم لاحقا.
هذه المخترعات الخمسة الأساسية هي التي بدأت بواسطتها عملياً طريقة الرسم فيما يطلق عليه في تاريخ الفن بمصطلح محاكاة الطبيعة، ومحاولة تصوير ونقل المشاهد المرئية أمام العين البشرية يدوياً باستعمال الملاحظة عن طريق تطبيق وممارسة علم المنظور وتطبيقات التدرج من الظل الى الضوء وقواعد علم التشريح.
وأصبح هذا هو المنهج التوجيهي الأساسي للفن الغربي برمته، وأصبحت الأصباغ الزيتية هي الاختراع الجديد الملائم جدا لهذا النوع من الرسم، وخرجت مواد وأصباغ الرسم المائية من الاستعمال الشائع آنذاك بعد ان حلت محلها مواد جديدة ونظريات فنية جديدة وضعت الأساس لعصر النهضة والخلاص من ربقة العصور الوسطى.
واستمرت هذه المناهج بريادتها للفن الأوربي حتى الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر (يعني أكثر من أربعة قرون ونصف) واكتشاف حضارات شعوب العالم غير الأوربي، ودخول الإنسان في عصر العلم والتكنولوجيا والإنتاج واسع النطاق للسلع، وبدأ من هناك الابتعاد التدريجي عن تلك التقاليد واختفائها لاحقاً كمنهج سائد ووحيد وحلول أيدلوجيا الحداثة والتغيير المصاحب للآلات ووسائل العمل والاتصال والمكائن والصناعة الجديدة الجبارة.
ومنذ بداية الثورة الصناعية الثانية في منتصف القرن التاسع عشر واشتعال الثورات الاجتماعية والقومية في الدول الأوربية بدأت الثورة ضد أساليب وفلسفات محاكاة الواقع بالانتشار بسرعة كبيرة ايضا، لتحل محلها افكار وأيديولوجيات جديدة وغير معروفة سابقا، كان قسماً كبيراً منها بسبب زيادة اتصال اوربا بالعالم الخارجي واكتشافهم فنون العالم غير الأوربي خلال عصر الاستعمار، فبدأ فنانيهم ومفكريهم يحلمون بالعودة الى الأصول، واستلهام ذلك التراث غير المعروف والغائر في القدم لتلك الشعوب الأجنبية البعيدة، والذي يتميز برسم الضوء بلا ظلال كما فعل الرسام الصيني والياباني او العربي والفارسي وغيرهم، وكان هذا الاتجاه بالتفكير الأوربي هو الذي انتج كوكان وفان كوخ وبيكاسو وماتيس والمئات غيرهم، وهذا بالذات ماتم تصديره إلينا زمن الاستعمار من فنون وافكار تجسدت لدينا بفكرة استلهام التراث التي سيطرت على عقول المثقفين في بلادنا بقوة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والى الان.

وفي نفس وقت تلك الثورة ضد الأساليب المحافظة بالفن، طالب رجال الصناعة والعمل من العلماء بصناعة أضواء ومصابيح لاتعطي ظلال، فقد وجدوا ان الأضواء التي تعطي الظل مرهقة ومتعبة للعين وتؤدي الى التعب وقلة الإنتاج.
فابتكروا ضوء النيون الذي لا يعطي ظلال وكان ذلك في الفترة بين الحربين لكنه لم يدخل الى الإنتاج الواسع الا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الان ومنذ الستينات العلامة الفارقة والأداة الرئيسية في مجال انارة الأماكن العامة وأماكن العمل حول العالم.
بيد انه بعد ان تراجعت الأساليب الطبيعية ومحاكاة الواقع والأكاديمية ومثيلاتها بالفن، فقد عاد استعمال المواد والأصباغ المائية مثل التيمبرا والكواش وقد سبق هذه العودة اختراع الأصباغ المائية الجافة بالضبط مع اختراع الآلة البخارية وذلك في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ثم تلتها بالأهمية حديثاً مواد الاكرليك منذ خمسينات القرن العشرين، لان الفنان الحديث او فنان العصر الصناعي اكتشف فيها مواداً أقرب للتعبير بواسطتها عن الحس والتفكير والتصورات الذاتية، منها الى المواد الأخرى التي تنقل الطبيعة.
واهم ما يميز الرسم التقليدي القديم بالأبعاد الثلاثة (الطول او العمق، العرض، الارتفاع) هو اعتماده بالكامل على التظليل، او البراعة في خلق التدرجات الضوئية المتعددة من الغامق الى الفاتح، والإيهام بالعمق في تلوين العتمة متعددة الدرجات، وفي سبيل المحافظة على هذه القوة فان طلاء اللوحات بالوارنيش مثلا او اي مادة شفافة اخرى، يعد ضرورة بصرية هامة، والفنان الذي ما زال يمارس هذه التقاليد يسمى فنان المظهر الخارجي للأشياء او الواقعي او التشخيصي او الأكاديمي.
اما التعبير بواسطة العلاقات اللونية بلا ظلال والخطوط الرشيقة والسريعة التي تبناها الفنان الحديث في ثورته ضد الأكاديمية فان المواد المائية كانت وما زالت هي الأكثر ملائمة وروعة.

غير ان طريقة الرسم بلا ظلال التي جدد الغربيون بواسطتها كل فنونهم البصرية بالرسم أصبحت احدى صفات وعلامات الفن الأوربي والعالمي الثوري المتمرد الحديث كله منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر والى الان، وذلك بفضل انتشار افكار النظريات العلمية وافكار استلهام فنون الشعوب اللااوربية بين بعض الفنانين وخاصة فنانين الرسم الانطباعي الأوائل، وايضا بسبب تطور أدوات ووسائل عمل الرسامين، مثل ابتكار عصارات الالوان القابلة للحفظ لشهور عديدة وابتكار الفرشاة المربعة، وتوسع وسائل الطباعة والتصوير الفوتوغرافي وتصميم الاَلات المختلفة، وزيادة الاهتمام بتاريخ وفنون الشعوب بالعالم.
كل هذا وغيره الكثير قد دفع الفنان في اوربا الى تغيير مساره الكلاسيكي او الأكاديمي المحافظ القائم على أساس تقاليد عصر النهضة نحو ايديولوجيا جديدة تدعو الى استلهام العلم والى ابتكارات أكثر ملائمة للعصر الصناعي الجديد وما يفرضه ذلك على الإنسان من تغير سريع في الأذواق وفي الحاجات الروحية الجديدة، فعصر العلم والإنتاج الصناعي واسع النطاق يفرض على الفنان تقديم ابتكارات ملائمة له، لكن ذلك لا يمر بدون مشاكل وشكوك في طبيعة مرحلة العلم والتكنلوجيا نفسها
فالعالِم بالطبيعة ينتج النظريات ويجري التجارب ويشرح لنا نظام الطبيعة، ولكنه لا يسأل عن تأثير هذه الفرضيات والنظريات علينا وعلى مجتمعاتنا وعلى تصور الانسان للواقع والحقيقة والمشكلات الناتجة عن تصنيعها، فهذه من مهمات الإنسانيين ومروجي الأيدلوجيا.
العالِم يتعامل مع عقائد تبحث في الجمادات وتفاعلاتها الكيميائية وفي جوهر الحقائق التي تلف تقنيات حياتنا، وليس مع صراع الطبقات والعواطف والغيرة والاحاسيس الحية، او الموسيقى التي توجد في الكلمات وفي الثورات الاجتماعية والسياسية او في إيماءات العشاق، غير عابه بتأثير العمل الثوري او العمل الفني النفسي او العاطفي علينا، متجاهلا الأبعاد الجمالية لها، ودماغه يركز على الطبيعة كعمليات فقط
وهذه المشكلات التي تولدها وتطرحها العلوم ومخترعاتها تفرض علينا نحن الذين لا نفهم بها والمجبرين على القبول بها وبسلعتها واستعمال انتاجها لأنها صارت جزءاً من ضرورات بقائنا، التفكير بمشكلاتنا الاجتماعية وبؤسها الناتجة عن اختراعات وصناعات هؤلاء العلماء وعملهم الضروري لتغيير حياة البشر بمفردنا، اقصد كل واحد منا على انفراد، وبمصيرنا وبمدى معرفتنا حقا للبيئة وللواقع الذي نعيش فيه، رغم علم بعضنا بانه لا توجد حدود للحقائق خاصة بهذا ومخفية على ذاك، متعللين بفكرة الحرية التي يطرحها العالم الغربي ومنذ القرن السابع عشر ولحد الان كموضوع وكمشكلة، في الحياة والفلسفة والمجتمع والفن والسياسة وتقريبا في كل مجال يخطر على بالهم.
ولكن هل نحن احرار فعلاً؟
يقسم الاقتصاديون حاليا عصرنا بأربعة مراحل للثورة الصناعية: الثورة الصناعية الاولى او البخارية، ثم الثانية او الكهربائية والثالثة الثورة النووية ونحن نعيش حاليا في الثورة الصناعية الرابعة او ما يسمى بثورة الديجيتال والعقول الصناعية واسماء اخرى لم يتم الاتفاق عليها عالميا، وفي جميع هذه الثورات تدخل قوانين وحسابات القوى المتصارعة وأيدولوجياتهم كعوامل اساسية في توجيه الطاقات العقلية والجمالية للفرد.

في الفن باعتباره مجرى أساسي للغرائز الجمالية كما في الحياة تواجهنا أشياء واحداث تثير إعجابنا وحبنا، وتواجهنا مصائب ورزايا وبلاوٍ تدفعنا للمواجهة والرفض وحتى القتال، ودائما نُترَك لنواجه مصيرنا منفردين.
وفي زمن مضى لن يعود، كان الفن هو مصدر العلم والتكنولوجيا، ولم يكونا منفصلين، فكان يمكن ان تكون مخترع او مصمم او شاعر او رسام او صاحب مشروع تجاري في وقت واحد، وكان الفن قلعة المنجمّين والعارفين بالغاز السماء واشكال ترتيب النجوم، ويسعى الى انتاج أعمال فنية تقول شيئا ما، وذلك عندما كان يطلب من الفن ويفرض على الفنان ان يقول شيئا ما بالصورة والرمز خدمة لهذا وهجاءاً لذاك، وبعكسه فلن يجد قوت يومه، لان اللغة البصرية آنذاك كانت قادرة على توجيه الرأي العام.

اما الان فان حياة البشر في غالبية دول العالم هي اماكن يسودها السلام وبها أحدث أنواع تكنلوجيا انتاج الصور والرموز لتوجيه الرأي العام ولديهم هموم ومشاكل من نوع اخر ولهذا فلديهم فن من نوع اخر ومواد تعبير ووسائل عمل فنية من نوع اخر وفنان اخر، قد لانفهمه أبداً ولن نفهمه مثلما لا نفهم ولن نفهم لماذا يعتقدون بحقوق الإنسان ويتقيدون بقوانينها، ويرفضون الإعدام والقتل على الهوية

وعندما كنا صغاراً طالَبنا (العقلاء) بالتخلي عن أنفسنا، عن ذواتنا، وان نحاول ان نجهد أنفسنا بالاندماج بالجماعة والروح الجماعية، فهناك سنجد الخلاص والسعادة لتنظيم المجتمع وفقا لنُظُمٍ سامية كنا متفقين على صحتها وكمالها.
وهكذا كان، فقد لبينا نداء (العقلاء) فذهبنا الى الجماعة وتخلينا عن ذواتنا الفوضوية وانتظمنا في صفوف، ولم يكن مسموح لنا ان نقول اشياءاً مختلفة، كان ينبغي ان نقول شيئاً واحداً حتى تستمر الحياة، ولم نشعر يوماً بان هذه خسارة لذواتنا كأفراد، ورغم هذا وقعنا في اخطاء كثيرة ومناقشات غير مجدية، ومشاكل شخصية مخيفة.
غير أن قانون الصراع في سبيل البقاء الذي اكتشفه قبلنا من هم اعقل من عقلائنا وقالوا لهم ولنا انتبهوا نحن مجبولين عليه، قد رفض القيام بما كنا نريد تحقيقه من خلال الفكر، وانحاز دوماً الى الفطرة والروح الحيوانية والى الغرائز التي اعتقدنا بانها قد تهذبت وراحت منها الوحشية، واكتشفنا متأخرين بان هذا الصراع في سبيل البقاء والروح الحيوانية التي تغذيها الغرائز لا يخضع ولا يمكن إخضاعه لتنظيمٍ وفقا لنُظُمنا السامية التي كنا متفقين على صحتها وكمالها، ومنذ ان أخذنا بذلك الاكتشاف/ البلاء وانتصرت الغرائز الدونية العدوانية على افكارنا والى اليوم فان آلامنا الداخلية قد تسلطت علينا، والحزن والقلق يعتصر احشاءنا كل ليلة وكل يوم، وقلوبنا التي أفعمها الحب ذات مرة تعيش مثل جمراةٍ في نار خالدة، وصار شرقنا يقود البشرية من عارٍ الى عار، من خزيّ الى خزي، ومن جهلٍ الى جهل، وانطفأ الضوء وحَّل الظلام.