الوطنية بين شاعرين -مفدي زكريا والعيد آل خليفة-

رابح لونيسي
2019 / 8 / 22

حلت علينا يوم 17أوت الذكرى44 لوفاة شاعر الثورة الجزائرية وكاتب نشيدنا الوطني أبن ميزاب مفدي زكريا الذي قلت عنه في عدة محاضرات ومقالات لو أردنا بناء جزائري وطني حقا فلنلقن لتلامبذتنا في المدرسة إلياذة الجزائر ولنفرض عليهم حفظها وفهمها فهما جيدا، وقلت غن كان القرآن الكريم كتابنا الديني فإن الإلياذة تعد كتاب الوطنية الجزائرية لما تحويه عن تاريخ أمتنا وأبطالها وإنجازاتها عبر كل مراحلها منذ القديم إلى إسترجاع إستقلالنا، يجب ان نعلم ان مفدي زكريا هو أبن نجم شمال أفريقيا ثم حزب الشعب حيث عين كأمين عام له، وأعتقل بسبب نضالاته من أجل إسترجاع الجزائر إستقلالها، ومن أبرز أناشيده هو نشيد فداء الجزائر في 1937 الذي أصبح نشيد لحزب الشعب، وقد وضعه ردا على الإدماجيين الذين شرعوا في التفاوض مع السلطات الفرنسية حول مشروع بلوم فيوليت في 1936الذي يقضي بإعطاء حقوق المساواة بالأوروبيين لمجموعة قليلة من المتعلمين الجزائريين سواء بالعربية أو بالفرنسية مقابل قبولهم بإلحاق الجزائر بفرنسا في إطار دولة بفرنسية بأمتين(الجزائرية والفرنسية) مثل الأمبرطورية النماساوية-المجرية كما كان يقول بن باديس، وكان على رأس هؤلاء الذين قبلوا بهذا المشروع، نجد جمعية العلماء بقيادة بن باديس، وكذلك فرحات عباس وبن جلول وكذلك الحزب الشيوعي وغيرهم بإستثناء نجم شمال أفريقيا بقيادة مصالي الحاج الذي تمكن من إفشال هذه المناورة الخبيثة ضد الشعب الجزائري.تعود جذور ثورة نوفمبر إلى هذا التيار الإستقلالي الذي سيغير إسمه إلى حزب الشعب في 1937 ثم الحركة من أجل الإنتصار لللحريات الديمقراطية في 1946 الذي سينشأ المنظمة الخاصة، وينبثق عنها كل مفجري ثورة نوفمبر1954. ينتمي مفدي زكريا إلى هذا التيار الإستقلالي، وقد عرفت جزائر هذه المرحلة شاعرين كبيرين أحدهما مفدي زكريا والآخرهو محمد العيد آل خليفة، وهو شاعر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد وصفه بن باديس بأحمد شوقي الجزائر، لكن عند إندلاع ثورة نوفمبر1954 واصل مفدي زكريا نضاله من أجل الجزائر، ودخل المعتقل وكتب نشيد الثورة قسما وعدة أشعار صاحبت مسار ثورتنا التحريرية، أما محمد العيد آل خليفة لزم بيته للأسف الشديد، وتوقف عن كتابة الشعر منذ ذلك اليوم واتحدى أي كان ان ياتينا بقصيدة كأو نصف بيت شعري كتبه بعد أول نوفمبر1954 رغم إلتحاق جمعية العلماء بالثورة في 1956 بعد ما أقنعهم عبان رمضان بذلكن خاصة أحد أبرز أعضائها وهو العربي التبسي.
يعد هذا الأخير ثوريا في طبيعته على عكس مثلا الطيبي العقبي وآخرين آنذاك، فبشأن الطيبي العقبي علينا الإشارة إلى حادثة يعرفها، ويرويها كل العاصميين الذين عايشوا الثورة التحريرية، وهي أنه في بدايات الثورة التحريرية طلبت القيادة من الشعب الجزائري عدم تقديم أضحية العيد كتعبير رمزي على وقوفهم مع الثورة، وأعطت فتوى دينية، بأن ذلك ليس مما يعارض الدين الإسلامي، ونسجل آنذاك رفض بعض المتعصبين الدينيين، ومنهم الشيخ الطيبي العقبي أحد أبرز مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي تحدى الثورة آنذاك بإتيانه بكبش كبير، ليضحي به في الساحة المسماة اليوم ب "ساحة الشهداء" متهما الثوار بالشيوعيين والمعادين للدين، وأنهم يريدون منع سنة مؤكدة، ونشير أن الطيبي العقبي قد كلفته جمعية العلماء بقيادتها في الوسط إنطلاقا من العاصمة كما كلف بن باديس بالشرق والبشير الإبراهيمي بالغرب الجزائري، وقد دخل في صراع مع الإبراهيمي حول خلافة بن باديس بعد وفاته في1940، ليستقيل عنها، وكانت مواقفه متطرفة في الجانب الديني، لكنه متعاون بشكل كبير مع الإستعمار الفرنسي.
ولنعد إلى موقف آل خليفة الذي برره أنصار جمعية العلماء بأنه اصبح متصوفا، فهل التصوف الديني يسبق نداء الوطن، لكن لانستغرب إن كان الوطن يأتي في الدرجة الثالثة لدى هؤلاء بعد الدين والعربية، فهم للأسف يبررون المواقف، لكن التاريخ يسجل المواقف، ولايبحث عن مبرراتنا لذلك اليوم لأهداف أيديولوجية بحتة، رحم الله الجميع وتحية تقدير وإجلال للوطني الكبير أبن ميزاب مفدي زكريا.