إضاءات حول تاريخ مغيب: قبائل الرحامنة

الريكات عبد الغفور
2019 / 8 / 21

إن تاريخ قبائل الرحامنة المعقلية الصحراوية، هو تاريخ تمرد على السلطة السياسية (السعدية و العلوية)، و رغم كل المحاولات لتغييب جزء مهم من تاريخ هذه القبائل إلا أن مؤرخي البلاط أنفسهم اعترفوا بقوة هذه القبائل الممتدة بين مراكش و آسفي و متاخمة لقبائل منها قبيلة بني مسكين و التي يفصلها عنها واد أم الربيع.
ومنهم الحسن الوزان في كتابه " وصف افريقيا"، والذي سرد فيه جغرافية المنطقة من الجبل الاخضر الى هسكورة (سكورة)، و لعل قساوة الظروف الطبيعية انعكست على قساوة الرحماني.
لطالما كانت قبائل الرحامنة في صراع حتمي و دائم مع الدولة العلوية، فيذكر الناصري في الاستقصا " في 1872 لم يستطع الحسن الأول دخول الرحامنة لاخماد تمردهم على وزيره باحماد ... " بل إن هذا الاستعصاء انتقل لابنه عبد العزيز و الذي رفضت هذه القبائل بيعته، و حسب ما أوردته الكتابات التاريخية المخزنية فوباء الطاعون الذي عرفته المنطقة أواخر القرن 19 هو الذي قلص منسوب التمرد بها.
إن الكتابات التاريخية الرسمية اتجهت معظمها في مسار طمس تاريخ القبائل الثائرة و اعتقال الثوار منهم مبارك بن الطاهر بالرحامنة و الجيلالي الزرهوني بالشرق، بل و تقتصر تاريخ قبائل عريقة في معركة سيدي بوعثمان سنة 1912، و التي لم يكن للانسان الرحماني البسيط أي علاقة بها؛ طالما أن علاقة القبائل بالمخزن منذ نكسته في تطوان سنة 1860 هي علاقة اقتصادية (دفع الضرائب ) و التي كثيرا ما امتنعت قبائل الرحامنة عن دفعها.
و بعد سنة 1912 اعتمدت الامبريالية الفرنسية على القياد في صراعها مع القبائل، لقد كانت المقاومة قبلية بامتياز، فكل قبيلة تواجه مصيرها بنفسها مع المخزن المغربي و الفرنسيس، لقد كان سائدا أنذاك مفهوم المواطنة القبلية.
و كما هو معروف عند دارسي التاريخ و السوسيولوجيا ففي المغرب الكولونيالي سادت ثلاثة مفاهيم مركزية: المخزن / الزاوية / القبيلة.
فبعض ان ارتمت البورجوازية الصغرى بالحواضر في أحضان الامبريالية لضمان امتيازاتها، فقد استفادت في البوادي السلطة الدينية في شخوص الزاويا (الفقهاء/ شيوخ الزوايا..)
و كذا القياد من الامتيازات نظير الخدمات التي قدموها للمخزن و الفرنسيس على حد سواء، فتحولوا الى كبار الاقطاعيين.
و أما الكادحين و المهمشين بقبائل الرحامنة فواصلوا تمردهم في زمن تعدد جبهات الصراع ، ضد المخزن و خدامه من جهة و ضد الامبريالية الفرنسية من جهة ثانية.
فكان القايد خلال تلك الفترة يلهث وراء الامتيازات فكان ميوله ليس سياسيا وإنما نفعيا أي مع الجهة المنتصرة، و من الاشياء التي تثير الاشمئزاز أن أحد أبرز القياد ولاء للامبريالية الفرنسية في زمن احتلالها الرسمي للمغرب، سيحضر لمفاوضات ايكس ليبان سنة 1955مدافعا عن المخزن ، من هنا وجب على المثقفين العضويين بالدرجة الاولى أن يعيدوا النظر في مفهوم الوطنية و مفهوم الخيانة و التي تمت لبرلتها
فقبائل الرحامنة كانت و مازالت تدفع ثمن تمردها، فطالها التهميش و الإقصاء من أي مشروع تنموي اقتصادي أو اجتماعي، و هذه الضريبة ستبقى ملازمة لقبائل الرحامنة طالما أن المخزن لن ينسى من وقف سدا منيعا أمام ساديته و وحشيته.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول