غزو بني هلال وبني سليم للمغرب...، دروس مفيدة للحاضر

لحسن ايت الفقيه
2019 / 8 / 20

«غزوة بني هلال وبني سليم للمغرب»، عنوان بحث لطالبة فايزة محمد صالح أمين سجيي، أصله بحث الحصول على الماجستر في التاريخ الإسلامي في السنة الدراسية 1981-1980 بالمملكة العربية السعودية. وهب لي أحد الأصدقاء صيغة إليكترونية للكتاب، واطلعت عليها بتأن، مرتين، ووجدت أن الكتاب منتظم في 263 صفحة، كلها مواقف يحسن الوقوف عندها. ذلك أننا، نحن أبناء المغرب الكبير، وجدنا أنفسنا أمام مجتمعات متعددة ثقافيا وعنصريا، فكان من اللازم ملامسة هذا التعدد، واستقبال مثل هذه البحوث بفضول بليغ. أتمنى أن يوزع الكتاب بكل بلدان المغرب الكبير، وخاصة المغرب والجزائر وتونس.
«غزوة بني هلال وبني سليم للمغرب» دراسة مهمة للغاية، لأن الغزو قائم، لا جدال فيه، أعقب الفتح، مع العلم أن الغاية الاقتصادية للمشاركة في أي حرب، حاضرة طيلة القرون الخالية. إن ما يعنينا، هنا، أن واحدة من أبناء المملكة العربية السعودية هي التي تناولت بالدرس هذا الموضوع، وما كان لأحد أن يقول عنها شيئا، كنحو أنها تدعم القضية الأمازيغية، مثلا، أو أنها متعصبة، أو أن قولها غير موضوعي، فالكلام من جنسه غير وارد بالمطلق، فالبحث علمي موثق، تستحق مؤلفته التنويه والتقدير، وتحول كل التفضيل والثناء.
صحيح أن السياسة اللغوية في المغرب الأقصى لم ترسو بعد، وسترسم مسارها في الأيام المقبلة، بتنزيل ما يتصل بها من فصول الدستور المغربي لسنة 2011، وكل حديث في موضوعه سابق لأوانه. وصحيح أن من القبائل الأمازيغية التي تعربت، وهي تلك التي ترفض ماضيها الأمازيغي، وتجد نفسها، لأسباب غير مفهومة، أكثر نصرة للعروبة من العرب أنفسهم. ولو أن الدستور المغربي يقر بالتعدد اللغوي والثقافي نجد من الذين تعربوا من يحنون إلى النظرية الاستعابية التي تقضي الإقرار بدين واحد ولغة واحدة في وطن واحد، أعني العروبة والإسلام.
ما كان للدولة الفاطمية، في العصر الوسيط، سوى «أن يطلقوا العنان لقبائل عربية بني سليم وبني هلال، التي كانت تثير الاضطراب في مصر، والشام ليتوجهوا إلى المغرب»، طمعا «في تأديب المعز بن باديس الذي جهر بعداء الفاطميين وشجع على قيام المذابح لأتباعهم في المغرب، واعترف بالخليفة العباسي القائم بأمر الله» (صفحة 3 من البحث المذكور). تلك هي إذن بداية غير سليمة لمسلسل طويل من النزاع، بين الأمازيغ والعرب، نتج عنه الوضع الذي نعيشه في الحال، بداية لعملية غزو بني هلال وبني سليم للمغرب الكبير حيث «تملكوا أفريقية والمغرب الأوسط»، وأتت البقية في العقبى.
في البدء كان الفتح الإسلامي للمغرب الكبير بدأه عمرو بن العاص في حدود سنة 41 هجرية. دام الفتح طويلا، أن كانت مقاومته عنيفة للغاية، وتأرجح بين اعتناق سكان شمال أفريقيا الإسلام وارتدادهم، ويبدو أنهم ارتدوا أكثر من 22 مرة. وساهمت مقاومة الأمازيغ للعقيدة الجديدة في ضعف جيش الدولة الأموية، وعجل ذلك بسقوطها. ولم تكلف الدولة العباسية نفسها عناء إضاعة الجهود في المغرب، لكي لا تواجه نفس المصير. لذلك نشأت دول مستقلة في المغرب الكبير، بموازاة التعبير عن الرغبة في الاستقرار وبناء الحواضر كنحو القيروان، وتونس وتاهرت، وفاس، وسجلماسة. وأضحت بلاد المغرب الكبير ملجأ للحركات السرية المضطهدة في المشرق وملاذا آمنا لتعلن علانيتها وإيديولوجيتها، كنحو الشيعة والخوارج. ولو «أن العرب لم يكن المغرب لهم بوطن قبل الغزوة الهيلالية»، كما قال ابن خلدون (صفحة 13 من البحث المذكور)، فإن حاملي الإيديولوجيات استقروا بعض الوقت، ونشأوا ينمون دويلاتهم، كنحو « الدولة الرستمية الإباضية، ودولة الأدارسة العلوية، ودولة الأغالبة»، وهي دول ترى الأستاذة فايزة أنها مشرقية، ثم أتى الفاطميون ليقضوا على هذه الدويلات، ولتنشأ دول أمازيغية بعد ذلك.
لم تحافظ صنهاجة على وفائها للفاطميين بعض الوقت، ففي عهد المعز بن باديس حدث ما لا ينتظر، حيث انثنى ابن باديس ولم يف بالعهد، ومال إلى نصرة العباسيين. هنالك فكر الفاطميون في تأديبه بتوجيه عرب بني هلال وبني سليم إلى أفريقية لمضايقته، وكذلك فعلوا، فكان حدوث أحداث جسام بأفريقية إذ نزل بها «بلاء لم ينزل بها مثله»، كما قال ابن خلدون، وذلك في سنة 446 هجرية (1055 ميلادية). وبعبارة أخرى، «لقد تسابقت رياح والأثبج وبنوعدي إلى أفريقية، وقطعوا السبيل وعاثوا في الأرض وأرادوا الوصول إلى القيروان»، عن ابن الأثير نقلا عن البحث المذكور (صفحة 82).
إن تأديب المعز بن باديس الصنهاجي إعلان صريح للعداء بين الفاطميين والصنهاجيين، أو بين صنهاجة والعرب، انتهى بانتصار العرب وانهزام صنهاجة تقول الأستاذة فايزة. وامتدت يد العرب إلى زناتة، لكنها «مثل العرب في أساليب معيشتهم وقوة بأسهم، من حيث سكن الخيام، وركوب الخيل، واتخاذ الإبل، والتقلب في الأرض، وإيلاف الرحلتين، وتخطف الناس من العمران، والإباء عن الانقياد للنصفة»، يقول ابن خلدون نقلا عن البحث المذكور (صفحة 114 وما بعدها)، لذلك ما حصل أن انهزمت أمامهم.
ولئن وجد العرب «بغيتهم في دولتي صنهاجة لضعفها»، وهي دولتا بني زيري وبني حماد، (صفحة 111 من البحث المذكور)، فإن الأمر مختلف «عندما قامت دولة الموحدين»، (نفسه)، حيث أخضع عبد المومن بن علي الكومي (بكاف معطشة)،«العرب هناك لسلطانه، واستولى على البلاد التي كانوا متغلبين عليها... وحاول توزيع العرب الذين تكاثروا هناك، في أنحاء» المغرب المختلفة، فأخذ من كل قبيلة من عرب أفريقية ألفا وأدخلهم إلى المغرب بعيالهم» (صفحة 123).
وإنه «بانهيار دولة الموحدين، انقسمت دولتهم بين ثلاث دول بربرية (أمازيغية) مستقلة، هي بنو حفص في أفريقية، وبنو عبد الواد الزناتيين في المغرب الأوسط، وبنو مرين في المغرب الأقصى»، (المرجع نفسه صفحة 133). هنالك نشأ الصراع بين العرب والأمازيغ، فصلت الطالبة القول في ذلك مستشهدة بالمصادر التاريخية.
ويعنينا من الغزو العربي لبلاد المغرب الكبير أن أصبح «جزءا من شعوب المغرب، يؤثرون في أحداثه، ويتأثرون هم أيضا بأحداثه»، (المرجع نفسه صفحة 149). ويعنينا، أيضا، أن العرب استعملتهم الدول القائمة لمحاربة إخوانهم، أي: إنهم دروعا بشرية وأحزمة.
ولا أنكر أن ما أخذته من كتاب الباحثة السعودية، فهو تأكيد لصحة المجال الذي أشتغل فيه، في مجال السوسيولوجيا، أي: الدروع البشرية والعوازل في النظام الأمني المغربي. ولأن الباحثة لم تذكر كلمة الدروع، فذاك من اقتراحي، فالاتفاف جار، فقط، من حيث فهمُ ما جرى. وليس هناك أي فرق بين بلاد المخزن وبلاد السيبا في المغرب الأقصى من حيث تبني الدروع البشرية. فما فعله الموحدون باسم عصبية مصمودة وصنعته زناتة بيد المرينيين، وكذلك فعلت بنو زيري الصنهاجة في تونس، وبنو حماد إخوانهم بالجزائر، هو الذي ينطبق على المجال التقليدي، بالمغرب الأقصى، الذي لم يخضع بعد للتحولات القروية، أو مسه فعل التنمية. وفي غياب التنمية نظل نتخبط قبليا ضمن الدروع البشرية المتعددة. ومما نتج عن أسلوب الدروع البشرية في تاريخ المغرب التخريب الذاتي.
عمل المرينيون على تطوير الدروع البشرية، وطوروا أسلوبهم في التعامل مع القبائل العربية، فأصبحوا يلتمسون الود من العرب بإقامة علاقة المصاهرة معهم. ولقد نجحوا إلى حد بعيد في ضمان الاستقرار، بعض الوقت.
ومما انجر عن الغزو العربي لبلاد المغرب الكبير نذكر بعض الفصول:
- مساهمة العرب في الدفاع عن سيادة بلاد المغارب بصد الغزو النورماندي. «فاستطهرنا باستقدام قبائل العرب المطيفة بنا قأقبلوا أفواجا، وجاؤوا مجيء السيل يعتلج اعتلاجا ويتدفق أمواجا»، (صفحة 156 من البحث المذكور).
- ما يميز القبائل الغازية عن قبائل الفتح أنها لم تؤسس مُلكا، ولم تشيد دولة. ورغم ذلك، احتاجت الدول التي قامت في المغرب، «إلى القبائل العربية لمواجهة أعدائها من الدول والقبائل المجاورة» ، (صفحة 157).
- رغم دور العرب في نصرة الدول القائمة، أحيانا، فإن «مصالحهم رهن بضعف هذه الدول، فكانوا يخلقون لها المشاكل ويدبرون عليها الثورات»، (نفسه صفحة 158)، فالإبقاء على القلاقل معناه الرغبة في الحفاظ على الامتيازات.
- العرب عاثوا في أرض المغرب، ولنستشهد بالقيروان، نقلا عن ابن خلدون، يوم «دخلوا البلد واستباحوا واكتسحوا المكاسب وخربوا المباني، وعاثوا في محاسنها، وطمسوا من الحسن والرونق معالمها»، (صفحة161 من البحث المذكور)
ورغم هذه الاستنتاجات السلبية استدركت الأستاذة فايزة محمد صالح أمين سجيى، بالقول: «إن تحميل الهيلاليين كل المسؤولية»، في الذي حصل من فوضى، «فيه مجافاة للحقيقة، أو مبالغة في غير محلها. لا ننكر أن عرب بني سليم وبني هلال ألحقوا بالمغرب الكثير من الدمار. ولكن المسؤولية أيضا تقع على حكومات المغرب الذين استعملوا العرب آداة ضد بعضهم البعض فخربوا بيوتهم بأيديهم»، (صقحة 169). ولتبرئة بني هلال وبني سليم أوردت الباحثة بعض النصوص الإيجابية للبكري، وابن عذاري. ومن جانبنا، نتفق «بأن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. لذلك فالمغلوب دائما شبه بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحوالها»، عن ابن خلدون، (نقلا عن الكتاب المذكور، صفحة 179). لقد تأثر الأمازيغ بالعرب إلى حد كبير، إلى مستوى أخذت فيه زناتة «تتنكر نسبها البربري (الأمازيغي)، وتحاول أن تتخذ لنفسها نسبا عربيا»، (صفحة 181). تلك هي الإشكالية التي تواجه المجتمع المغربي اليوم، حيث تصادف من يحارب الأمازيغية الأمازيغ الذين تعربوا.
تلك باختصار المواقف الإيجابية التي يحملها هذا الكتاب الجميل.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار