حوض كير بجنوب شرق المغرب: أزمة التنمية والمجالية والهوية الثقافية

لحسن ايت الفقيه
2019 / 8 / 18

تواجه المجالية بحوض كير إشكالا يقضي الوقوف مليا لإعادة تسويتها للمرة الثالثة. ولا ينغي أن تجري على شاكلة التسوية الأولى التي قام بها الشيخ إبراهيم يسمور اليزدكي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إذ جزأ كير الأعلى عنوة على عشائر أيت يزدك، وفرض المجالية اليزدكية إذ أخرج سكان تولال من قرية «تواصلت» المندرسة، وقرية «سعد الله» التي نشأت، منذ زمانها إلى الآن، تحمل اسم عشيرة ايت مومو. وأما الشاكلة التي أعقبت مقتل الشيخ عبو المعطي بقصر بودنيب، في أواخر القرن التاسع عشر، والاستنجاد بفرق أيت أونبكي (أيت خباش وأيت أومناصف)، فتأسست قرية الطاووس الدفاعية، بجوار بودنيب، لضمان التوازن البشري بواحة كير الأسفل، وفق تجارب السلم الأمازيغي، فمرغوب فيها. كلتا الشاكلتين تقوم على هاجس ضمان الاستقرار، بعد التخلي التدريجي عن الترحال بجنوب شرق المغرب. وأما التسوية الثالثة، فهي ضرورية، ويراد لها أن تجري في إطار الدولة الحديثة، حيث لم يعد ضمان الأمن ضروريا بأسلوب الدفاع الذاتي، كما يجري قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب. إنها التسوية المجالية والتنموية تعيد إرساء العلاقة بين الإنسان والأرض، انطلاقا من الشعار الأمازيغي غير المعلن، والمجسد في الطقوس، وفق ثقافة الدم: «الأرض أمي»، وبمقاربات تنموية حديثة.
دعيت من لدن جمعية كير الأعلى للتنمية المستدامة، التي أحدثت بموضع «تيط ن علي»، أي: «عين علي» بالأمازيغية، سنة 1996، لأشارك في ندوة حول «المجتمع المدني والمشاريع التنموية»، يوم السبت 17 من شهر غشت (أغسطس) من العام 2019، ووقع اختياري على موضوع: «المجتمع المدني والتنمية وحقوق الإنسان: حوض كير نموذجا». وإني أحب، باديء بدء، أن أشكر الجمعية على دعوتها، واقتراحها اسمي للمشاركة في الندوة مع الأساتذة الأجلاء، الذين ينحدر جلهم من المنطقة، في ذلك النشاط الثقافي والحقوقي، وأعتقد أن لا شيء يمكن كسبه بحوض كير عدا ذلك الغنى الثقافي.
عنوان المداخلة يحمل ثلاثة محاور مترابطة فيما بينها ترابطا نسقيا. ذلك أن التنمية، بما هي حق، ضمن الجيل الثالث من حقوق الإنسان، متصل إعماله (إعمالها)، كدأب كل حقوق الإنسان، بإرادة الدولة والحكومات. ولما تبين أن الدولة لا تطيق إعمال كل حقوق الإنسان، لأن بعضها حقوق ديون، برز المجتمع المدني شريكا مصاحبا مسؤولا. وقبل ذلك، حينما نناقش التنمية، بما هي حق معلوم ومفهوم، في هذه الرحاب، يواجهنا التخلف، أن كان حوض كير بالأمس متأثرا بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولما نودي لجبر الأضرار الجماعية في إطار العدالة الانتقالية المغربية، لم يدرك المجتمع المدني بحوض كير الركب، وبات سكانه أمام سؤال التنمية، مع العلم أن برنامج جبر الضرر الجماعي ليس برنامجا تنمويا. ومن جانب آخر، فالإمكانيات المتوافرة، في أوان ما بعد العدالة الانتقالية المغربية جعلت الجماعات الترابية بحوض كير، تهتم، في أحسن الأحوال، بالبنية التحتية، وما كان لها لتنظر في الحقوق الأخرى، الحقوق الثقافية، والحقوق الاجتماعية، إذ تبدو لها ثانوية في حال ما إذا فكرت فيها.
تناولت المداخلة، فضلا عن المقدمة، ثلاثة محاور:
- المجتمع المدني والحق في التنمية.
- البعد الدولي للحق في التنمية.
- حوض كير والحق في التنمية.
01- المجتمع المدني والحق في التنمية
يندرج الحق في التنمية، كما سلفت إليه الإشارة، ضمن الجيل الثالث من حقوق الإنسان، وبرزت سنة 1986، ضمن إعلان صادر عن الأمم المتحدة يحوي 10 مواد. وكلما صادفنا الإعلان نعلم علم اليقين أنه غير ملزم كالاتفاقيات، ومعنى ذلك، أن التعامل معه يجري، على أن مواده، إن هي إلا قوة حجية، يكفي أن نقتبس منها، للاستشهاد، مادة واحدة، المادة 8 التي بيانها: «على الدول اتخاذ تدابير على المستوى الوطني لإعمال الوصول إلى الموارد الأساسية والتعليم والصحة والعمل والسكن والتوزيع العادل للثروات». والناظر في المادة المذكورة يصادف أنها تستغرق خمسة حقوق: التعليم، والصحة، والعمل، والسكن، والتوزيع العادل للثروات، وجلها مضمن في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
دخل المجتمع المدني حقل التنمية، بعد تراجع الدولة عن آداء وظيفتها، فوق أن التنمية تستلزم التخطيط والتنظيم والبرمجة والإنجاز، أي: كل ما يستغرقه آداء المجتمع المدني. وحسبنا أن الجمعيات لا تتغافل عن المساهمة في إعداد أرضيات للتنمية، وتنقطع لتنظيم السكان، وتساهم في إعمال الديموقراطية التشاركية، وطالما تنثني للوساطة وتدبير النزاعات، وقد تقترح وترافع، إن كان لها سمة القوة الاقتراحية الترافعية، وتحب ممارسة التحسيس والتكوين. إنها التقائية فعالة بين مسؤولية الدولة وآداء المجتمع المدني، التقائية تفرض ترجيح كفة المجتمع المدني وجعلها ثقيلة، مما يجعل الوكالات التنموية الدولية تعمر ذمتها بثقة جمعيات المجتمع المدني. ولا غرو، فبموازاة التفكير في إصدار إعلان الحق في التنمية نشأ الحفر في المقاربات اللائقة لنجاعة الفعل التنموي، كنحو المقاربة التشاركية، ومقاربة النوع الاجتماعي، والتمكين، وتدبير النزاعات، وكلها مقاربات لتقوية قدرات الجمعيات وجعلها فوق الطريق الصحيح.
2- للحق في التنمية بعد دولي
جرى في شهر شتنبر من العام 2000 أن اعتمد إعلان الأمم المتحدة للتنمية، في قمة تضم 189 دولة. واستغرق الإعلان ثمانية التزامات تأسست على مؤشرات، وانتظمت من بعدُ [ظرف مبني على الضم] ضمن خارطة الطريق، وأضحت تحمل اسم الأهداف الإنمائية للألفية. تروم الالتزامات القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتقليل معدل وفيات الأطفال، وتحسين الصحة الإنجابية، ومكافحة فيروسات نقص المناعة البشرية، وكفالة الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية. وفي بحر سنة 2005 جرى الاستعراض لما أنجز، وفي تلك الأثناء أعلن المغرب عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
ولكي لا نكون عدميين، يكفي القول، إن نزول برامج المبادرة الوطنية التنمية البشرية الوسط القروي المغربي، والوسط الحضري الهش، إعلان ضمني أن التفكير في التنمية جار، بقطع النظر عن التعثر الذي يواجهها. واستفادت التنسيقيات المحلية لجبر الضرر الجماعي، التي أنشئت تفعيلا لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في الشق المتصل بجبر الأضرار الجماعية للمناطق التي تأثرت، من قبلُ، بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، استفادت من آليات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باحتوائها كل التقاطعات طمعا في الالتقائية، كأن تمثل الجماعات الترابية والمصالح الإقليمية (المؤسسات) والجماعات المحلية في التنسيقية. ويعنينا أن للفعل التنموي بعدا دوليا.
3- حوض كير والحق في التنمية
يقول أبو سالم العياشي في كتابه: ماء الموائد، المعروف بالرحلة العياشية:«...ثم ارتحلنا من هناك وبلغنا وادي جير ضحى، وهو واد كبير أفيح، ملتف الأشجار قليل الأحجار، كثير المرعى، غمض المسعى، يجتمع إليه السيول من المسافات البعيدة، ولا تصل إلا بعد أيام عديدة، وابتداؤه من ناحية بلادنا، وعليه قرى ومزارع، ويمتد كذلك إلى ناحية الصحراء، والعمارة متصلة في جوانبه إلى أن يصل إلى أطراف الحماد الكبير الذي بينه وبين سجلماسة، فمن هناك تنقطع العمارة إلى أن يصل واد الأساور».
إن الأوصاف التي أوردها أبو سالم العياشي في القرن السابع عشر الميلادي، حول كير الأسفل، وتهم الوجه البيئي عامة، غير صامدة أمام الدهر لوقع التغيرات المناخية، والتدهور البيئي، وتخلف التنمية. وتود الإشارة إلى أن واد كير يسمى في سافلته واد الساورة، بعد التقاء رافديه واد حيبر (واد أيت عيسى) وواد كير بموضع إكلي،
تأثر حوض كير بسنوات الرصاص، أن مسته بالضر ثلاثة أحداث، تنحية القائد عدي وبيهي الثانية المعروفة بعصيان تافيلالت، سنة 1958، وإحداث معتقل تازمامارت، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وبعد ذلك، وفي يوم 21 من شهر يناير من العام 1980، تضمن تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة ما يفيد إحداث مركز الاحتجاز السري بمركز كرامة، استقبل ثلاثة معتقلين. وتوصل المجتمع المنتدى المدني الذي عقدته هيئة الإنصاف والمصالحة ابتداء من 30 من شهر شتنبر من العام 2005، إلى علاقة تخلف التنمية بمواطن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولم يُغفل اقتراح تمثيلية كرامة ضمن التنسيقية المحلية لجبر الضرر الجماعي بالرشيدية بعضوين، الجماعة المحلية وجمعية تنموية. وأثناء إعلان عروض المشاريع التي مولها الاتحاد الأوربي تخلف المجتمع المدني هناك عن إدراك الركب، لأسباب ما.
تأثر حوض كير بالتبعية الإدارية لواد زيز، ولم ينفعه ذلك الدور الريادي الذي قام به أبناؤه في مقاومة الاستعمار الفرنسي، الذي يمكن القول عنه إنه أسس أول باشوية بالمغرب بمركز بودنيب سنة 1908. وبعد إحداث إقليم فيجيج امتد ليضم واد حيبر (واد ايت عيسى) كله. فالحوض مسود ومنسي بالمرة أمدا بعيدا. وحسبنا أنه لم يحصل الاعتراف بحوض كير مجالا إداريا متجانسا، للآن. والغريب أن المنطقة اكتشفت لأول مرة في تقرير الجهوية الموسعة المغربي، سنة 2010ن فكانت إشكالا واجه واضعو التقرير، وصار المقترح إرجاع الحوض إلى تافيلالت وإعادة القديم إلى قدمه. ولكي لا يفصل أعلى الحوض عن إقليم ميدلت نشأ أعيان الإقليم يدعون، بعيد تنزيل مضامين التقرير، إلى انضمام الإقليم كله إلى جهة درعة تافيلالت المحدثة. وعلق أحد المواطنين على مقترح تقرير الجهوية الموسعة المغربي: «يكفي أنه حصل العثور علينا بعد أمد بعيد من الاختفاء». ما كان المقترح المضمن في تقرير الجهوية المتقدمة لينصف الهوية المجالية لواد كير، لقد أغفل هوية المنطقة، رغم مطلب الذاكرة، ورغم احتضان البساط جل مقابر القبائل المغربية التي سكنت الحوض في القرون الخالية.
لا يُنظر إلى حوض كير أنه وحدة سوسيومجالية متجانسة رغم توافره على إمكانيات هائلة طبيعية وبشرية. ودون تفصيل القول في الثروة المنجمية التي انطلق استغلالها منذ الحماية الفرنسية، يكفي الذكر، إن الاستغلال المنجمي يعزز بقوة التدهور البيئي وتخريب موارد المنطقة.
ورغم كون حوض كير منطقة سياحية تتوافر على مؤهلات هائلة، فهي مهمشة، والبنية السياحية غائبة بالمرة. والغريب أن المكونات البشرية التي يزخر بها الحوض، والمؤثرات الثقافية، بما فيها تأثير اليهود التلموديين الذين استقروا بكير العلوي بعد سقوط غرناطة بالأندلس سنة 1492، لم تؤثر على السكان أن تجعلهم يميلون إلى استثمار كل ما يتوافر عليه الحوض من إمكانيات.
ورغم تخلف التنمية بحوض كير هناك ما أنجز في الميدان، كنحو جمع الأعراف الشفاهية لكل القرى من لدن نهليل، عرف تولال، وأزغو (باكنو)، والكرعان، وأقدوس، وتزكارت، وبودنيب، والطاوس، وأيت عشا، والسهلي، وتاوزيمت، وأيت عشا. وهناك رصيد وثائقي يمكن من إحياء الذاكرة وكتابة تاريخ المنطقة وهناك خبرة في المجالية الثقافية. ولاستثمار حوض كير وإمكانياته نرى الوقوف عند ما يلي:
- تنمية اقتصاد التراث الثقافي.
- تعزيز السياحة الثقافية والتضامنية
- إرساء البنية التحتية الطرقية
- تشجيع البحث العلمي والثقافي
- تعزيز الترافع على الحوض وتبليغ أصحاب القرار بالوضع.
الاشتغال على المجال بما هو وحدة سوسيومجالية متجانسة يندمج فيها روافد الحوض، وتلتقي فيه السافلة مع العالية، وتجاوز التقطيع الإداري.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار