عن كاتب لايموت: من ثقافة اللفظ إلى معرفة الأداء

محمد السعدنى
2019 / 8 / 8

هى ليست محاولة للكتابة عن سيرته، لكنها لمحات من أفكاره ورؤيته، فما أحوجنا اليوم لمثل هؤلاء الرجال الذين عرفوا دورهم فى التاريخ، فمشوا فيه يقلبون صفحاته ويتخيرون لنا من ماضيه الذى كنا فيه الفاعل الأوفر ، زاداً نقتات عليه فى رحلتنا لمستقبل أصبحنا فيه المتلقى والحلقة الأضعف، وربما لانزال. كاتبنا الذى أحادثك عنه اليوم كانت رحلته مع الفكر والأدب والنقد والفلسفة رحلة طويلة، وافرة العطاء، لكننا وكما عادة العقل العربى المراوغ، استعصى أكثرنا على الوعى والفهم، فسقطنا فى هوة، لازاوجنا فيها بين الأصالة والمعاصرة كما أراد وكما نبهنا، ولا جددنا فيها تراثنا الفكرى العربى الزاخر بالعطايا والهبات، ولا أحسنا فيه الفرز بين المعقول واللامعقول، بين ما يصلح لماض وما يمكن الاتكاء عليه تطلعاً لمستقبل، فوقفنا بين بين، وترددت بنا الخطى، وآثرنا أن نقطف من كل بستان زهرة، زينا بها حياتنا الثقافية إلى حين، وامتد بنا الأمد فى غربة فكرية وثقافية، ذبلت فيها زهورنا وما استطاعت إكمال الشوط لأفق تليد.
عرفته فى بواكير الصبا خلال مكتبة بيتنا التى أسسها عبد المعز السعدنى والدى رحمه الله، وترامت أطرافها فى الأدب والفكر وأعلام العرب والفلسفة وأعلام الفكر الغربى، وكتب التراث والفقه والتفسير والفلسفة والتاريخ. كنت أقرأ له وعنه فى مجلة الكاتب لمؤسسها أحمد عباس صالح، ومجلة الفكر المعاصر التى أسسها هو، وكتاب إقرأ، والمكتبة الثقافية، ورواد الفكر العربى، وقضايا معاصرة، وكلها من عطايا ثورة يوليو التى يتقول أصحاب الثأر عن قائدها جمال عبد الناصر بالافتراء والتلفيق، فمن حيث عمل جاهداً على نهضة ثقافية بهدف التنوير، يتحدث المرجفون بغير ما رصده التاريخ وعايشه المثقفون.
كنت أقرأ له بشغف مقاله الأسبوعى فى جريدة الأهرام، وهكذا كان كثيرون من جيلى وسابقيه ومعاصرينا. لكننى تعرفت إليه عن قرب، ذات يوم طالباً فى كلية العلوم جامعة الإسكندرية، حين أهدتنى زميلتى وزوجتى فيما بعد د. أمانى يوسف ثلاثة من كتبه: تجديد الفكر العربي، المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري، وثقافتنا في مواجهة العصر. وكانت هى التى أدخلتنى قبلها إلى عالم الأدب الفرنسى وترجمت لنا منه إلى العربية حينما كنا نصدر "مجلة الرسالة الجديدة" ونحن طلاباً فى الجامعة، عن الهيئة العامة للإستعلامات ورئيسها د. مرسى سعد الدين رحمه الله. توالت بعدها قراءاتى لكتبه: خرافة الميتافيزيقا، جنة العبيط، شروق من الغرب، الكوميديا الأرضية، قصة نفس، قصة عقل، حصاد السنين، نحو فلسفة علمية، وقصة الحضارة، وغيرها.
أتذكر اليوم كلماته " الأصل في الفكر – إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم - هو أن يكون حواراً بين "لا" و "نعم" وما يتوسطهما من ظلال وأطياف، فلا الرفض المطلق الأعمى يعد فكراً ولا القبول المطلق الأعمى يعد فكراً، ففي الأول عناد الأطفال، وفي الثاني طاعة العبيد"، فأعرف أننا انحرفنا عن جادة الفكر والأصل فيه. وأتذكر كلماته: " قد انتقل إنسان هذا العصر من معرفة اللفظ إلى معرفة الأداء"، وأوقن أنه كان محقاً حين أرى شبابنا وكبارنا وحتى أطفالنا يتعاملون فى حرفية مع أدوات تكنولوجيا العصر ووسائطها، المحمول وشبكات التواصل الاجتماعى، بوعى حسير ولغة عربية كسيرة، ومفردات دخيلة لقيطة، لكأنهم علقوا فى فضاء سيبرانى خلو من العلم والفكر والمعرفة، إن هى إلا حرفية وتقليد. لكأنهم ليس فقط قاموا بالارتداد إلى ماضى "النقل" فيه مقدم على "العقل"، بل أيضاً غابت عنه مفردات اللغة الصحيحة كما غابت مفردات الوعى والعقل. إنها ثقافة الأداء، ولكن بلا روح ولارؤية ولا فكرة، ولا أصالة ولا معاصرة. إذا فقدت اللغة التى هى وعاء الفكر، فكيف لك أن تكون مشاركاً فى حضارة عالم سيار بكل إبداعه، حتماً ستكون كما دمية مسخاء من عقل عالمى واع، بينما أنت نسخة مقلدة منه لا تستطيع لنفسك جديداً أو رشيداً أو مستقبل.
من هنا أدق ناقوس الخطر، وأناشد الجميع العودة إلى أفكار واحد من كبار مفكرينا، بدأ حياته العلمية بعد عودته بالدكتوراة من لندن يرى مستقبل مصر فى أن تكون جزءاً من ثقافة أوروبا التى تشاطئها عبر المتوسط. وهكذا كانت رؤية طه حسين وتوفيق الحكيم ولويس عوض، وغيرهم. لكنه بعد أن توفر على دراسة تراثنا الفكرى العربى الإسلامى، ناشدنا بتجديد الفكر العربى. إنه د. زكى نجيب محمود ذلك الكاتب الفيلسوف الذى استعصى على الموت، فلازالت أفكاره تمثل لنا المخرج من السبات، إلى اليقظة والنور.