خيانة من مثقفين

رابح لونيسي
2019 / 8 / 7


عرف العالم نقاشا حادا حول دور المثقف ومدلولاته، فبشأن تحديد المثقف تبين أنه لكل فترة نعطي مفهوما خاصا به، فمثلا في القرن19 نجد أن كل المتعلمين يسمون بالأنتلجنسيا، أي الذين يقومون بعمل ذهني وفكري، لكن اليوم بعد تعميم التعليم، فإنه ليس كل متعلم هو مثقف، فالمثقف هو من يؤثر في صناعة الرأي العام سواء بالكتابة أو الفنون أو الآداب وغيرها، بل حتى بالخطب الدينية، ويختلف المثقف عن المفكر الذي يبدع وينتج الأفكار، فعدد المفكرين محدود جدا مقارنة بالمثقفين.
يرى جول بندا في كتابه "خيانة الإكليروس" الذي ألفه في ثلاثينيات القرن20 بأن المثقف قد خان مهمته بعد ما لاحظ تدخلهم الكبير في الشأن العام منذ أن دافع إميل زولا عن دريفوس، وكتب مقالته الشهيرة "أني أتهم". يرى جول بندا بأنه على الأكاديمي تكريس حياته للبحث فقط بكل موضوعية، وبتعبير آخر الإنسحاب من الحياة العامة، وهو يعد أمرا خطير جدا ما يدعوا إليه، لكن للأسف يتبنى اليوم بعض المدعين الأكاديمية ذلك دون قراءة بندان ويرون بأن على الأكاديمي الإبتعاد عن النضال والعمل السياسي وتكريس حياته للعمل الأكاديمي البحت فقط، لكن نعتقد بأن ذلك مجرد تذرع منهم لأن النضال السياسي يحتاج إلى تضحيات غير قادرين عليها، والدليل أنهم بمجرد ما تتاح لهم فرصة ويعرض عليهم منصب من السلطة القائمة ينتهزونها ويقبلون به، وبشأن علاقة الأكاديمي بالسياسة نرد على هؤلاء بمحاضرة الألماني ماكس فيبر "العالم والسياسي" أين يرى بأن الأكاديمي هو قبل كل شيء مواطن، وعليه الإنخرط في العمل السياسي، وحتى الحزبي بشرط الإلتزام بالأكاديمية في مدرج الجامعات وفي أعماله البحثية، حتى وإن أستلزم الأمر نقد حزبه في عمله الأكاديمي إن كان متحزبا، وهنا أستحضر الشيخ بن باديس في الجزائر مثلا أين يظهر تمايزا كبيرا بين ما يكتبه في البصائر –لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- التي يرأسها وما يكتبه في الشهاب المستقلة أين يجد حريته التامة، ويعبر عن أشياء مناقضة تماما لما يورده في جريدة التنظيم البصائر.
عادة ما تأتي الدعوة لإبعاد الأكاديميين عن العمل السياسي من بعض السياسويين الضعفاء فكريا، كي يخلو لهم الجو، وهو أحد أسباب ضعف الحياة الحزبية والسياسية في الجزائر مثلا، ونجد على عكس جول بندا الكثير من المطالبين بإنخراط المثقف والأكاديمي في العمل السياسي مثل سارتر. نلاحظ من خلال متابعتنا لمسار المثقفين أن المثقف اليساري هو الأكثر إلتزاما بالعمل السياسي ومناصرة القضايا العادلة، مما جعل الفرنسي اليميني ريمون آرون يكتب في 1955 كتابا بعنوان " أفيون المثقفين" على شاكلة مقولة ماركس "الدين أفيون الشعوب" أين ينتقد المثقفين اليساريين في فرنسا، ويشبههم بالمؤمنين الدينيين الذين يبنون إيمانهم على الإعتقاد، وليس على العقل، فهو يعتبرهم بحكم إندفاعهم النضالي وتضحياتهم من أجل القضايا العادلة بأنهم مخدرين، ولهذا يرى آرون إستحالة تبين الحقيقة لديهم، لأنهم سجناء إيمانهم، ويؤاخذ بعضهم طبعا على سكوتهم عن نقد الستالينية، مما جعل موريس دوفرجيه يرد عى آرون في يومية لوموند بالقول أن المثقف اليساري في أوروبا يكنس أمام داره بمواجهة الإستغلال الرأسمالي فيها، ويبدو هذا الرد يدخل في الإختيار بين الثنائيات آنذاك للأسف الشديد أين كان يتم الإختيار بين إما الحريات الديمقراطية أو العدالة الإجتماعية في الوقت الذي كان بإمكان هؤلاء مواجهة الإستبداد والظلم السياسي والإجتماعي على حد سواء أينما كان حتى ولو كان ممارسا من قريب منهم أيديولوجيا بدل إيجاد المبررات لهم، فذلك يعد إنحرافا عن المثل التي يؤمن ويدافع عنها المثقف، لكن خفي عن ريمون ىرون أيضا بأنه هو أيضا يدافع عن أيديولوجية معادية لليسار.
لكن ما يمكن تسجيله هو إلتزام مثقفو اليسار في أوروبا بالنضال ضد الظلم، ويشمل ذلك حتى المسيحيين التقدميين الذين مهدوا للاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، وقد وقف هؤلاء المثقفين اليساريين إلى جانب كفاح الشعب الجزائري، ومنهم سارتر وجونسون وىندري موندوز وغيرهم الكثير، فاليسار أنتج المثقف الملتزم، وقد أدى ضعف اليسار اليوم إلى ضعف المثقف الملتزم وبروز المثقف الجبان والإنتهازي، وهو ما يعاني منه اليوم الحراك الشعبي في الجزائر أين نجد الكثير من المثقفين والنخب بعد ما وقفت مع النظام وطبلت له لسنوات، تحاول ركوب هذا الحراك لخدمة مصالحها وإيجاد مكانة والتموقع سواء داخل النظام السائد أو القادم، وقد لعبوا دورا في محاولات إفساد هذا الحراك الشعبي بنقاشاتهم العقيمة كطرح المسائل الأيديولوجية والهوياتية، خاصة المثقفين بالعربية الذين يقف الكثير منهم إلى جانب السلطة، ويبررون أعمالها، وهم من الذين أنخرطوا بقوة في حزب جبهة التحرير الوطني منذ1962، ومنهم بشكل خاص قطاع التعليم. ان الإحتكاك بأبسط مواطن في الأحياء الشعبية تجده أكثر وعيا ووطنية من هؤلاء الإنتهازيين الذين يدعون النخبوية والثقافة والأكاديمية، فقد استعان النظام بجيش منهم في قنواته لإفشال الحراك، وهم معروفون بتطبيلهم لكل قوي.
ان هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد عرفها الشعب الجزائري أثناء الإستعمار الفرنسي، فمثلا في 1936 طرحت فرنسا مشروع بلوم فيوليت الذي ينص على إعطاء للمتعلمين الجزائريين سواء بالعربية أو الفرنسية حقوق المواطنة والمساواة مع أوربيي الجزائر مقابل إدماج وإلحاق الجزائر بفرنسا، فعدد هؤلاء قليل جدا مقارنة بعموم الشعب آنذاك بحكم سياسة التجهيل الإستعمارية، فكان هدف فرنسا آنذاك فصل هذه النخب عن الطبقات الشعبية، فأنهمك هؤلاء في التفاوض حول المشروع، وكان على رأسهم جمعية العلماء بقيادة بن باديس وجماعة فرحات عباس وبن جلول، ومنهم حتى الحزب الشيوعي الذي كان يسيطر عليه الأوروبيون، لكن تمكن نجم شمال أفريقيا بقيادة مصالي الحاج من المساهمة في دحر هذا المشروع والدعوة إلى إسترجاع الجزائر إستقلالها، ونشير أن هذا التيار الإستقلالي الممثل في نجم شمال أفريقيا لايضم المثقفين وهذه النخب الجبانة والإنتهازية، فهو مشكل من العمال البسطاء المهاجرين إلى فرنسا، والذي كون بعضهم أنفسهم كعصاميين مثل مصالي أو عمار عيماش وغيرهم، وكانوا ينظر إليهم من جمعية العلماء ومن جماعة المنتخبين كفرحات عباس بأنهم مجرد غوغاء، لكن هؤلاء الموصوفين ب"الغوغاء" هم الذين كانوا وراء تحرير الجزائر وإشعال ثورة نوفمبر1954، ولم يلتحق بهم هؤلاء الذين كانوا يبحثون عن مواقع إمتيازية مع فرنسا إلا مجبرين في 1956، وهو ما أغضب مثقف يساري كفرانز فانون على كل هؤلاء وإحتقارهم لهم في كتابه "المعذبون في الأرض"، وقد سبق لنا أن فسرنا أسباب رفض قيادة الثورة الجزائرية للمفكر مالك بن نبي في مقالتنا "مالك بن نبي والثورة الجزائرية-توظيف وتهميش-" (الحوار المتمدن عدد5209 يوم30/06/2016 ) بخوفها من جلبه نقاشات أيديولوجية عقيمة إلى الثورة في الوقت الذي كانت تعمل على جمع الجميع لتحرير الجزائر، وهي فكرة تعود إلى مصالي الحاج زعيم الحزب الإستقلالي الذي قال لبن باديس في الثلاثينيات .ب"نحن نعمل من أجل جمع كل الجزائريين بكل معتقداتهم وتوجهاتهم وطبقاتهم وأطيافهم وغيرها لمواجهة عدونا الواحد وهو الإستعمار، وأنت تضيع وقتنا بطرحك علينا نقاشات دينية عقيمة مثل مايجوز ولايجوز، وكم سنتيمتر مسموح به في إرتفاع القبور".
نعتقد ان مأساة الجزائر منذ العهد الإستعماري إلى اليوم هو في عدم إلتزام الكثير من المثقفين مع شعبهم وغلبة الإنتهازية والجبن عليهم، وهذا يشعر به الجزائري اليوم بشكل واضح، وللأسف أن هذا الموقف جعل المواطن البسيط، يحتقرهم وينظر إليهم نظرة إزدراء منذ العهد الإستعماري، وهو ما ضيع على الجزائر الكفاءات القادرة على التأثير في بناء الدولة، وبقي المثقف مجرد خادم عند الشعبي البسيط لأن هذا الأخير هو الذي قاد الثورة وأشعلها، ونعيش اليوم نفس الأمر مع الحراك الشعبي الجزائري الذي أشعله بسطاء الشعب، خاصة من رواد الملاعب قبل أن يسعى هؤلاء المثقفين الإنتهازيين إلى ركوبه طمعا في التموقع، بل تجدهم يغيرون مواقفهم حسب موازين القوى، ويبررون للسلطة الكثير من مواقفها، ويبررون ممارستهم وسلوكاتهم الإنتهازية والجبانة بالتعقل والإعتدال والإتزان وعدم التطرف والراديكالية، والتي هي في الحقيقة مجرد مدخل ومبررات يستخدمها المثقف الجبان والإنتهازي لإضعاف أي حركة، كما فعل بعض مثقفي الجزائر أثناء العهد الإستعماري.
ما يؤسف له اليوم هو سلبية البعض من المثقفين والأكاديميين تجاه الثورة السلمية الجزائرية، فليعي المثقفون والأكاديميون بأنه إذا لم ينخرطوا بقوة في هذه الثورة السلمية في الجزائر اليوم، فإنهم سيجدون أنفسهم مهمشين كما وقع لأسلافهم في 1962، اين أصبحوا مجرد خدام لدى السلطة ينفذون أوامرها ويبررون ممارساتها بدل ما يكونوا هم صناع قراراتها، وهو ما من شأنه تضييع فرصة أخرى لبناء دولة ديمقراطية وإجتماعية وعلمية، أي مبنية على أسس علمية وأكاديمية، ويكون فيها للعلم السلطة العليا في صناعة القرارات كما صورتها في كتابي "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-"، وقد أشرت إلى ملامح لهذا الدور في مقالتنا المنشورة في الحوار المتمدن (عدد4924 يوم13/9/2015) بعنوان "إقرار الطبقية العلمية الإيجابية كحل لمشكلة التخلف في منطقتنا المغاربية".

البروفسور رابح لونيسي