ما أريد قولة.. لا أستطيع كتابتة .

محمد حسين يونس
2019 / 8 / 2


الرئيس جمال عبد الناصر كان خطابة دائما موجها.. للفقراء و المعدمين و الذين يتوقون لحياة كريمة و كانت خطط حكوماته تسعي لتخفيف العبء عنهم و إيجاد عمل شريف لكل منهم .
الرئيس السيسي خطابه موجها لأبناء الأكابر الذين حققوا خلال سنوات حكمة حياة كريمة بجد و صعدوا السلم الإجتماعي قفزا.. بعد أن راكموا الملايين .. يستمعون له و هم يعيشون في نعيم الكومباوندات.. و مدن الأحلام في العلمين و العاصمة المحصنة .
سيادة البكباشي كان حاكما يخاطب طبقة و سطي أقرب للفقر و ينشد مساهمتهم في بناء وطن إشتراكي .. و سيادة المشير يخاطب أصحاب الملايين و يطلب منهم بناء وطن نموذج لمخططات البنك الدولي و صندوق الدين .. لقد إختلف خطابهما لان كل منهما عبر عن طموح و مصالح الطبقة التي جاء منها .
في زمن الحكومة الألكترونية المسيطرة علي كل أسباب الحياة أصبحت وظيفتي الاساسية الحديث في التليفونات لتقديم الشكاوى ثم أن أسعي بين مكاتب الحكومة .. أبلغها أن.. المياة مقطوعة .. التليفون لا يعمل .. النت بطيئة .. الدش عايز يتعدل .. هو مكتب التأمينات فين .. المجارى طافحة ..هو الشهر العقارى بيفتح لغاية إمتي ..القمامة حتخنقنا .. يخرب بيت دة بنك .. إزاى مفيش رصيد .. مين اللي حجز !! ..
الصراحة لله الحكومة الإلكترونية دى .. خليتها طينة .. مش كفاية كل الأسعار زادت بأضعاف مضاعفة .. بما في ذلك الخدمات الحكومية .. التي أصبح سعرها عالمي .. مردودها لا مؤاخذة خرا .. لا و عملوا الدفع إلكترونيةلما يزيد عن خمسمائة جنية كمان.. روح إعمل بطاقة أو رخصة سواقة أو جدد رخصة العربية .. أو أفتح كشك سجاير علي الناصية .. و ستشاهد السيرك ...هبل رسمي .. السيستم واقع .. و منقدرش ناخد نقدى .. ثم يطلعلك السماسرة من تحت الأرض علشان يأبجوا وحوش و ضوارى المكاتب اللي جاعت و عماله تهلب يمين و شمال ..
ما يسمونه (الريفورم ) الإقتصادى العشوائي غير المدروس و الذى لم يخير فيه الشعب .. و الذى تم بفرد الصدر .. وبالإستفتاءات بتاعة شنطة رمضان هو السبب
بكلمات أخرى تصور الدولة العصرية لدى السعداء المبتسمين من السادة أصحاب القرار اللي بقي كل واحد منهم ملياردير متدفي بالورق الأخضر و الأحمر و الأصفرالرنان .. و ميهمهوش الناس تتفقر و لا تموت و لا حتي تتحرق بأسعار السوق المضطرب ..
العصرية في القرن الحادى و العشرين لدى الحكام .. هي نفس التي طبقها الخديوى سعيد و إسماعيل و توفيق في القرن التاسع عشر .. عمارات و طرق و كبارى .. وإحتفالات و أفراح و زينات في الحدائق الغناء .. و سكك حديدية .. و ديون متلتلة تقصم الظهر .
السادة أولياء أمورنا مبيفهموش معني إن تكون أغلبية الشعب من الفقراء و المعدمين .. ما دام هو و العيلة و الجيران و الاصحاب و الأحباب ..و اللي يقولهم صباح الخير .. ربنا رازقهم من وسع .
عندما نخسر الملايين في مهرجان كرة القدم فنعقبة بمهرجان الشباب في العاصمة المحصنة يتميز بالفخامة و الوجاهه .. و الابهه لنخفي أن أكثر من خمسين بالمائة من المصريين دخلهم أقل من 5 دولار يوم .. و هي لا تكفي أى نوع من أنواع الحياة المتقشفة فما بالك بالمنهوبة بواسطة جباة الحكومة وزبانيتها . فإننا نعيد بذلك الإحتفال الأسطورى الذى قام به إسماعيل باشا .. منفقا ببذخ علي ضيوفة النبلاء .. لتتسع الفوارق الطبقية و تطول شريحة الفقر من لم يتصوروا أبدا أنهم سيحتاجون للحسنة في يوم ما ...
سبب كارثة المنطقة هي وقوع عائدات البترول في الإيدي غير الواعية .فلنر ماذا فعل القذافي و صدام حسين بالأموال و كيف أنفقها الأول علي مشاريع ذات جدوى منخفضة ومراكمة أسلحة لم تستخدم أبدا و مثلت ترسانتة التي تم نهبها بعد إغتيالة مصدرا مستديما لسلاح الإرهابيين .. ثم كيف أنفق الثاني اموال البترول علي تمويل حرب سخيفة لا هدف لها سوى أن تحمل لقب ( قادسية صدام ) إنتهت بإحتلال أمريكي .. و تفتت مذهبي بين الشيعة و السنة .. ثم صدام عرقي بين الأكراد و العرب
ما قام به مشايخ الخليج و الكويت ليس افضل كثيرا .. أما ما حدث في السعودية مؤخرا فهو عبرة العبر الدالة علي مدى تأثير الثراء المفاجيء علي العقليات البدائية
إن البترول و الغاز في بعض الأحيان قد يكون نقمة علي المواطنين الذين سينالهم .. قعر الحلة و فتات الموائد و عنت الحكام المسلحين بالاموال
في نهاية سبعينيات القرن الماضي .. ذهبت إلي دولة بالخليج بعد إختيارى من ضمن عشرات المتقدمين لاعمل في وظيفة مهندس إدارة مشروعات ..
أدهشني هناك حجم الإنشاءات الجارى تنفيذها رغم قلة عدد السكان ... عمارات ضخمة قبيحة و متنافرة مع البيئة ذات الشمس الساطعة.. مصنوعة من الخرسانة و المعادن و الزجاج الموصل الجيد للحرارة .. بحيث لا يمكن سكناها إلا ومعها ستائر كثيفة و أجهزة تكييف قوية
غباء معمارى و مباهاة بالثروة ( مقلدين للغرب ) تمثل تلوث بصرى للبيئة الحارة .. لا يدانية إلا ذلك المبني الأسود الذى بني علي هيئة ماسة لان المستخدم ( فندق عنوانه ماسة)
الأفكار الشاذة .. و التقاليع المعمارية .. المتنافرة مع البيئة .. سمة من سمات محدودى الفكر و الموهبة .. الذين يصدرون الأوامر و يدفعون .. الأتعاب
و لكن أغرب الغرائب .. هؤلاء القوم الذين لا يملكون اللضي .. و ينسخون مدن الخليج الإستعراضية .. المفتقدة للعراقة و التحضر متباهين .. بأن يقيموا في الصحراء قرب الخليج أو علي شاطيء البحر .. أعلي برج و أكبر كنيسه .. و أضخم جامع .. و أجدع مقر صيفي للحكومة
منين يا خويا .. روح سدد ديونك و بعدين إتفشخر .. فيكون الرد .. و إنت مالك .. خليك في حالك
النموذج الذى إختارة حضرات الضباط ليكون نمط إنشاء العلمين الجديدة و العاصمة المحصنة.. المنسوخ عن مدن الخليج .. هو في الأصل نموذجا أمريكيا قام بسبب ضيق الأرض و زيادة الإحتياج للإرتفاع في مانهاتن أو مناطق معينة .. و لكنه ليس الطراز السائد في لوس أنجلوس مثلا .. أو ميامي ... ثم إعتبرة الخلايجة رمزا للتحضر .. و جاء حضرات المخططين المصريين ليقدمونه علي أساس أنه خطط تنمية أم الدنيا لتصبح قد الدنيا
بغض النظر عن عدم إتفاقي علي ان ..نثقل كاهلنا بالقروض .. و نحمل الأجيال القادمة عبء تسديدها مضاعفة عدة مرات
و بغض النظر عن عدم إتفاقي علي عدم تدوير و حبس السيولة النقدية للمجتمع في عقارات .. لن تستخدم إلا بهدف المضاربة و رفع الأسعار .. و التربح
و بغض النظر عن عدم إتفاقي مع بيع أراضي الشعب .. للشعب بأسعار فلكية .. توجه حصيلتها لبذخ بادى في الإنفاق أو لسداد فوائد ديون لا نعرف كيف تم إنفاقها
و بغض النظر عن إشاعة أن هذه الكتل الخرسانية تمثل تنمية وعمل لفئات محددة من البشر ستعود في يوم قريب لصفوف البطالة بعد أن يتشبع السوق
فإن هذه المنشأت ذات ذوق سقيم .. صممها مهندسون ذوى كفاءة منخفضة .. مقلدين و ناقلين .. و ليسوا مبتكرين .. تحركهم .. تعليمات و أوامر محدودى الثقافة .. و ستصبح في يوم قريب بؤر قبح علي جبين الوطن .. متناقضة مع البيئة .. مستهلكة لطاقة مهولة حتي تصبح صالحة للسكن . . في بلد يحتاس مسئولية في إطفاء حريق سوق بالدور الأرضي فما بالك بالذى سيحدث في الدور الخمسين
صدقا .. لو أن هذه المدن عرض ماكيتها علي الدكتور عبد الباقي إبراهيم الذى درس لي تخطيط المدن .. لأخذت تقدير ضعيف .. ففي بلد لديها مشاكل مع إدارة المرافق ( مياة و صرف صحي و كهرباء و غاز ) لا يمكن قبول تلك الناطحات للسحاب .. و في بلد يعاني من مشاكل ركن السيارات .. سيصبح اسكان مثل هذه الأعداد في أبراج مشكلة مرورية .. و في بلاد .. تعاني من الأتربة يصبح بناء لوحات إعلانية عملاقة سخف و تشكل صيانتها مشكلة
سيبوا العيش لخبازة .. و بلاش أصحاب العقول المسطحة المقلدة .. إدرسوا بيئتكم و تراثكم لتروا حجم التوافق بين مباني القدماء و بين بيئتها
اقول لكم ما أشعر به ..لقد تخيل البعض أننا سنصبح أمة بترولية .. و أن الأموال ستجرى بين أيديهم كألأنهار .. و أن إكتشافات الغاز .. ستمكنهم من سداد أقساط ديونهم .. و أن مصر حتبقي قد الدنيا .. فصادروا علي أحلام الأجيال القادمة و قرروا .. أن يفرتكوا الثروة المرتقبة
الغريب أن البعض خارج بلادنا كان له أجندة أخرى .. تعلمها من نهب دول الخليج .. تتلخص في بيع السلاح الذى لا يستخدم ، إغراق السوق في السلع الترفيهية ، بيع التكنولوجيا و ليس تعليم الناس أصولها .. و نشر أدوات الإتصال بأغلي الأسعار ..وإغراق البلاد في الديون .. و.. إقامة المدن الضخمة خليجية الطابع .. و سلم لي علي التنمية المستديمه و تعليم و تدريب الناس للخروج من مأزق الفقر
ستجدون البترول و الغاز .. و سيستخرجه لكم الأجانب و يستولون علي الجزء الأكبر من عوائده ..لتنال الحكومة اللي فيه القسمة .. و لكن ما حدث مع الذهب الأبيض في القرن التاسع عشر .. و مع عوائد قناة السويس بشكل مستمر سيحدث مع الغاز و البترول .. فالمتوقع ألا يصيبكم من عائد الذهب الأسود إلا مزيدا من الفقر و الإحتياج.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول