رواية-كرنفال المدينة- وواقع القدس

رفيقة عثمان
2019 / 8 / 1

رفيقة عثمان
رواية"كرنفال المدينة" وواقع القدس
قراءة في رواية" كرنڤال المدينة" للكاتبة نزهة الرملاوي، دار الجندي للنشر، 2019
احتوت الرواية على مئتين وثلاثين صفحة، من القطع المتوسط،
استلهمت الكاتبة أحداث الرواية ووقائعها من الواقع الفلسطيني، من أحداث اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة معا.

حيث كانت القدس سيّدة المكان والزمان، حاضرة على طول الخط القصصي، وخاضت الكاتبة في تفاصيل دقيقة، لا يعرفها سوى المقدسيين أنفسهم؛ على قول المثل: "أهل مكة أدرى بشعابها"، كذلك كما ذكر الأديب سلحوت مرارا؛ " بأن الكاتب هو ابن بيئته". من حسن الحظ بأن الكاتبة هنا مقدسيّة الأصل، نجحت بتعريفنا على أحداث عديدة مفصّلة، وأماكن كثيرة داخل القدس، بأسماء حاراتها وأزقّتها وزواياها، وأسوارها وحجارتها العتيقة بعبقها وتاريخها، وكل ما عجزت عن عرضه وسائل الإعلام.
سردت الكاتبة روايتها، باستخدام شخصيّات بطوليّة، تتمثّل في الشاب تامر، يتيم الأبوين، يعيش مع زوج أمّه القاسي، يعيشان في مخيم شعفاط.
حرَّكت الكاتبة الشخصيّة الرئيسّة، لتحريك الأحداث من خلال، دخول البطل تامر المعبر بالقفز عن الجدار، وتسلّله الى المدينة المقدّسة، وتجوّله بأنحائها هاربا من الجنود، وعلى لسانه عرضت الكاتبة عددا من الأحداث، وعواقبها الوخيمة.
استطاعت الكاتبة أن تغوص في أعماق المشاكل السياسيّة التي يعاني منها المقدسيّون بشكل خاص، تزاحمت الأحداث بداخل النصوص الأدبيّة، بصورة مكتظة، بلغة عربيّة فصحى، وزينة وجزلة؛ ناهيك عن الاستخدام المفرط بالمحسنات البديعيّة والصنعة اللغويّة، التي تميّزت بها الكاتبة، كذلك كما نهجت في كتابها الأوّل؛ ممّا حمّل عبئا على نصوص السرد.
من خلال السرد يبدو أنّ الكاتبة ضليعة ولديها قدرة فائقة بالتعبير الكتابي، والأفكار المتسلسلة . لم تغفل الكاتبة عن سرد المعاناة اليوميّة التي يواجهها المقدسيّون، وخاصّة الذين يعبرون المعبر يوميّا، من خلال الجدار الفاصل بين القدس والضفّة الغربيّة، وما يواجهونه من اغلاقات المعابر المفاجئة والتفتيشات المحرجة، ومنع الدخول، وإصدار التصاريح وما الى ذلك.
على الرغم من المعاناة اليوميّة، إلا أنّ الكاتبة أظهرت بطولة المواطنين الفلسطينيين الذين يتكيّفون مع الإوضاع، ويواجهون ذلك بصمودهم وعدم إظهار غضبهم، بل يفتعلون الفرح؛ كما الكرنڤال الذي ابتدأ أمام الحاجز بالمعبر؛ كما ورد صفحة 63 " انطلق كرنڤال المدينة طارت البالونات الملوّنة، فوق الجدار الطويل، حملتها الطيور وجنحت للبعيد".
لم تنسَ الكاتبة موضوع تسريب البيوت، واقتحام المستوطنين للبيوت المقدسيّة ومحاولات تهويدها؛ بل تطرقّت الى يهوديّة الدولة أيضا.
لفت انتباهي موضوع التعاون والتآخي بين المواطنين الفلسطينيين من المسلمين والمسيحيين؛ ممّا يبرز الوعي القائم لدى المقدسيين وعدم وجود العنصريّة بين الديانتين، هذا انعكاس للواقع الحقيقي الذي يميّز المقدسيين بكل فئاتهم.
كما ورد صفحة 289, "أهلّة وصلبان يُصَلُّون جنبا إلى جنب تحت شمس الحب والإيمان".
تطرّقت الكاتبة لمبادرة حمل وقراءة كتاب بحلقة دائريّة بشرية، رمزا للبقاء والصمود.
استخدمت الكاتبة نزهة، وسائل التواصل الإلكترونيّة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ هذا دليل على دراية الكاتبة ومواكبتها للتقدم التكنولوجي الحديث، ومن الجدير بأنّ الكتّاب استخدموا قديما الرسائل البريدية الجويّة، والشفهيّة، إن الاستخدام الحديث يدل على حداثة الوقائع، فهذا يُحسب للكاتبة. كما ورد صفحة 76 "تؤرخ الزمان والمكان وترسلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
بالنسبة لزمن الرواية لم تحدده الكاتبة، ربما بقصد بأن الأحداث مستمرة كانت وما زالت، كما هي. تخلّل السرد المونولوج ( الحوار الذاتي)، كما ورد صفحة 49 ״ قال في نفسه: كنت أتمنّى أن أخذكم، أنام وأصحو فلا أجد لك أثرا".
تمثّلت العاطفة بالامتزاج ما بين الحزن والفرح، وفقًا للأحداث.
وهنالك أمثلة عديدة، كما وبرز والحوار الخارجي أيضا.
بالنسبة لاختيار الكاتبة للعنوان، لفت انتباهي كلمة الكرنڤال، فبحثت القاموس عن أصل
الكلمة؛ وفق ويكبيديا " الكرنڤال -
تعني " استعراض شعبي يجمع ما بين السيرك والاحتفالات التي تجوب الشوارع Carnival
أصل الكلمة ايطاليّة ( Carnem ). و ( levara)
بمعنى الابتعاد عن اللحوم، ويعتبر الكرنڤال تقليدا كاثوليكيّا، ثم انتشرت الكرنڤالات بالعالم الغربي".
يبدو العنوا جذّابا للوهلة الأولى، كلمة أجنبية ذات لحن موسيقي جميل، ربما قصدت الكاتبة بهذا الكرنڤال بعرض العلاقات المسيحيّة والإسلاميّة السمحة التي يتحلى بها الفلسطينيون بشكل عام.
برأيي لو اختارت الكاتبة عنوانا آخر، لمنح الرواية أهميّة، خاصّة لو كان له علاقة بالتراث، والأوضاع الاجتماعيّة، لا يصعب على الكاتبة ذلك، نظرا بضلوعها باللغة والحضارة .
نظرا لمكانة القدس العالية في نفس الكاتبة، اختتمت روايتها بقولها: "ثمّة مواسم لأعياد آتية ... لا تليق أفراحها بعيدا عن المدينة".
أرادت أن تضع القاريء في موقع تفاؤل وأمل، بما يتعلق بمدينة القدس، التي لا يليق بها إلا الأفراح، وبدونها لا يوجد فرح في قلوب الفلسطينيين.
بودّي أن أنوّه، ليس من الضروري أن تنشر دار النشر، مقدّمة عن الكتاب والكاتبة، سيعتبر ذلك دعاية لدار النشر، وأنا أحمّلها كل المسؤوليّة على الأخطاء العديدة الواردة بالنص.
حبّذا لو تتم رقابة جريئة، على دور النشر العربيّة التجاريّة والمستهترة في عقول القرّاء، ومنعها من النشر غير المسؤول، إلا بعد التحقّق من صلاحية الرواية لأيّ كاتب كان.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي