حرية الصحافة لا تقل أهمية عن التعددية الحزبية

تميم منصور
2019 / 7 / 30

قال زعيم ومفجر ثورة أكتوبر الشيوعية لينين " أعطني جريدة ومسرحا اعطيك شعباً " . رغم الايجاز والبلاغة والعمق الفكري في هذا القول فإنه يتماشى مع الحقيقة التي تنطبق وتناسب كل الأزمنة والفترات ، فحرية الصحافة ليست وقفاً على فئة معينة من المواطنين ، أو وقفاً محدداً على شعب من الشعوب ، حرية الصحافة يجب أن تنال اهتمام الجماهير على اختلاف فئاتهم أو طبقاتهم.
حرية الصحافة هي محصلة من محصلات حرية الاعتقاد ، ويقول أحد المفكرين الفرنسيين الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، أن الحكومة عندما تخضع الصحف لسلطانها ، تجعل نفسها مسؤولة عن كل ما تكتبه هذه الصحف .
ان الضمان الوحيد للمواطنين ضد التعسف والظلم هو النشر ، واكثر أنواع النشر وأسهلها وأكثرها وضوحاً هو ما تنشره الصحف ، وحرية الصحافة لا يمكن ان تنفصل عن الديمقراطية ، لعلها تعكس ارادة الشعب ، ويذهب بعض السياسيين الى القول " خيرٌ لنا أن نكون بدون برلمان من أن نكون بلا حرية صحافة " والأفضل لنا أن نُحرم من المسؤولية الوزارية ومن حق التصويت على قانون الضرائب ، على أن لا نُحرم من حرية الصحافة ، لأن الصحافة وحريتها بمثابة لسان كل مظلوم وحارس للحريات، وهناك من يسلم بالمقولة " ان حرية الصحافة تعيد جميع الحريات المصادرة ، وكتب " ويكهام ستيد : أحد رؤساء تحرير جريدة التايمز البريطانية السابقين عن حرية الصحافة " ان وجود صحافة حرة تقوم على روح وطنية وتهتم بمسؤولياتها ، وتتناول تظلمات المواطنين وتعالج مشاكلهم فهي المشكلة الرئيسية للديمقراطية الحديثة ، وخير ضمان لها . ان حرية الصحافة هي أهم الأوعية والمقاييس التي تحدد حرية الكلمة .
هناك محطتان هامتان في تاريخ حرية الصحافة ، فقد وقف القطار الذي رفع علم المطالبة بحريتها عام 1695 عندما قدم " جون لوك " بيانه المشهور ضد حرية الصحافة ، وجون لوك فيلسوف ومفكر سياسي انجليزي ، ثم أصبح طبيباً توفي عام 1704 ، من أهم المبادئ التي نادى بها تنمية روح الحرية في النفس .
وكان قد سبقه الى ذلك جون ميلتون عندما طلب بالدفاع عن حرية التفكير وحرية الصحافة ، ومما هو جدير بالذكر ان جون ميلتون انجليزي الأصل وشاعر ويعرف أكثر بقصيدته " الفردوس المفقود " توفي عام 1674 ، من أهم نتائج نداءاته بتوفير حرية الصحافة ، استجابة البرلمان البريطاني لهذا النداء وقراره بإلغاء القانون الذي حدد حرية الصحافة .
أما المحطة الزمنية الثانية التي شهدت نشاطاً لتوفير حرية الصحافة ، فكانت بقيام برلمان باريس بإصدار بيان اعترف من خلاله بضرورة حرية الصحافة ، وقد تم ذلك عام 1788 ، أي قبل قيام الثورة الفرنسية بسنة ، وقد قبل نائب الملك لويس السادس عشر هذا المبدأ ، ودافع " ميرابو " خطيب الثورة الفرنسية عن هذه الحرية ، وعملاً بمبادىء حقوق الانسان التي نادت بها الثورة الفرنسية ، بعدها أخذت حرية التعبير تفرض نفسها باللين تارة وبالعنف تارة أخرى .
وقد ضمن دستور الولايات المتحدة الامريكية في نصوصه حرية الصحافة ، وحُرم على الكونغرس اصدار أية تشريعات تحد من هذه الحرية ، أو ضع قيوداً على حق الشعب التمتع بها .
وفي البلاد التي كانت تطبق النظرية الاشتراكية العلمية ، يعتبر الشعب مالكاً للصحافة من حيث المبدأ ، أما من حيث الواقع فقد كان الحزب الشيوعي هو الذي يرسم سياسة الاعلام ، ويحدد أهدافه ، والحرية كانت في هذا النظام مرتبطة بالضرورة ، وقد كتب لينين عن حرية الصحافة عام 1917 قائلاً :
إن حرية الصحافة في المجتمع البورجوازي تقوم على قدرة الأغنياء دون غيرهم على افساد الطبقة الفقيرة والسخرية منها يومياً بطريقة منظمة ومستمرة ، بطبع الملايين من الصحف الخاضعة لهم ، لذلك يرى لينين أن افضل الدواء لمنع احتكار الوسائل التي تستخدمها هذه الطبقة ، ضد الطبقة الكادحة هي السيطرة على هذه الوسائل.
لقد أصبح واضحاً بعد مرور مدة طويلة على فتح أبواب حرية الصحافة في الأنظمة الديمقراطية ، ان هذه الحرية سببت مشاكل ليس من السهل حلها ، وتنحصر بالتوفيق بين الحريات الفردية وبين أسس الحياة الجماعية ، فمن واجبات الفرد عدم استغلال الحرية للاساءة لغيره ، بل يجب ان نفهم الحرية ونمارسها مع الالتزام بقيود بديهية تحافظ على كرامة الفرد والجماعة ، كما ان حرية التعبير والتعددية الحزبية ، يجب أن تكون ضمن الحرص على أمن الدولة الداخلي والخارجي ، كما يجب أن لا تؤدي هذه الحرية وتذهب الى التحريض على اقتراف الجرائم .
اذا توفرت حرية الصحافة في مناخ ديمقراطي فإنها تتحول الى رقيب يحافظ على مقدرات الشعب ، وتصبح العين الساهرة في محاربة الظلم والاستبداد والاستغلال والجريمة ، كما أنها تصبح لسان حال المواطنين ، وهناك من يعتبرها السلطة الرابعة في كل دولة ديمقراطية ، بعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
بعد مرور عقود طويلة على ظهور وانتشار الصحافة عالمياً ، فقد تطورت كثيراً ، وظهرت الصحافة الالكترونية الى جانب الصحافة الورقية وهناك من يعتبر حرية الصحافة وانتشارها وعدد القراء لها مقياس لمنسوب الحضارة في الأقطار التي تستعملها ، ونقول بكل الم ان درجة هذا المنسوب لا تزال منخفضة داخل الأقطار العربية ، فعلى الرغم من حصولها على الاستقلال منذ عشرات السنين ، فإن حرية الصحافة والى جانبها التعددية الحزبية لا زالت معدومة ، فالصحف في هذه الأقطار لا تترجم رأي المواطنين ، بل تعكس تتحدث باسم النظام المسيطر ، ورئيس النظام ، هي عنوان سلطته وهو عنوان ما تصدره ، كل ما تقوم به رصد تحركاته ساعة بعد ساعة ، جميع الصحف الصادرة في الأقطار العربية اليوم وقبلها تذكرنا بكبار المؤرخين العرب الذين نقلوا للقارىء تاريخ الامبراطوريات العربية مثل – الاموية و العباسية – فقد كانت النصوص غالبا ما تدور حول اعمال وتحركات الحاكم او الخليفة وربط الاحداث به ، وهذا ما يدور اليوم .