ثورة يوليو: فكرة استعصت على الاغتيال

محمد السعدنى
2019 / 7 / 29

كلما كانت الأفكار كبرى ونبيلة يصعب على الخصوم اغتيالها، فيعمدون إلى تجسيد الفكرة فى شخص يتم تشويهه والنيل منه، بعدها تصبح مهمة إغتيال الفكرة أسهل. بمثل هذا تحدثت عن ثورة يوليو وجمال عبد الناصر فى مقالات سابقة، وتحدث قبلى المفكر الجزائرى الكبير مالك بن نبى، فى كتبه:"الصراع الفكرى فى البلاد المستعمرة"، "القضايا الكبرى"، و"شروط النهضة".
كانت ثورة يوليو فكرة فارقة دوت أصداؤها منتصف القرن العشرين، وحملت معها مبادئ نبيلة عن الاستقلال الوطنى والتقدم وحق الشعوب المقهورة فى تقرير المصير والتحرر من نير الاستعمار والرجعية والتخلف. وأسست لمبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية وامتد أثرها يحتضن حركات التحرر الوطنى فى القارة الأفريقية وأميريكا اللاتينية وألهمت الجماهير. تخلصت من الاستعمار الانجليزى وطردت الملك سليل الأسرة الألبانية وحققت الاستقلال والتخلص من سيطرة رأس المال على الحكم، وألتف ناصر ورفاقه من الشخصيات الكبرى جواهر لال نهرو، وجوزيف بروز تيتو وماوتسى تونج وشواين لاى ليدشنوا مؤتمر باندونج وفكرة عدم الانحياز والحياد الإيجابى. كان منتصف القرن العشرين مسرحاً للحرب الباردة بين الرأسمالية الاستعمارية المتوحشة تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الاستعمارية، وبين الاشتراكية ومفاهيم التقدم يمثلها الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية. جاء ناصر ويوليو ليزلزلوا هذا النظام العالمى الظالم، ويقاوما المحاولات الصهيونية، شوكة زرعها الغرب الاستعمارى فى خاصرة العالم العربى المستباح من الأمريكان والإنجليز والفرنسيين والإيطاليين والبرتغال.
كان طبيعياً أن يستثير ذلك كله الغرب الاستعمارى وأعوانه الذين هددت يوليو مصالحهم وساعدت على طردهم من مستعمراتهم. وهنا كان "ثأرهم البايت" مع يوليو وفكرتها الكبرى النبيلة، والذى استمر حتى ورثه اليوم "المارينز الجدد" من جماعات المصالح والضغط الصهيوأمريكية، والرجعية، وجماعات الإسلام السياسى. ولأنهم لم يستطيعوا تشويه الفكرة، فراحوا يجسدوها فى شخص جمال عبد الناصر، الذى لم يجدوا له ثغرة أو سقطة شخصية ينفذون منها إلا أنه كان دكتاتوراً ضد الحريات والديمقراطية.
فى البداية حاولوا احتواءه، ثم رشوته، فأخد فلوسهم ليبنى بها برج القاهرة شاهداً على سفاهة مسعاهم. أوقفوا تمويل السد العالى، فأمم القناة، حاولوا تركيعه، فكسر احتكار السلاح مع تشيكوسلوفاكيا خلال الاتحاد السوفيتى، حاولوا اغتياله جسدياً، ونجاه الله، لعبوا ضده شخصياً بالبروباجندا وكولبى العميل المخابراتى و"لعبة الأمم"، ثم العدوان الثلاثى وخرج منه بمصر سالمة، وكانت خطة اغتيال "الديك الرومى" فى 1967. مات جمال، لكنه كان قد أقام حائط الصواريخ على الجبهة وأعد خطتى جرانيت واحد وأثنين لتحرير الأرض المحتلة التى طورها الفريق الشاذلى ومعه الفريق الجمسى فى خطة "المآذن العالية" التى حققت نصر أكتوبر المجيد. وجاء السادات بفكرة الانقلاب على يوليو وناصر، وإن ادعى عكس ذلك، وكانت مسرحية مراكز القوى وحرق التسجيلات وهدم المعتقلات، والديمقراطية المفقودة.
مات ناصر لكنه فى كل أزمة وكل ثورة وكل مظاهرة رفعت الجماهير صورته رمزاً للمقاومة والتحرر. رفعت صوره فى جنوب أفريقيا "مانديللا"، وماليزيا "مهاتير"، وفنزويلا "شافيز"، ويناير "مصر" وحتى ثورتى السودان والجزائر فى يومنا هذا. وهكذا أيقنوا أن ناصر وكذا يوليو فكرة ورمز استعصى على الاغتيال، فكثفت جماعات الضغط والمصالح الصهيو أمريكية، التى أشار إليها الكاتب الكبير أحمد الجمال فى مقاله "تساؤلات عن جماعات الضغط" بالمصرى اليوم الأربعاء الماضى، حملتها للنيل من الثورة وتسفيه فكرتها وقائدها.
ونشير إلى أننا ندافع عن ناصر وثورته تمسكاً بفكرة المقاومة والاستقلال والتقدم والعدالة الاجتماعية، ولا نضع كل من ينتقد يوليو وناصر فى نفس السلة، إذ يمكننا الفرز ولسنا دراويش فى محفل ناصر، من هنا جاءت قراءتنا لمقال "الثورة التى أعرفها" للكاتب الكبير سليمان جودة – المصرى اليوم الخميس الماضى، إذ يشير أن الثورة لم تحقق تعليماً أو صحة جيدين ومن هنا جاء اجتزاؤها لمبدأ العدالة الاجتماعية. وأورد للرد على ذلك ماقاله د. احمد زويل فى سبتمبر 2014
"حصلت على أحسن تعليم فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأقول هذا الكلام فى أمريكا وأمام العالم". ويرى "جودة" أن الثورة لو وضعت المبدأ السادس"إقامة حياة ديمقراطية سليمة"
منذ اللحظة الأولى لخروج الملك من البلد، لكان وجه الحياة فى بلدنا قد تغير تمامًا. ونقول هذا قفز على طبائع الزمن ومعطياته، فقد كانت أحزاب ماقبل الثورة تمثيلاً للفساد والتبعية أكثر من تمثيلها للديمقراطية.