قراءة في فاجعة إقليم الحوز بالمغرب.

الريكات عبد الغفور
2019 / 7 / 28

عرف اقليم الحوز بالمغرب كارثة انسانية، حيث ادت سيول جارفة بالمنطقة لوفاة ما يناهز 20 شخصا، طمرتهم الاوحال و الاتربة.
و إن كثرة المشاهد اليومية و المعبرة عن وحشية الرأسمالية تفرض علينا دائما أن نكون على إستعداد لتقديم المزيد من الضحايا، ما دمنا مؤمين بفكرة التناقض كمدخل للصراع الطبقي.
على الرغم من تباين موازين القوى عمليا اليوم بين من يملك و من لا يملك، فيبقى توسيع دائرة الوعي في صفوف من لا يملك حتمية، في أفق الاستعداد لما هو قادم.
و خلال ذلك يعمل النظام الامبريالي بشتى وسائله و بالاعتماد على مواطنيه المستقرين، على نشر التفاهة و تقديم كافة أشكال الدعم للتافهين.
ما أستغرب له هو كيف لنا اليوم أن نتعامل مع أحداث متكررة في هذا الوطن المغتصب، بمواقف لحظية و انفعالية يغلب عليها ما هو نفسي أكثر من ما هو تحليلي واقعي.
مشهدان عرفتهما الجماهير بالمغرب مؤخرا، و بطلهما وسائل الإعلام، و التي حضرت بكثافة لندوة صحفية نظمتها مغنية بجامعة الأخوين لكنها غابت عن تغطية فاجعة إنسانية نواحي إقليم الحوز.
حتى بعض الرفاق و الرفيقات، كما لو أنهم بكثرة تعايشهم مع النقيض أصبحت أفكارهم و مواقفهم عاطفية أكثر منها علمية و منبثقة من فهم الواقع و تبسيطه للجمهور.
إننا نعيش في ظل سيطرة الطغمة الامبريالية و الراسمالية على كل خيرات الوطن، و في سياق سيطرتها فهي عملت منذ مدة و سيرا مع موجة الرأسمالية المعولمة على برمجة عقول الجماهير و تدمير القطاعات الحيوية و بخاصة التعليم و الصحة كمدخل لأدلجة العقول و برمجتها، ما ساعدها على تكوين آلات إنسانية مجردة من التفكير و تبحث دائما عن أي وسيلة ما للترفيه و الاستمتاع.
لذلك سنتطرق لفاجعة إقليم الحوز من ثلاث مداخل:
1_ الجمهور
2_الاعلام
3 _ ما العمل
1_الجمهور:
لقد عمل النقيض منذ الاستقلال الشكلي و في علاقة مع اسيادهم على تدمير عقول الجماهير و كل ما من شأنه أن يثير قلاقل الطغمة الرأسمالية، فتلك العلاقة الوطيدة بين عموم الجمهور من تلاميذ و عمال و اساتذة و طلبة ساهمت في الانتقال من حركة اجتماعية الى حركة سياسية، لكنها و في غياب الاداة السياسية الثورية، أي العجر عن الانتقال من المنظمة للتنظيم و كذا اهمال طرف مهم في المشروع البروليتاري ألا و هو الفلاحين، ساهم في تبخر حلم الجماهير و بدأ هجوم النقيض بعد أن كان مدافعا عن ضمان شروط بقائه.
فبدأت سنوات الاعتقال و الاغتيال السياسي. ما ساهم في فرملة وعي الجمهور بل و تقلصه مقابل نماء الفكر العياشي (تقديس الحاكم) و الذي لعبت فيه الحركات الاسلامية الاصولية دورا بارزا و ساهمت فيه بشكل غير مباشر التحريفية للحركة، ما نتج عنه تقلص منسوب الوعي في صفوف البروليتاريا و التي عمل النقيض الطبقي على تذويب الحس الثوري في صفوفها.
ان انشطار الجمهور اليوم الى جماهير بالمغرب، نتاج لسنوات من الركود و النكوص للحركة داخليا و حتى اقليميا.
و المفكر المغربي المهدي المنجرة و الذي لم نكلف أنفسنا عناء قراءة ما خلفه من تراث للانسانية، فنفيناه كما نفاه النقيض الطبقي بالمغرب، كان واضحا في مؤلفه "قيمة القيم " حيث يؤكد أن العامل الثقافي و الحضاري سيكون هو الموجه الفعلي للصراعات السياسية مستقبلا، و يعتقد المنجرة أن العالم اليوم يعيش حالة إنفجار ما سيؤدي إلى حدوث انتفاضة، و الانتفاضة على حد تعبيره يصلها الجمهور حين يبلغ السيل الزبى.
2 _الاعلام :
إن الرأسمال الاحتكاري عمل على تسليع كل مناحي الحياة، بما فيها الإعلام باعتباره يعكس مرآة الطغمة الرأسمالية المتهالكة و اظهارها في صورة بهية للجمهور.
الإعلام موجه اليوم بل هو تعبير عن رغبات النقيض و كذا رغبات الجمهور المستقر نفسيا و اجتماعيا و اقتصاديا...
و مادام الربح المادي هو محركه الرئيس، فطبيعي أن يبحث بشتى الوسائل عن الربح، حتى و ان كان في الامر تعبير عن وحشية الرأسمالية، فما يهم الاعلامي هو ان تكون نسب المشاهدة لفيديو تافه، مرتفعة بارتفاع عدد التافهين.
إن الإعلام اليوم هو وسيلة من وسائل القمع الطبقي بالمغرب أو بأي دولة من دول العالم الثالث.
لا يمكن اذن ان نراهن على اعلام نزيه، لان النزاهة تقتضي ان يكون هذا الاعلام تحت سيطرة الجمهور. و أي محاولة اليوم للتمرد عن الخط الاعلامي الراسمالي بالمغرب، يقابلها النظام السياسي القائم بموجة من الاعتقالات في صفوف الاعلاميين، خاصة المرتبطين بهموم الجمهور الواعي و انشغالاته اليومية، و محاكمتهم محاكمات صورية لردع أي محاولة للخروج عن الخط المرسوم سلفا.
3_ ما العمل:
في ظل وجود نظام اقتصادي و سياسي أحادي في عالم اليوم، و الذي يعتبر دول العالم الثالث مخزنا لتفريغ فائضه الانتاجي بل و للسيطرة و الاستيلاء على مواده الاولية الطبيعية و تحويلها لمواد عسكرية و جعلها دائما بؤرا للتوثر السياسي و العسكري.
لذلك سيبقى الرهان حسب المفكر المصري سمير أمين على هذه الرقعة الجغرافية، لافراز نظام اشتراكي جديد لكنه مبني على تجارب سابقة و خاصة اللينينية في روسيا و ثورات كوبا و الفيتنام ...
فماو مثلا يؤكد في كراسه الحكومة الائتلافية على شيء مهم و هو ضرورة تمسك الشيوعيين بالحقيقة التي تتفق مع مصلحة الشعب، و على الشيوعيين أن يكونوا على استعداد لاصلاح اخطائهم، فكما لو أن الرفيق ماو تنبأ بواقع الحركة و ازمات المد الشيوعي بالمغرب و الذي دخل مستنقع التحريفية على خطى كاوتسكي.
لذلك وجب العمل على تعميم الفكر الشيوعي الثوري بالمغرب، و هذا التعميم لن يستوعبه جمهور متهالك الا بامتلاكه ميكانيزمات الوضوح و الصدق مع عموم الكادحين و المسحوقين. ما سيؤدي بالخط الثالث الذي يسمح له النقيض بالبناء دون اي تضييق، الا التلاشي و الافول.
و ينبغي بعد ذلك أن نفكر في سبل هدم تراكمات النقيض مع الجمهور ثقافيا و اقتصاديا...
انتهى...

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول