درة التاج يوسف عمر

لؤي الشقاقي
2019 / 7 / 27

تمر علينا في شهر تموز يوليو ذكرى وفاة شخصيتان عظيمتان ومن اهم وافضل ما انجب العراق في القرن العشرين وهما الحافظ خليل اسماعيل والقارئ يوسف عمر
ففي 14/7/1986 توفي درة التاج وشيخ المقام وأفضل قارئيه ومؤديه وخير سفير له وممثل هو يوسف عمر الذي ملئ سماء العراق باعذب الالحان والكلمات على مدى 38 عام معطياً لفنه وللمقام كل روحه وحياته وتفكيره مطرباً اهله ومحبيه بل وحتى مبغضيه بأعذب صوت واجمل الكلمات.
واليوم وبعد مرور اكثر من 30 عام على وفاته لا يزال يحتفي بهِ محبوه ويزورون قبره بمقبرة الخيزُران في منطقة الاعظمية ليقرءوا الفاتحة على روحه متذكرين مأثرة , وبعد زيارته وقراءة الفاتحة على روحه عقد محبوه جلسه لأستذكار حياة الفنان وكان هذا الحوار لخبير المقام والقارئ الكبيرحامد السعدي على جزئين :
بمناسبة ذكرى وفاة الفنان يوسف عمر نادرة عصره واعجوبه زمانه ,ولد سنة 1918 في محلة جديد حسن باشا من عائلة تركية الام تركية الاصل والاب من خانقين , نشأ يوسف في مجتمع بغدادي صرف وتربى على الاصول التركية الشديدة فنشأ قويا ممارسا لعدد من العاب الرياضة كـالركض والزور خانه , وكان قويا شديد المراس انجذب لسماع اسطوانات القبانجي والقندرجي وكل قراء المقام في ذلك العصر كذلك استمع لاسطوانات الادوار المصرية لعبد الحي حلمي والسفطي وابو العلا وام كلثوم وهذه قد كونت لديه ملكة وثقافة موسيقية بالاضافة الى دراسته لدى الملا ودخل المدرسة الابتدائية وكان من المتفوقين في درس النشيد ويذكر ان مدرس النشيد محمد حلمي العمر كان يعزف بالكمان ويوسف يؤدي النشيد, وقد تابع الكثير من قراء المقام العراقيين وتأثر بهم وكان ابرز من تاثر به هو القبانجي بطريقته الواضحة والمتجددة وكان يتتبع القبانجي في المواليد والمناقب والحفلات .
ماهي قصة دخوله للسجن ؟ وهل تعلم المقام هناك ؟
لم يتعلم المقام في السجن بل قبل دخوله واريد ان اوضح هنا انه لم يكن مجرم ولم يحكم بجنحة مخله بالشرف كما يروج بعض اعدائه, في يوم كان يوسف كان جالسا امام محل صديقه على كرسي خارج المحل وكانت ازقة "درابين" بغداد ضيقة وصادف وجود صديقه جهاد الديو الذي رأى شخصاً يطلبه ثارا وعندما علم هذا الشخص بأن جهاد قد رأه وهو يحمل خنجراً جرى وجرى جهاد خلفه ولضيق الزقاق فقد تعثر بقدم يوسف "قد يكون مد رجله متعمداً اسقاطه والعلم عند الله" فتمكن منه جهاد وقتله وقد اعتبر يوسف شريكاً في الجريمة وحكم على يوسف وعلى جهاد ولكن يوسف كان محب للحرية فهرب من السجن ثلاث او اربع مرات مرة للبصرة واخرى للكويت في الصحراء وتمت اعادته وبعد شموله بالمراحم "عفو عن المساجين" خرج بداية عام 1948 وتوجه مباشرة للاذاعة ليقدم فيها نفسه , فسأل من هو الخبير فقيل له سلمان موشي فبحث عنه وعرف المقهى الذي يجلس فيه وذهب اليه وقدم نفسه فطلب منه موشي ان يقرء له بعض من المقام فقرء له يوسف فتعجب وعلى حد قول يوسف "مثل المضيع ضيعه ولكاها" ورأى فيه شيء فقال له غدا ننتظرك في الإذاعة , واتى وجلس إمام الخبراء فارادوا بما يمتلكون من دهاء ان يوقعوا به فقالوا له هل تقرءا الرست "وهو اصعب المقامات لكون الرست امتحان لجودة القارء بالقرار والجواب" فقال نعم وبدء يقرء ولما وصل الى قطعة المنصوري وهي اعلى من الرست جنس صبا هنا ارادوا بحنكتهم ان يوقعوا به فقالوا له "صيح الميانه" اقرء ميانه الرست ولكن يوسف كان اذكى منهم فأجابهم "شنو" ماذا مؤخراً نفسه قليلاً كاسباً بعض الوقت ليخرج نغم المنصوري من رأسه ويعود لطبقة الرست ويؤدي الميانة على اصولها وبدون نشاز فقالوا له انت ناجح وسجل مقام الرست وكان اول مقام سجله وقرء فيه قصيدة عنتر بن شداد "حسناتي عن الزمان ذنوبُ وفعالي مذمة وعيوبُ" وبدأ يسجل المقامات تترى وكان مثل البركان الهائل واظهر طاقة عظيمة وكأنه التهم المقام التهامً وكانه فارس يقود جواده كما يشاء ونجح نجاح باهر وترك ارث كبير وتسجيلات تعتبر سمفونيات .
برأيك أي المقامات التي قرءها يوسف بصورة قياسية . وأيها الأقرب له ؟
كل المقامات نجح في ادائها والاقرب له كما كان يردد بنفسه المخالف والمنصوري ولكن كل المقامات اداها كما يجب لأن لديه خامة صوتيه رائعة .
هل لديك تجربة شخصية مع يوسف خصوصاً وانه نصبك خليفة له ؟
التقيت بيوسف في محل سمير الخالدي رحمه الله صاحب تسجيلات انغام التراث سنة 1983 حيث كنت اتردد عليه لاخذ التساجيل وسماعها وكنت اراه واسئله بعض الاسئلة ولا أطيل عليه لكونه قليل الكلام , وشكلنا فرقة اسمها هواة المقام العراقي تتكون مني ونجم عبود صانع الاعواد وشامل طبرة وصلاح السراج وقرئنا في مقهى البغدادي لصاحبه الفنان محمد القيسي واول حفلة حضرها الكثير من القراء والخبراء مثل القبانجي ويوسف عمر وشعوبي ومجيد العاني وجمع غفير من قراء وهواة المقام , فأنا قرءت في وقتها مقام صعب الحليلاوي وبزهيري جديد , وقد مدح القبانجي قراءتي ويوسف اكتفى بالصمت وبعد كم شهر قالي لي انا لم امدحك حتى لايصيبك الغرور وبعد سماعه لي مؤدياً المقامات الصعبة اعترف بي خليفة له , والخلافة ليست منصب بل هي اقتداء واقتدار وتمكن من المقام.