مبدأ المواطنة بين كوجيف وتودوروف

رابح لونيسي
2019 / 7 / 26


- جامعة وهران1-


يعد الفيلسوف الفرنسي ذو الأصول الروسية ألكسندر كوجيف أبرز مفسر للفيلسوف الألماني هيغل، وكتب عنه كتابا شهيرا بعنوان "مقدمة لقراءة هيغل" في 1947. قدم كوجيف قراءة أخرى لهيغل غير معروفة عنه، فإن كان ماركس أخذ وقلب الجدلية الهيغيلية القائلة بأن حركة التاريخ تتحكم فيها التناقضات الفكرية، أي أطروحة في مواجهة أطروحة نقيضة لها، فينتج عنها فكرة أو أطروحة جديدة، وهلم جرى حتى نصل إلى نهاية التاريخ بالوصول إلى الفكرة النهائية التي لخصها هيغل في فكرة الحرية التي أتت بها الثورة الفرنسيبة لدرجة ترحيبه بدخول نابليون إلى ألمانيا في 1806، لكن قلب ماركس نظرية هيغل بالقول بأنها تمشي على رأسها، فجعلها تمشي على قدميها بالقول بأن الأفكار هي نتاج الصراع الطبقي، وأن البنية التحتية الممثلة في قوى الإنتاج هي التي تنتج البنية الفوقية الممثلة في الأفكار والثقافة والدين والأخلاق وشكل الدولة، وان الصراع الطبقي هو محرك التاريخ الذي سيصل إلى نهايته بعد إنتصار الشيوعية أين ستنعدم نهائيا الطبقية وصراعاتها.
لكن أبرز ما قاله كوجيف، وأهمله الكثير هو أن هيغل يرى أيضا أن حركة التاريخ وراءها السعي لإثبات الذات، وأن حركة التاريخ ستنتهي بعد إعتراف كل إنسان بالآخر الذي أثبت ذاته، ومنه أخذ فرانسيس فوكوياما فكرة نهاية التاريخ في كتابه الشهير"نهاية التاريخ والإنسان الأخير"بالإستناد على إثبات الذات بردها إلى ما أسماه افلاطون ب"التيموس"، وقد شرحها بالعودة إلى هيغل وعلاقة العبد بالسيد، فكوجيف يقول أن نهاية التاريخ، سيتم بعد أن يعترف بالإنسان، فيصبح هذا الأخير راضيا على نفسه وذاته، فلايتحرك، ولا يجتهد لإثبات ذاته.
أنطلق كل هؤلاء من العالم الغربي، فهل فعلا أنتهت حركة التاريخ عندهم أم أنتهت الحروب الداخلية فيما بينهم؟، نعتقد أن ماوقع في الغرب هو نهاية هذه الصراعات الهوياتية والدينية وغيرها لتفسح المجال للتنافس في المجالات العلمية والإقتصادية كي يثبت كل شخص ذاته، وهو ما يشير إليه فوكوياما بوضوح في كتابه، كما أنتقلت هذه الظاهرة إلى العلاقة بين الأمم، فأصبحت كل أمة من أمم الغرب تسعى للتفوق العلمي والإقتصادي والعسكري وغيره لإثبات وفرض ذاتها عالميا، وهو ما يسمى عند الأمريكيين مثلا ب"المشروع الأمبرطوري"، لكن منطقتنا بعيدة كل البعد عن ذلك، ولازالت تعيش صراعات دينية ولغوية وهوياتية وطائفية.
نعتقد أن هذه الصراعات في منطقتنا تعود إلى عدم الإعتراف بالآخر أو ما يسميه صراحة البلغاري تزفيتان تودوروف "الإعتراف المتبادل"، ويعود عدم الإعتراف إلى اليعقوبية الفرنسية التي أثرت كثيرا في فكرنا السياسي، فسعى الحكام إلى فرض هويات ولغات وأديان على مجموع الأمة كما وقع في فرنسا بعد ثورتها في1789 أين فرضت مثلا لغة إيل دوفرانس على كل الفرنسيين، لكن يختلف الظرف الفرنسي في القرن19عن الظرف العالمي اليوم، فقد خلقت لنا محاولة تطبيق فكرة اليعقوبية في بلداننا مشاكل وحروب عويصة، لأنها تنفي هويات الكثير من الأفراد داخل هذه الدول، ففكرة القومية العربية مثلا صنعت لنا حروب أهلية وإنفصالات وعدم إستقرار في عدة بلدان، ونجد نفس الأمر بالنسبة لبعض الحركات الإسلامية التي تريد فرض تأويلاتها وممارساتها الدينية على مجموع السكان، مما أنتج الإرهاب والحروب الدينية والطائفية.
ان الحل لهذه المشكلة هو الإعتراف بالآخر، وبتعبير أدق الإعتراف المتبادل بين الجميع، ولن يتحقق ذلك إلا بتطيق فعلي للمفهوم الحقيقي لمبدأ المواطنة الذي لايتلخص فقط كما يعتقد البعض في المساواة في الحقوق والواجبات بين كل مواطني الدولة، بل بإحترام خصوصية كل فرد في الأمة، ولا نقول جماعة، فمعناه بإمكان أي فرد في الأمة أن يعتقد ويمارس ما يريده سواء في مجال الأصول أو اللسان أو الدين وغيره بشرط ولائه للأمة والأمة فقط وقيامه بواجباته الوطنية دون أي تأثير لما يمكن تسميته بالهوية الفردية لكل شخص، كما عليه أيضا الإعتراف بالهوية الفردية للمواطن الآخر، أي كل مواطن يحترم ويعترف بالآخر، وتتحول الهوية إلى مسألة فردية سواء في الأصول أو اللسان أوالدين والمعتقد، ولا يحق لأي مواطن السعى لفرض هويته الخاصة على الآخرين، فبهذا الشكل يتحقق الإعتراف بالذات، كما يقع في أمريكا اليوم، فتنتهي بذلك الحروب الدينية واللغوية والإثنية وغيرها، لأن الجميع معترف بهم، فينصرف الإنسان لإثبات ذاته بالمجالات العملية والإقتصادية وغيرها كما في الغرب، فتنتهي الحروب عندنا، لتفسح المجال لحروب سلمية وبناءة بالتدافع والتنافس لإثبات الذات وتحقيق الإعتراف في مجالات إيجابية كالعلم والإقتصاد وغيرها.