ارتفاع منسوب مخزون العنف في داخلنا

تميم منصور
2019 / 7 / 23

ر كلما ازداد العنف من اطلاق نار وطوشات وسرقات وحوادث طرق وغيرها من سلاسل العنف التي تحيط بأعناقنا حتى وصلنا الى درجة الاختناق ، كلما ازدادت عواصف الاستنكار والشجب والانتقادات ، هذا ينتقد ممارسات الشرطة ودورها في ترك الحبل على الغارب في انتشار العنف داخل مدننا وقرانا ، وذاك يتهم لجنة المتابعة لأنها لا تحرك ساكناً من وجهة نظره لمنع حالات العنف المستشري داخل مجتمعنا ، وآخر يتهم الاحزاب العربية بأنها عاجزة عن خلق أجيالاً من الشباب مثقفة واعية منضبطة ، ومنهم من يتهم أعضاء الكنيست العرب بالمسؤولية عن انتشار العنف كأن أعضاء الكنيست هؤلاء هم الشرطة والقضاء والمدارس والآباء والأمهات والمجتمع بكامله .
الاتهامات التي يرافقها الحزن أحياناً وانعدام الحيلة وفشة الخلق لا تتوقف ، تنطلق هذه كالشرر من بين شفاهنا وصدورنا ، لكن لا أحداً ينظر ويسأل نفسه ما هو دور المواطنين في احتواء ومنع أو على الأقل التخفيف من ممارسة العنف .
نعترف بأن الشرطة لا تقوم بواجبها لمنع ممارسة الارهاب ، واذا تعاملت مع هذه الظاهرة فأنها تتعامل معها بمكيالين ، المكيال الأول بذل جميع جهودها للبحث عن الجريمة واكتشافها ومحاربة انتشار الاسلحة والحد من تغلغل العصابات الاجرامية في الوسط اليهودي ، أما المكيال الثاني فهو التعامل مع الارهاب ومحاربته في الوسط العربي وهي ترتدي القفازات البيضاء المخملية خوفاً من التلوث ، منطلقة من أرضية " فخار يطبش بعضه " ومن سقف " حادت عن المجتمع اليهودي بسيطة " . هذا هو حال الشرطة التي تمثل حكومة اليمين التي أبرزت وبشكل فاضح شعارها " الدولة للشعب اليهودي فقط " وما تبقى من سكانها هم من الدرجة الثانية أو الثالثة في كل شيء ، حتى في علاج الشرطة لقضايا العنف.
هذا هو قدرنا الذي لم نشارك في اختياره ولم يشاورنا أحد في صنعه ، لكن يُطرح السؤال ، اذا كانت الحكومة تتعامل معنا ضمن قوانين عنصرية ، حتى قبل صدور قانون القومية وبعده ، ولماذا نحن لا نحارب ممارسات العنف بالسلاح الذي نملكه ، سلاح الوعي والايمان ، سلاح غريزي داخلي يتجسد بأن يكون كل واحد منا شرطي على نفسه وعلى عائلته ، لضبطها ودفعها للسير في الطرق القويمة .
لكن هذا الشرطي لا يتواجد عند الجميع ، وان الغالبية من أبناء مجتمعنا ، والمجتمعات العربية تحمل جينات من العنف المتوارث من جيل الى جيل ، حيث هذه الجينات تبقى نائمة لكنها قابلة لأن تستيقظ بسرعة لأتفه الاسباب كالضغط أو الغضب أو ربما الطمع والفقر والانحلال ، انتخابات السلطات المحلية توقظها حيث تتحول الخيار الديمقراطي الى عنف ، ازدحام في المواصلات ربما يوقظ هذه الجينات ، وسريعاً ما تتحول الى عنف يصل الى درجة القتل ، الخلاف على الأرض أو المال أو ما يسمى بالشرف حيث تتحول الجينات الى نيران مشتعلة . تبعات الزواج والطلاق قابلة لفك شيطان الشر القابع في نفوسنا ، الضغط السكاني والازدحامات المرورية في بلداتنا ، بؤر الشر والفساد قادرة على التحكم وكسر قيود جينات الشر والعنف القابعة داخلنا ، انها كالخلايا الارهابية النائمة قابلة لأن تستيقظ في كل لحظة .
هذا من وجهة نظري ليس نتاج يوم وليلة أنه متوارث ، العنف يسود مجتمعنا منذ مئات السنين وأكثر ، انتقل من العصر الجاهلي الى عصر ما بعد الدعوة الاسلامية ، الاسلام بكل ثقلة وقيمه وقوانينه واحكامه ، لم يتمكن من القضاء على آفة التعصب القبلي ، التي تراجعت وأصبحت تعصب عائلي داخل المجتمعات العربية ، لا زالت العشائر بمثابة حكومات داخلية داخل الحكومات المركزية خاصة في العراق وسوريا والجزيرة العربية والسودان ودول شمال افريقيا .
كيف يمكن نزع فتيل العنف من عقول وأدمغة أبناء هذه العشائر ، ونحن لا زلنا نتغذى من وحي هذا السلف البعيد القريب .
الخلاف على السلطة داخل امبراطوريات الخلافة الراشدية والأموية والعباسية أغرق البلاد في بحار من الدماء ، الانقسامات الطائفية كانت ولا تزال مستنقعاً للعنف ، أقباط ومسلمين في مصر سنة وشيعة في العراق ، بربر وعرب في الجزائر والمغرب والأمثلة كثيرة .
لم تهدم الصراعات الناتجة عن هذه الانقسامات ولا زال مردودها حتى اليوم ولكن ربما بوتيرة وصورة مختلفة ، وكلما قل منسوب هذه الصراعات كانت السلطة المركزية تصب الزيت فوق نيرانها ، كما ساهمت القوى الأجنبية أيضاً في اشعال نيران الفتن التي تتحول بسرعة الى عنف تمتد تبعاته مئات السنين ، فأثناء الحكم العثماني ساروا على سياسة فرق تسد ، فأشعلوا نيران النزاعات الطائفية في لبنان خاصة بين المعنيين والشهابيين ، كما كانوا يعملون على اشعال نيران الفتن بين القبائل العربية التي يعود نسبها الى يعرب بن قحطان وتعرف بالقبائل اليمنية ، أو عرب الجنوب وبين القبائل التي يعود نسبها الى قيس وهو من نسل اسماعيل وعرفت بالقبائل القيسية أو عرب الشمال ، لقد استمر الصراع القيسي اليمني مئات السنين ولم ينته الا بزوال الدولة العثمانية ، التي كانت تغذي هذا النزاع .
اذا العنف المستشري اليوم هو امتداد لهذا العنف المتوارث لدى الكثيرين ، في الماضي القريب ، آخر العهد وفي زمن فترة الانتداب اعتادت القبائل البدوية غزو القرى التي قطنها الفلاحون ، كانوا يقتلون وينهبون ما يجدوه أمامهم ، ويذكر التاريخ كيف في زمن الانتداب غزت قبيلة بني صخر القادمة من الاردن العديد من قرى الساحل ، وقد سجل الكاتب احسان النمر هذا الغزو في كتاب " تاريخ نابلس والبلقاء " الفرق بين العنف بالأمس والعنف اليوم ، ربما أن العنف بالأمس كان جماعي ، أما اليوم العنف فردي أو ينحصر في مجموعات صغيرة .
الفرق أيضاً ان العنف قبل عشرات السنين كان يحدث دون أن تصل معلومات عنه الى جميع المواطنين ، أما اليوم فإن وسائل الاعلام متوفرة ، تنتقل سريعاً عبر وسائل الاعلام المتعددة و بالصوت والصورة والوصف الكامل ، وهذا يجعلنا نؤمن بأن ظاهرة العنف ليست جديدة في مجتمعنا ، بل العنف تطور مع تطور حاجيات الانسان خاصة الحاجات المالية .
من الصعب القضاء على العنف في مجتمعنا دون التخلص من درناته المختبئة في داخل أجسامنا والتي من الممكن في أي لحظة الخروج قاذفة حممها ، مشعلة الطريق والأجواء والمجتمع .
لا يمكن القضاء على العنف باتهام الشرطة فقط ، أو اتهام مؤسساتنا المختلفة ، القضاء على العنف بحاجة الى برامج عمل، بحاجة الى تطوير مفهوم العائلة والتزاماتها ومراقبة الأبناء جيداً خاصة في هذا العصر المليء بالمغريات ، بحاجة الى ربط الاجيال الصاعدة بعجلات المشاريع التي تنمي الروح الانسانية والثقافية والفنية وترفع من القدرات العقلية والتفكيرية ، وهنا نسأل أين سلطتنا المحلية من توفير تلك المشاريع ، جمعينا نبكي ونستنكر ونرفض ونخرج في المظاهرات ، ولكن هل سألنا أنفسنا ماذا قدمت السلطات المحلية لتلك الاجيال لحمايتها من العنف ، البلد التي لا يوجد فيها ملاعب رياضية ومكتبة عامة ومعهد موسيقى ومسرح وأماكن تبلور وتطلق مواهب تلك الاجيال وتنبههم لخطورة العنف والانزلاق نحو مستنقعات الدم ، من السهولة تسلل العنف الى نفوسهم . لذك ليس بالشعارات نحمي الاجيال ونحارب العنف ، وليس بوجود رجال الشرطة نستطيع أن نضمن الامن والامان في مجتمعنا .