عارف الساعدي وتشكيل المتخيل الشعري...

قحطان الفرج الله
2019 / 7 / 18

"العراق، هو أبو جميع السُلالات الشعرية، وأصل جميع الفصائل والأنواع ... وبكلمة واحدة هو آدم الشعر"
نزار قباني
للشعر عوالمه ومقوماته الخاصة التي تعكس رؤية المبدع، وتبرز قدرته وخصوصيته في تشكيل الواقع الخارجي والداخلي بشكل متفرد، والصورة في ذهن الشاعر، غيرها في ذهن المتلقي والبراعة المنتجة تكون في خلق تلك العوالم المتخيلة من خلال الأدوات التشكيلية كاللغة والموسيقى والصورة، ومن هنا يُخلق الإيحاء، وعليه يمكن القول بأن الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورًا بصرية فقط، بل تثير صورًا لها صلة بكل الاحساسات الممكنة، وإلى جانب ذلك تكون الصورة لغة داخل اللغة لأنها تقوم بتقديم الاحساس مجسماً أو مجرداً في أحيان أخرى.
لعل المتتبع لنصوص عارف الساعدي يدرك نزعة الاختزال داخل النص الشعري التي تزيده رونقاً وجمالاً أخاذاً، فتستعيد في ذهن المتلقي القدرة على ترميم اختزالات الساعدي تلك لترسم عوالم لا حد لها.
-بغداد تولد من دخان القصف ثانية
-فتغسل وجه نهريها
-وتبتكر الاغاني مرةً اخرى
-ويندلق الحمام
كما أن بغداد تولد من دخان القصف تولد شعرية الحبّ من مفردات العنف والدمار (قصف ودخان يُولد اغانيا وحماما).
لعل أهم ما يميز الساعدي عملية خلق نص الحبّ من مفردات العنف، وهذه براعة أن يواجه الشاعر الكراهية والعنف والقسوة ويرد عليها بأدواتها من خلال إعادة إنتاجها لتخرج بمظهر يوحي بالألفة
-كنّا نفكر أن نعيد الأرض ثانية ً
-ونبدأ من جديد
-وهيأت للأنقاض زاويةً
-وراء الأرض
-وغيرت الشبابيك القديمة
-واقترحت نوافذاً تأتي.
إن نص الساعدي يجتاز دائرة المتخيل في قصيدة التفعيلة في كثير من الأحيان حتى وهو يستحضر الأسطورة والرمز الميثيولوجي القديم، فهو يوظفه باسقاط معطيات الواقع ببراعة شاعرية تثير الكثير من الاسئلة، فهو من كسر على الأبواب (جرّة الاسئلة) فندلقت تسير كنهر جارف صعب المراس (كاسئلة الصغار) ولَك ان تتخيل كمية ما يدور في الرأس وأنت تقرأ قصيدة كقصيدة (آدم) ادم الذي لم يذق طعم الأمومة فكم حُرم أطفال جيل الساعدي وما بعده من هذا الحنان المفقود؟
-هل كنت تخبئ رأسك في حضن امرأة ما؟
-هل كنت تقبل أمك؟
_ عفوا
_هل تعرف طعم الأم؟
أعتقد ان البراعة ولإبداع لايكمن في اثارة الاسئلة بشكل مباشر؛ بل بإثارة أسئلة تتمتع بطابع المفارقة التي تضع المتلقي أمام الصدمة والدهشة لما غاب عن ذهنه وحفزه السؤال،
-لماذا ؟
-وتجرحنا لحظة موجعة
-لماذا سنضطر أن نلبس الأقنعة؟
-لماذا نشد الكلام طويلاً؟
-ونغسل أحرفه المفزعة؟
-لماذا الكنايات في بابنا؟
-ولماذا البلاغة في الأمتعة؟
-ولماذا ندور على حزننا؟
-ونلم استعاراته المفجعة.
إن تجربة الساعدي لا توحي بعوالمها المتخيلة بالاستمرارية في النسق الواحد أو استنساخ أنساق ثقافية قديمة والعودة إلى إنتاجها في بناء نص شعري جديد، ان متخيل الساعدي الأهم هو في تكثيف الطاقة الايحائية وبناء منظومة صور وفق استراتيجية فنية حديثة وبامتياز وعلاوة على ذلك فلغة الساعدي التي تنساب كجدول هادئ تبرز نجاح الشاعر في التعاشق القائم بشكل واضح بين المستوى الدلالي للكلمة والوظيفة المراد تحقيقها في عالم الشاعر المتخيل.
وهذا ما يحيل الى معجم عارف الساعدي المليء بمفردات الحب المشحونة من خلال السياق بزخم انفعالي يجعل من القصيدة كالمرأة الجميلة كلما قضيت منها وطرا تعود لتشتهيها من جديد وتواصل القراءة، غادر النص ساحة البلاغة الكلاسيكية ليضع أقدامه راسخة في ساحة الصياغة الشعرية وإنتاج الدلالات المكثفة، الامر الذي يدفعه إلى خلق عالم من الرموز والإحالات، لتقيم الخطاب الشعري وهو محتفظ بقامته وغموضه، بسحره وعذوبته.