نقض أساس الكون

هيبت بافي حلبجة
2019 / 7 / 17

نقض أساس الكون
هيبت بافي حلبجة
المسافة لا تساوي جداء السرعة والزمن إلا في العقل المجرد ، وبطريقة تنظيرية محضة ، فبالعقل نرسم خطأ وهميأ طوله 200 كم ونسير به بسيارة سرعتها 80 كم في الساعة ، فنؤكد إننا نقطع هذه المسافة بزمن قدره ساعتين ونصف ، وفي الحقيقة هذه المعادلة التي ينعتها العلماء بالفيزيائية هي ليست فزيائية بالقطع أولأ، كما إنها ليست تجريبية ثانيأ ؛ وليست منطقية ثالثأ ؛ إنما هي بالفعل تجريدية صرفة وعقلية بحتة ومتخارجة عن ذاتها .
كما إن المسافة التي نوسمها توهمأ وجزافأ بمثلأ 200 كم أو 500 كم ليست إلإ تصورنا الساذج عن ما نسميه حسب المنطق الأرسطوي البدائي للخط اللاحقيقي المفترض والممتد من النقطة الأولى إلى النقطة الثانية أو إلى أي نقطة نتوهم بثباتها في منطقة ما أو على مسطح ما أو في فضاء ما أو حتى في أو على مكان أو محل أو وجود ما .
أضف ألى ذلك إن المسافة التي تنطلق من النقطة الأولى ( الخطأ الأول) وتتجه نظريأ في كل ألأتجاهات إلى كافة النقاط ( الخطأ الثاني ) هي في الحقيقة كائنة في عقلنا المجرد ذلك العقل الذي سميته وأسميه بالمادة المدركة الواعية ؛ لإنها في التأصيل الفينومنولوجي ؛ لاتنطلق من ( إلا في فراغ ) ولاتتجه ( إلا إلى فراغ ) مع تحفظنا الشرطي على منطوق الفراغ .
لنستطرد إن تلك المسافة التي تبدأ بنقطة ما ( غير فعلية في وجودها وكيانها) وتود أن تنتهي حسب الشرط اللاظاهراتي عند نقطة أخرى ( غير فعلية في وجودها وكيانها هي الأخرى) لايمكن أن تبدأ أبدأ ولايمكن ؛ حسب تلك الضرورة ؛ أن تنتهي ؛ فلا المسافة هي المسافة التي وكأننا ندركها ( المفهوم التائه ) ولا النقطة هي النقطة في حيز ما والتي نتخيل وعيها في منطقة بسيطة من المادة المدركة الواعية ؛ ذلك المفهوم ؛ أي مفهوم المادة المدركة الواعية ؛ الذي يحطم الأساس التجريدي لعقل كانط وأرسطو معأ وكما يحطم مفهوم الجوهر ومفهوم الأمتداد لدى ديكارت ؛ وهكذا تتلاشى العقدة الأساسية في الفلسفة والتي حسبها أنفرزت الفلسفة ظلمأ وجورأ وأعتباطيأ وجهلأ وبل غباءأ إلى تيارين ؛ نيار الفلسفة المادية ؛ وتيار الفلسفة المثالية ؛ وفقأ لتساوقية إيهما سبق الأخر ؛ الوعي والروح ؛ أو المادة والطبيعة .
فلا الأول موجود بمعنى الفينومنولوجي الأستطرادي ولا الثاني موجود بنفس ذلك المعنى ( لذلك أرتأينا استعمال أو استخدام مفهوم المادة المدركة الواعية بدلأ عن العقل أو الوعي أو الطبيعة؛ أوتحديدا بدلأ عن الدماغ ومحتواه الطبيعي وأساسه البيولوجي وأسه التماثلي والتناظري ) .
لنعد إلى محتوى التأصيل مابين ما نسميه جهلأ بالمسافة وخطأ بالنقطة ؛ فإذا كان الثاني لايسمح بموجودية الأول ؛ فإن الأول لايسمح بكينونية الثاني ؛ على إعتبار إفتراضي إن الأول هو شيء مما موجود ؛ وعلى أعتبار أفتراضي إن الثاني هو ما هو ؛ فإن الإول يغدو لاشيءأ من ما هو لاشيء ؛ والثاني يغدو هو الآخر ليس هو مما ليس هو ؛ شريطة أن لا نقع في مصيدة ماهو غيبي وكذلك ماهو مجرد أولأ ؛ وأن لا نكون ضحية محتوى المبدأ كالهوية مثلأ ؛ ومن هنا تمييزأ نستنبط إن المسافة وكذلك النقطة ليستا إلا مفاهيم تفتقر إلى محتوى البعد أولأ ؛ وإلى محتوى المشخص ثانيأ .
ان هذا المحتوى الجديد لمفهومي المسافة ثم النقطة يضفي بظلاله الإعتبارية على مفهومي المكان وكذلك الحركة ؛ والحركة تحديدأ تجسد وجسدت إشكالية عظمى في الفكر وفي الواقع وتحديدأ في محتوى الفيزياء أو مايمكن أن نطلق عليه جهلأ بقوانين الفيزياء .
هذه الإشكالية طغت على الفكر الفلسفي بجوهرها الأكثر تفاهة ؛ فمن أفلاطون وأرسطو ؛ إلى هيجل وكانط ؛ إلى الإمام الغزالي والفارابي وكذلك لاننسى ابن رشد ؛ ومن محمد سعيد رمضان البوطي في اليقينيات الكبرى وإعتماده على إن الحركة لابد من محرك أول ؛ ناهيك عن مفهوم إن النظام الكوني يقتضي المنظم الأول .
مع الإدراك المطلق إن الحركة مفهوم مابين قوسين وإن النظام ليس مفهومأ كونيأ ؛ وأود هنا أن أذكر بالقوانين الحركة الثلاثة بشكل مقتضب وبسيط :
القانون الأول : الجسم الساكن يبقى ساكنأ والجسم المتحرك يبقى متحركأ ؛ طالما لم تؤثر عليهما قوة ما ؛ وإذا ماحدث ذلك فإن الجسم الساكن يتحرك ؛ والجسم متحرك يتغير تسارعه .
القانون الثاني : إن القوة تساوي جداء حاصل ضرب الكتلة في التسارع ( أنظروا إلى تناقض القانون الأول مع محتوى القانون الثاني ؛ لكن ليس حديثنا هنا عن هذه الجزئيئة ) .
القانون الثالث : لكل فعل رد فعل يتساوى معه في المقدار ويعاكسه في الإتجاه .
هذه قوانين نيوتون الثلاثة والتي سميت ظلمأ بالقوانين الفيزيائية هي ليست فيزيائية على الإطلاق إنما هي في أفضل الحالات إطروحات تخص محتوى الحركة ؛ تلك الحركة المتضمنة في القانون الأول والذي لاغنى له عن ما هو فاسد في الفكر الفلسفي ناهيك عن الفيزيائي ؛ فهو يعتمد على مبدأ الهوية ؛ أي هو هو ؛ الساكن ساكن ؛ المتحرك متحرك ؛ والجسم جسم .
أضف إلى ذلك ماهو مفهوم الجسم ؛ لايوجد تعريف له بالمفهوم الظاهرة الفيزيائية ؛ بل إنه في كينونته وأستقلاليته ووجوده الجاف لايمكن إن يكون من ( ..... ) ؛ إنما نحن البشر من نضيف إليه مضمون ( الجسم ) كما أضفنا مضمونأ للمسافة وكذلك النقطة .
ولكي تتضح الصورة أكثر وتقنرب من أرتباطات الفكر البشري بما هو محتوى الكون أولأ ؛ ثم ماهو فيزيائي ثانيأ ؛ وكذلك مصداقية الإطروحات البشرية من فكر وفلسفة ومعتقد ودين فيما بينها وفيما بين القضايا أو الأمور التي لا نعرفها ثالثأ ؛ لا مندوحة من إظهار الفحوى الأصيل لعدة مرتكزات تتقاطع مع مفهوم المسافة والنقطة والكون أولأ ؛ وتتوازى مع الإندماج مابين الثالوث ؛ المادة المدركة الواعية ؛ العلاقة مابين ماهو فيزيائي وماهو رياضي وما هو كيميائي ؛ ثم مفهوم الظاهرة والشروط الأصيلة والمرافقة ومابين ما قد لانعرفه ولاندركه ولانحتسبه :
القضية الأولى : من المستحيل على مستوى التحليل البشري أن يكون ما هو ثابت في الكون ؛ وحتى سرعة الضوء 300 ألف كم في الثانية والتي تصور أينشتاين إنها الثابت الوحيد في الكون هي متغيرة ؛ بل ليست فقط متغيرة إنما الضوء نفسه يتحول من حالة إلى حالة ثانية ؛ فالقاعدة الثابتة في الكون هي لاقاعدة ثابتة .
القضية الثانية : إن ماهو فيزيائي وماهو رياضي وماهو كيميائي ليست قواعد ثابتة في أسها وفي تصميمها التأصيلي إنما هي قضايا وأحتسابات متحركة تبدو هنا على الأرض بشكل ما وتتصرف بسلوكية ما وتتفاعل ضمن أطر تبدو ثابتة لنا ؛ كما كنا نرى المسافة مابين لندن وباريس ؛ لكن هي في الحقيقة تأخذ أبعادأ ومقومات أخرى إذا تعلق الأمر بالكون أو حتى بما ورائه .
القضية الثالثة : كل الإطروحات الفكرية أو الفلسفية أو على صعيد المعتقد أو الدين ؛ ماهي إلا أطروحات بسيطة أسطورية نتجت في مراحل الجهل والخوف البشريين ؛ ولن تملك أي قيمة موضوعية عند تخلص المادة المدركة الواعية من تداعياتها وبلوغها مرحلة ثقافية جديدة ؛ أو مرحلة أبستيمية متقدمة ؛ أو مرحلة نوعية في فهم ماهو فيزيائي وماهو رياضي وماهو كيميائي .
القضية الرابعة : الكون شيء مختلف كليأ عن الأرض التي إن ذوبت لن تغير لاشيء بالمطلق في محتوى الموجود وقوانين الكون ؛ لذلك عندما نتحدث عن الأرض والبشر فنحن نتحدث عن لاشيء على الإطلاق ؛ مع العلم إذا كانت الشمس تبعد عنا مسافة ثمانية دقائق فإن أبعد جرم سماوي مكتشف حتى الآن هو في حدود 13مليار ونصف مليار سنة ضوئية مع أخذ الإعتبار إن أتساع الكون قد يكون أبعد من ذلك بملايين المرات بالنسبة إلى الأرض ؛ وأود أن أضرب هنا مثلا : لو قسمنا حبة تراب ناعمة في المكسيك إلى بليار بلياروبليار وألف مرة أخرى وقلنا إن مجرة درب التبانة قد خلقت لأجل ذلك الجزيء الذي هو بحكم المعدوم أصلأ وتأصيلأ .
القضية الخامسة : إن الكون الذي ننتمي إليه يتطور من مرحلة إلى مرحلة أخرى ؛ وفي كل مرحلة ينشيء قواعد متحركة جديدة ؛ سواء في ما هو فيزيائي أو في ما هو رياضي أو في ما هو كيمائي ؛ ويخلق حتى قواعد وسلوك تناسب تلك المرحلة دون سواها .
القضية السادسة : إن كوننا هذا الذي ننتمي إليه هو كون فيزيائي بالمطلق ؛ بل هو ظاهرة فيزيائية ؛ وهو يتفارق عن مفهوم الفيزياء في الكون ؛ فهذا الأخير مفهوم تافه وبسيط أمام مفهوم الظاهرة الفيزيائية ؛ وسوف نكمل مشروعنا الفلسفي السابق في هذا الإتجاه والذي توقفنا عن الكتابة فيه لأكمل معرفتي في هذا التخصص الجديد . وإلى اللقاء في الحلقة الحادية والسبعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول