الماركسية و العمل النقابي

الريكات عبد الغفور
2019 / 7 / 14

إن الممارسة النقابية دوليا لا يمكن عزلها عن الممارسة السياسية،فكثيرا ما حاول النقيض الطبقي الاستيلاء على القيادات النقابية، حتى يستخدمها كأداة لردع أي فعل نقابي قاعدي.
فأصبح التدرج في المعارك النضالية أمر حتمي و لا مفر منه، إذ يقتضي الأمر من الحركة العمالية النقابية (الفلاحين، العمال، الحرفيين....)، التمرد على القيادات التي تتخذ قرارات بيروقراطية تعبر عن نزعتها البورجوازية الانتهازية.
و دائما المنطلق النظري للصراع الطبقي هو هيجل، و الذي أصر أن التناقض و الجدل هما المحرك المادي و المحفز العلمي للصراع الطبقي بين قوى الانتاج و قوى العمل.
لا يمكن أن نحصر العمال في دائرة معارك هامشية أو صراعات فئوية مع أرباب العمل، بل ينبغي العمل على هدم الطبقات السائدة.
فالبروليتاريا ليس لها ما تخسر سوى تحطيم الاغلال،ومن هنا دعوة ماركس و انجلز بروليتاريو العالم الى الاتحاد، و هي دعوة صريحة لتنزيل مبادئ الأممية و التي شاركا معا في وضع لبناتها الأولى، و قد أكد ماركس على أن التاريخ المادي قائم على صراع الطبقات في مجتمع ما، و الرهان على الوعي النقابي للعمال فقط يبقى وعي معتل مادام لن يصطدم بالصراع مع نقيض طبقي ممركز دوليا.
و تبقى الإجابة عن نقل الوعي النقابي الى السياسي رهين بفهم و استيعاب «كمونة باريس»،فقد حاول ماركس أن يولي لها أهمية كبرى و يقدمها على شكل حوليات و مستحضرا فيها قيمة و أهمية الوثيقة في الكتابة التاريخية، حيث أبان كيف انتقل العمال بباريس من النضال الاقتصادي الى النضال السياسي و اجبار البروليتاريا الحكومة المؤقتة بفرنسا على أخد الحيطة والحذر في قراراتها السياسية، بل انها استغلت البورجوازية الصغيرة و المتعفنة لتخوض صراعا تحتيا مع الحركة العمالية، و نضال العمال في بعده الطبقي هو من أجل إقبار النظام البورجوازي.
وفي أي مجتمع رأسمالي، دائما ما يسعى النقيض إلى تضييق الخناق على العمال عبر إضعاف قدرتهم الشرائية بإقرار المزيد من الضرائب و تجميد أو تقليص الكتلة الأجرية و إغراق البلد في المديونية و تهريب الاموال للخارج و بالتالي إعلان الافلاس، لكن هذا السيناريو المتوقع حدوثه اليوم في دول «العالم الثالث» و المغرب أيضا، سيمنح فرصة كبيرة للجماهير و الطبقة العاملة كي تثور على نظام سياسي تسود فيه ديكتاتورية البورجوازية.
و عمل الرفيق لينين على تقديم اجابته العلمية في ذات الموضوع، و بالنسبة له فانخراط العمال في صراعات اقتصادية مع رب العمل لا يعني بالضرورة أنه ايذان بالانتقال للممارسة السياسية.
و هنا يدخل الرفيق مهدي عامل على الخط، و في نظره لا يمكن أن تتوقف الحركة النقابية عند الممارسة الاقتصادية، فالاولى أن تكون الممارسة السياسية الثورية هي الموجه الرئيسي لاي فعل نضالي، و الممارسة الاقتصادية هي جسر عبور للممارسة السياسية، و الضامن الحقيقي لنجاح هذا الانتقال بسلاسة و دون أي عرقلة هو وجود حزب يكون الأداة السياسية الثورية في مواجهة الدولة كأداة قمعية و زجرية متحكم فيها من لدن الاوليغارشية البورجوازية.
و يبقى الخطر الكبير الذي تواجهه الحركة في الانتقال من ب إلى أ ، قادم من أعداء الحزب الثوري أي الاصلاحيون أو التحريفيون أو المرتدون عن الماركسية، فدائما تجعلهم نزعتهم الانتهازية و منطلقهم البورجوازي على استعداد دائم لفرملة الوعي النضالي الثوري. و من هؤلاء المرتدين " كاوتسكي "و الذي احتقر ثورة البروليتاريا السوفياتية، مع العلم هو نفسه اعترف في مقال له سنة 1902 أن الثورة بروسيا ستفتح افاقا جديدة في اوروبا الغربية، على اعتبار أنها أظهرت للطبقة العاملة مستقبلها في صراعها مع الطغمة المتحكمة في وسائل الانتاج، و من هنا دفاع لينين عن نظرية ديكتاتورية البروليتاريا و التي تخوض صراعا للبقاء مع النقيض البورجوازي و الذي تضاعفت قوته الاقتصادية بمراكمته للثروة و توظيفها عسكريا، ومن ثمة قدرة الطليعة العمالية على الوفاء لروح و قدسية الثورة و التضحية بالذات بل و الاندماج مع الجماهير العمالية و الكادحة.
و ما دامت البورجوازية قائمة و مستمرة فالصراع سيستمر إلى حين اجثتاتها عبر مستويات (ايديولوجيا ثم اقتصاديا ثم سياسيا فعسكريا). و ما دامت الرأسمالية تشهد المزيد من الأزمات فتهالكها سيؤدي للانتقال الى الاشتراكية كما عبر على ذلك سمير أمين، و الانتقال سيتم في بؤر التوثر أي بالعالم الثالث و الذي تصدر له الطغمة الرأسمالية و الامبريالية أزماتها و خيباتها المتكررة، و ذلك قصد المزيد من سرقة خيرات الشعوب(النفط/ الغاز الطبيعي/ الفوسفاط..).
و ليست الحركة النقابية في المغرب بمعزل عن نظيرتها في العالم الليبيرالي،فقد عمل النظام السياسي القائم في فترات التوثر السياسي من الاستقلال الشكلي الى منتصف التسعينات من القرن الماضي، على عزل الحركة النقابية عن نضالات الجماهير الشعبية و بخاصة أن الحركة أو الفعل النضالي الجماهيري انخرط فيه التلاميذ و الطلبة و الأحزاب و الجمعيات التقدمية. و انتقل بعد ذلك إلى تفكيكها و تجزيء المجزأ فصارت نقابات عمالية عديدة خرجت في وقت معين من أم واحدة،و عملت على فرض قيادات نقابية على العمال و فرزها و جعل قراراتها البيروقراطية تتعارض مع طموحات القواعد العمالية، و لم تعد النقابة قادرة على تأطير العمال لخوض الصراع الطبقي، في افق الالتحاق بالحركات الاحتجاجية الجماهيرية. كما عملت القيادات البورجوازية الانتهازية على التنفير و التضييق على كل من يريد تصحيح بوصلة العمل النقابي، و قد ساهمت سياسة الكرسي الفارغ و ضعف الانخراط في العمل النقابي على افراز طبقة عمالية هشة و غير مؤطرة بل و غير قادرة على خوض معارك نضالية فئوية ما بالك بالانخراط في الصراع الطبقي. و الرهان اليوم على أي علاج للمركزيات النقابية العمالية صعب للغاية، اذ لا يمكن اصلاحها الا بهدمها و اعادة بنائها طالما أنها تحت وصاية الدكاكين السياسية،و هو أمر بالغ الأهمية و يتطلب انخراط الغيورين على الحركة النقابية الجماهيرية، فمن غاب عن مرحلة الهدم لا يمكنه أن يواكب أو يساهم في إعادة البناء و الهيكلة لحركة نقابية جماهيرية و مستقلة.
المراجع المعتمدة:
1_ النضال الطبقي في فرنسا/ كارل ماركس.
2_البيان الشيوعي / ماركس و انجلز.
3_ما العمل / لينين.
4_مرض اليسارية الطفولية في الشيوعية / لينين.
5_مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني / مهدي عامل.
6_ ما بعد الرأسمالية المتهالكة / سمير أمين.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول